الرئيسية » مقالات » العلاقات العراقية السورية – خطوة الى الامام… خطوتان الى الوراء

العلاقات العراقية السورية – خطوة الى الامام… خطوتان الى الوراء

كاتب وباحث وصحفي
يلاحظ المتابع لمسار علاقات العراق الاقليمية وخاصة مع جيرانه فتور هذه العلاقات واحتدامها في مساحة زمنية كبيرة قياسا الى فترات المقاربة والتلاقي وهي لاتعني بكل الاحوال ان كل السياسات العراقية كانت تنطوي على مثالب سيئة مثلما لاتعني ان كلها مرسومة بعين الحكمة الغائبة عن مسار الكثير من السياسات في المنطقة ومن هنا سخونتها قياسا الى اجزاء المعمورة الاخرى، عقدة السياسية العراقية هي جزء من عقد السياسات في الشرقين الادنى والاوسط والتي تنطلق من رغبة وامزجة من هم في السلطة ونظرتهم للامور وتقييماتهم وتحليلاتهم لحركة التاريخ والواقع وبقدر ما تكون تخريجاتهم واقعية كانت السياسات تقترب من اهدافها فيما ورثت المنطقة تراكما ثقيلا وميراثا سيئا جراء الكثير من السياسات الرعناء التي انطلقت من نخب سلطوية لم تراع مصالح شعوبها وادى قصر نظرها السياسي الى جر عواقب وخيمة ليس لبلادها وانما للمنطقة باجمعها وستحتاج المنطقة الى فترة تاريخية طويلة لرأب الصدع اذا ما تم اتباع سياسة جديدة تتسم بالعقلانية والمرونة وتعتمد لغة الحوار واحترام الاخر.
العلاقات العراقية السورية التي ابتدأت مع حصول سوريا على استقلالها عام 1946 وعلى مسار واحد وستين عاما هو عمر الدولة السورية لم تكن هذه العلاقات ايجابية مما تسبب في امتعاض شعبي وجماهيري في الدولتين بسبب سياسات الحكومات التي لم تراع مواثيق الجيرة والروابط التاريخية الاخرى على مسار هذه الاعوام الطويلة كان هناك ثلاث سنوات من العلاقات الحسنة وسبع سنوات من العلاقات الفاترة واحدى وخمسون سنة من العلاقات المتأزمة المقتربة من لحظة الانفجار في بعض سنواتها ونتيجة لهذه السنوات الطويلة من المجافاة وما تفرضه من جانب الحكومات من خطابات اعلامية وتوجهات فكرية متضادة تلقي بظلالها على الشعبين اللذين لم يستفيدا من ذلك التأزم سوى الخراب اترى في تلك السنوات والمراحل نظام انبثق من الذات الشعبية وعبر عنها بوضوح وتلك حقيقة اجابتنا عنها منطق الوصول الى السلطة في العديد من دول المنطقة عبر الانقلابات العسكرية المحبوكة في غرف المؤامرات السرية ذلك الطريق المظلم الذي حرم شعوب المنطقة من تقدم وتطور تاريخي ومعرفي وتكنولوجي اسوة ببلدان شرق اسيا التي دخل بعضها ككوريا وسنغافورة مرتع الدول الصناعية المتقدمة الى جانب اليابان والهند والصين وماليزيا ودول اخرى على طريق في حين مازالت هذه المنطقة تفتقر الى لغة حوار وتلك هي الطامة الكبرى.
