الرئيسية » الملف الشهري » جرائم الانفال السيئة الصيت وجرائم الصمت والسكون وضرورة ترسيخ العلاقات العربية- الكوردية

جرائم الانفال السيئة الصيت وجرائم الصمت والسكون وضرورة ترسيخ العلاقات العربية- الكوردية

– كاتب وباحث وصحفي
لم تكن جريمة الانفال او الهولوكوست الانسانية الجديدة ضد الكورد مجرد حلقة اجرامية كبيرة في سلوك النظام المقبور المشين ذي السجل المخزي والتاريخ الحافل بالعار مثلما هو حافل بالتزوير التاريخي للحقائق الموضوعية.
فالنظام استجمع كل الخيوط الممدودة من النظم الشوفينية المقبورة قبله في نقطة ابادة الشعب الكوردي وترقين وجوده القومي على ارضه التاريخية كوردستان وطنه ووطن ابائه واجداده.
فالنظام اتبع استراتيجية جديدة في التعامل مع الكورد وحركتهم التحررية الرامية الى الاقرار بحقوقهم المشروعة وفق ما تقرره ارادة الشعب الكوردي.
واذا كانت السياسات الحكومية السابقة ترمي الى تقليص ارض كوردستان مثلما ترمي الى تقليص الشعب الكوردي عبر محاصرته في محاور عديدة تشمل الاقتصاد والثقافة كيما تستمر اللعبة وتتآكل قضيته التحررية وتلك عقدة الاضطهاد الكامنة في نفوس مضطهدي هذا الشعب الذي عاش منذ الالاف من السنين في تاريخ حضاري مشرق مجيد يفوق تاريخه تاريخ العديد من شعوب العالم والمنطقة لكن عانى غبنا تاريخيا على ارضه عبر تجزئة ارضه لتعويق مشوار تحرره في لعبة سياسية مكشوفة ما عادت تنطلي على احد. واذا كانت تلك السياسات تجرى بمراحل وتدارى بشيء من الألاعيب المخجلة المضللة للوطن والوطنية وتحاول السلطات المحافظة على مسافة بينها وبين فواصل الادانة.
فان البعث جعل من سياساته واقعا مكشوفا بالاستناد الى مخططاته التآمرية لأن حلقة التآمر تعد الوصلة السياسية الأفضل في التعامل السياسي لهذا الحزب الفاشي وطريقا للوصول الى السلطة واغتصابها وابتلاع الخصوم وغير الخصوم والحلفاء في قضم منظم وبأبشع الأساليب دموية وقمعا على خلفية ايديولوجية النازية ذات الجذور البرانية.. فلا غرابة من ان تشكل نواته النظرية النازية البرانية جسرا ومعبرا للبلد الذي انتج هذه النظرية التي كلفت البشرية خسائر رهيبة وقادت سمومها المكتشفة عام 1936 الى مجازر وابادات ظل الالمان خجلين امامها امام انظار العالم.
وحاول النظام المقبور اخلاء كوردستان من سكانها الكورد وقاد ابشع عمليات سبي بربري في التاريخ المعاصر شملت الرجال والنساء والاطفال الى جانب نهب ممتلكاتهم واموالهم ثم فصل الرجال عن النساء والاطفال عن ذويهم ثم جرهم في طوابير من السيارات العسكرية باتجاه المناطق الحدودية الصحراوية لدفنهم في حفر معدة للجريمة دون ان يكون هؤلاء المدنيون المسلمون الكورد المسالمون اسرى مواجهات عسكرية او غيرها ثم جرت عملية بيع اعداد من النساء واستبعادهن بعيدا عن اهاليهن ووطنهن.. بمثل هذا السلوك الاجرامي المخالف لابسط الاعراف الانسانية والقيم الاخلاقية ان السكوت على تلك الجريمة يعد غياب البعد الاخلاقي لقضايا الحقوق الانسانية في المنطقة وعلى عادة النظام المقبور في التلاعب بالالفاظ والمعاني واستعارة المعاني والمفاهيم بشكل مغاير لحقيقتها بما يشكل من اساءة تاريخية واخلاقية الى تلك المفاهيم غير آبه بقدسيتها وخطابها الاممي التشاركي.
فالنظام استعار من القرآن الكريم كلمة الانفال والتي تعني الغنائم وتخص مشركي قريش في موقعة بدر وما اهاج المسلمين حول الغنائم وقافلة ابي سفيان أترى كان هؤلاء الكورد في تلك القافلة.
ان النظام اعطي لنفسه حق وراثة الافكار والمفاهيم والدين حين كان هو احد أشد الانظمة تحاملاً على الاسلام ومفاهيمه الانسانية السمحة فمعظم مفكري المسلمين قد امتدت اليهم يد السلطة الغادرة التي فتكت بهم ولم تراع حرمة للأسلام والمسلمين في ذلك ويعتبر الشهداء على ايدي ازلام النظام بتهمة ممارسة الشعائر الدينية هو الاكثر عددا منذ القرن الوسيط.
على ان الخلفية الفكرية والايديولوجية للبعث الفاشي قد اسست لذلك من خلال اشاعة الافكار والمفاهيم الهدامة القائمة على اثارة الاحقاد والضغائن والنعرات ورغم التاريخ الاجرامي الطويل ومراحل حركته الملطخة بالدم فأنه استطاع مرة واحدة تغيير بعض مفرداته لأسباب تاكتيكية.
فالبعث يرفع شعارات الاخوة والعمل المشترك وحماية المكتسبات وهو اول من يحرفها.
ولعل في صورة الطاغية في اعلان وثيقة العمل العربي التي اعلنها في ملعب الشعب وحرم فيها استعمال القوة المسلحة ضد أي بلد عربي ليكون هو اول من خرقها باحتلال الكويت.
والمرة الوحيدة التي غير البعث مفرداته كان في المؤتمر التاسع عندما حذف فقرة (الحزب القائد) (الحزب الواحد) والتي على اساسها انسحب من جبهة العمل الوطني عام 1957.. فحزب البعث له نظريته العميقة الخاصة ازاء مسألة الديمقراطية والتعددية ومسألة حقوق القوميات المتعايشة.. فهو لا يؤمن سوى (بالحزب القائد).
ولعل في صور تحالفاته مع القوى السياسية العراقية افصح شاهد عن دوره المشين ولم يخرج البعث من سطوة افكاره سوى في مؤتمره التاسع قبل مجيئه الثاني للسلطة.
اما في مجال المسألة القومية فهو لا يعترف بالوجود القومي للكورد وغيرهم ففي كتابه نقطة البداية يورد المقبور ميشيل عفلق حول الكورد ” طوال قرون عديدة الكورد هم مواطنون عرب ومسلمون”.
كما ان شرط الانتماء العربي الذي وضعه منظروه وكتبوه ايضا في النصوص الدستورية المؤقتة في فترات حكمهم الدموية هي (العربي هو من كانت لغته العربية وعاش في الارض العربية او تطلع الى الحياة فيها وآمن بانتسابه الى الامة العربية).
ومن خلال هذه الافكار الشوفينية والعنصرية كان الحزب الفاشي يشيع سموم افكاره ويلوث البنية الفكرية المجتمعية بقاذوراته العفنة غير آبه بمنطلقات التآخي المرسخة للتلاحم الاجتماعي والمجتمعي.
ان جرائم الانفال تأتي ضمن مسلسل مجازر التطهير العرقي وسياسات التعريب وتعد الحلقة الأوسع فيها بحملاتها الثماني والتي لم تعد بحاجة الى توثيق جديد.
فمنظمة حقوق الانسان فرع الشرق الاوسط اجرت تحقيقا مطولا عن الجريمة حينها واصدرته بكتاب يحمل عنوان (جريمة العراق في الابادة الجماعية/ حملة الانفال ضد الكورد).
وقد صدر بعدة لغات.. ان تسليط الضوء على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الكوردي من شأنها توضيح ابعاد الممارسات العنصرية ومدى اضرارها الفادحة مجتمعياً من ناحية وعلى العلاقة المتآخية بين العرب والكورد من الناحية الاخرى.
كما ان الاعتراف بوقوع هذه الجرائم يستدعي تدريسها في المناهج التربوية والتعليمية وخاصة العربية لأن كشف الجرائم من شأنه ردع الآخرين في أي مكان من اللجوء اليها.. فاذا كان الصمت والسكوت الذين لفهما حينئذ لأسباب كثيرة ليس اقلها شراء النظام لذوي الضمائر الفاسدة وكبريات الاجهزة الاعلامية الراصدة المرئية والمسموعة والمقروءة فضلا عن صمت الانظمة.
واليوم آن الآوان لفضح الجرائم التي ظلت مطموسة اضاعت حقوق الضحية وعتمت عليها حيث هناك فرص جدية لتغيير الاوضاع وتسليط الضوء بما يرتقي لكشف ما جرى وتعويض الضحايا عما جرى لهم وانهاء لحظات الصمت السلبي وسنوات الجمر والنار التي التهبت بوقود بشري هم ابناء الشعب الكوردي فبعد اماطة اللثام عن الجرائم لا بد من مواصلة حملة التعريف بالحقائق المشهودة وتصويرها بحجمها الكارثي الذي لا بد ان يصل اوسع جمهور واعرض قوى سياسية ورسمية دولية واقليمية وشعبية محلية وعالمية وهو بما يقتضي مراجعة حادة للذات العربية بوصفها شخصية قومية تمتلك هويتها ومساراتها واهدافها وآليات فعلها والاعلان بصراحة ووضوح أن ما ارتكبه البعث من جرائم ضد الشعب الكوردي باسمه هي جرائم قبيحة ضد الانسانية لا تمثله ولا يمكن ان تكون معبرة عن حقيقة الذات العربية وتطلعها لبناء علاقات ايجابية مع كل الشعوب والقوميات وخاصة المجاورة لها والمراجعة الصريحة لا تعني بأي حال اتهامها للعرب اجمع بأنهم كانوا وراء جرائم الابادة البعثية المخزية بقدر ما تعني البدء بصفحة جديدة من العلاقات العربية الكوردية وابعاد آثار نشاط القوى التخريبي التي تريد العبث بمصالح الشعبين الكوردي والعربي.
واليوم وبعد سقوط النظام وركله في مزبلة التاريخ نلاحظ استمرار اغفال الجريمة او التغافل عنها بحجج واهية ليس اقلها الادعاء بوجود مسؤوليات اخرى وأولويات مختلفة ومهمات تشغل عن القضية الكوردية وكأن الكورد في عالم غير العالم الذي نعيشه ونتحسسه.
ان تسليط الضوء وبقراءات نوعية جديدة سيساعد على تجاوز امراض الماضي واخطائه وثغراته ويفتح الباب لترسيخ العلاقات مع الكورد الذين تبقى يدهم ممدودة الى اية يد تحمل معاني المحبة والوئام والتعايش السلمي.