في عهد النظام الاستبدادي والهروب الفردي والجماعي للعراقيين من اتون جهنمه فتحت دمشق ابوابها للعراقيين وقدمت لهم كل عون ورعاية وذلك جزء من حكمة اتسم بها الرئيس السابق حافظ الاسد رحمه الله وقراءته البعيدة لاوضاع المنطقة واستمر الدعم السوري حتى لحظة الاطاحة بدكتاتور العراق وقد تصور العديد من المراقبين خاصة بعد تشكيل المؤسسات الدستورية العراقية واعلان الدستور العراقي المؤقت والدائم من سوريا ستكون الدعم الافضل للكثير ممن احتضنهم بالامس لوجود لغة الحوار المسبق والاطلاع عن كثب عن حجم معاناة العراقيين ودماء بلادهم ومع تقديم الوقت كشفت اوراق اللعبة الساخنة في العراق وما يتعرض له من هجمة ارهابية متعددة الاطراف محليا واقليميا مدى تورط الحكومة السورية في مساحة النشاط التخريبي الجاري في العراق والذي يستهدف ابناءه العزل واسواقه التجارية ومناطقه ذات الكثافة السكانية العالية وهو ما يؤشر على تغير مسار غير مدروس في السياسة السورية التي تميزت ببعد نظر لا ينكر في فتراتها السابقة وخاصة عهد رئيسها الراحل… قبل ايام قلائل اعلن الرئيس السوري في لقاء مع صحيفة امريكية من ان الامريكيين تكرر اخطاؤهم لانها تنطلق من نظرة عسكرية بحتة ومعالجتهم للامور هي وفقا لهذا المنظور ومن الطبيعي انه يقصد اجراءاتها العسكرية في العراق والذي اعلن ايضا انه يمتلك مفاتيح حلها وهو مما يعني ضلوع سوريا بالملف العراقي صراحة وجهاراً ومن ذات المنطلق نسي الرئيس السوري ان الامريكيين الذين وصفهم بغلبة العقل العسكري على العقل السياسي في سلوكهم داخل العراق ان سوريا نفسها تخلت عن منطق العقل السياسي لصالح العمل المخابراتي اللوجستي الذي اشعل لها الازمات في كل مكان ابتداء من اغتيال الحريري في لبنان وانتهاء بالعراق ان الصراعات المخابراتية وفبركاتها لم تعد الفيصل الحاسم الان فقد مثل انتهاء الحرب الباردة افولها ثم ماذا ستجني سوريا من تبني خيارات النشاط المخابراتي والتوريط باوحال جرائمها اليس ذلك يجعلها في كفة الميزان مع ما صرح به الرئيس الاسد ثمة حقيقية في السياسات الامريكية فالامريكيون اذ ما لجأوا الى استخدام القوة العسكرية فانهم لن يقبلوا من الخصم باية مساومة سوى الاستسلام غير المشروط وذلك يمنحهم بالتاكيد التخلص من اشكاليات عديدة ليس اقلها حرية التأسيس الجديد ان المخاوف السورية من العراق الجديد لم تكن مبررة على الاطلاق ولم تمتلك تلك المخاوف المسوخات الاخلاقية والسياسية للجنوح بالتدخل في العراق عبر اجندة مشتركة مع حليف اقليمي لها معروف.. ان كسب ود الشعب العراقي وقواه الوطنية وخلق علاقات متوازنة مع حكومته المنتخبة كانت من اولى الفرائض على السياسات السورية التي غابت عن مسارح حكمتها واذا كانت المخاوف السورية تبعث من وجود ما يعتريه الخصم السياسي اللدود او العدو فما شأن العراق وشعبه وحكومته بتلك الخصومة التي بنيت على خلفيات كثيرة لاعلاقة للعراق بها منذ ان وضعت سوريا على لائحة الدول الدائمة للارهاب ولاحقا ضمن محور الشر والارهاب لاعتقد ان الشعب العراقي وقواه الوطنية وهم ينظرون بعين التقدير الى المواقف السورية ازاءهم ايام الطاغية ان تسمح ان تكون الارض العراقية منطلقا لاي عمل ضد سوريا بل على العكس فقد اعلن العراق انه لايسمح بنقل الصراعات وادارتها من الاراضي العراقية مع أي احد وقد قدم الرئيس العراقي كل التطمينات الى القيادة السورية في زيارته التاريخية لسوريا عارضا فتح صفحة جديدة من العلاقات الاخوية برغم الدور الدموي والتخريبي لسوريا في عراق ما بعد الدكتاتورية.. لكن علائم الفرح بنتائج الزيارة لم تدم على خلفية الحلقة المفرغة للسياسة السورية القائمة على منطق العنف والتدخل ونخشى على سوريا ان تصبح ذات يوم على فوهة بركان اسهمت في صنعه هي وكبرت بؤبؤه ستنوء بحمله واثقاله وربما من جهة ليس العراق بينها. ان الموقف الايجابي من العراق وتجربته الديمقراطية الرائدة وتعزيز انواع العلاقات السياسية الاقتصادية من شأنها ان تشكل مصدر قوة للاقتصادين العراقي والسوري خاصة ان البلدين يشكلان عمقا ستراتيجيا للاخر اذ ما تحسنت العلاقات واقيمت على اسس سليمة وعلى ثقة متبادلة تؤمن نتائج متميزة ينتفع منها الشعبان الشقيقان الجاران.
ان مغادرة اجواء التوتر والعلاقات المنتمية الى استراتيجيات دولية واقليمية ولت وليس بمستطاعها العودة لتغير المناخات القائمة وان سياسات الاحلاف المتمحورة لن يكتب لها النجاح اذ ما تشابكت في صراعات محلية واقليمية تشكل بؤرة للتوتر المزمن ان طي صفحة الماضي المثقل بالمشكلات العويصة والجراح النازفة والشروع بالعلاقات المتوازنة القائمة على التعايش السلمي وعدم التدخل في شؤون الاخرين والتفاعل الايجابي لخلق نهضة في العديد من المفاصل هي المفتاح الحقيقي لعلاقات حسن جوار وطيدة.