الرئيسية » مقالات » بعد استفحالها لتوسع شبكات الاتصال السرقات الادبية…انحطاط ثقافي واخلاقي يستحق المحاكمة

بعد استفحالها لتوسع شبكات الاتصال السرقات الادبية…انحطاط ثقافي واخلاقي يستحق المحاكمة

من الإنصاف أن نقول : أن أكثر الأمور التي تؤرق الكاتب ، أن يسرق نتاجه وينشر بإسم شخص آخر ، خصوصاً إن كان هذا الشخص من أدعياء الأدب والصحافة ، أو ممن أعيتهم الحيلة عن كتابة مقالة أو قصة ناجحة تصلح للنشر ، والأمر أشد إيلاماً عند حدوث هذه السرقة قبل أن يفلح الكاتب في نشر نتاجه في صحيفة أو مجلة أو كتاب ، ليتسنى له أن يثبت حقه الفكري في أن ينسب هذا النتاج الى إسمه ، فنتاجات الكاتب قطع من نفسه ، وأعز عنده من ماله وولده أحياناً . ولأهمية هذا الموضوع الخطير ، أجريت إستطلاعاً لآراء نخبة من النقاد والكتاب والمثقفين ، الذين صرحوا بمكنوناتهم ، دون مداراة أو خشية من أحد حيال هذه الظاهرة التي تشكل سبّة ، قد تلحق ( بالكاتب ) طوال حياته ، بل قد يتعدى ذلك الى ما بعدها .
الصدفة وحدها هي التي قادتني لإجراء هذا الإستطلاع ، فبينما أنا جالس في ملتقى المستقبل الثقافي ، إستفزتني حالة أثرت بي ، جعلتني أسارع في إجراء هذا الإستطلاع وأنتهز فرصة وجود مرتادي الملتقى من المثقفين ، فما أذكر أني كتبت نتاجاً ، قصة كانت أو مقالة ، إلاّ رد فعل لصدام مع واقع مؤلم أو حالة مأساوية أعايشها ، وعلى كل حال لنا أن نقول : هل تستحق سرقة جهود الغير لأن يعاقب مرتكبها عقوبة مادية ، أم أنّ تأنيب الضمير ، وازدراء الغير أعظم عقوبة له ؟! كانت الأسئلة التي وجهتها تدور حول مفهومين ، أولهما : عن التعرف على النص الأدبي المسروق ، هل هو ميسور ، ام يتطلب مهارات ومواهب لا تتوفر لدى القاريء العادي ؟ والثاني : كيف يتم إكتشاف السارق إن أجاد تمويه النتاج بالزيادة والنقصان ، محاولاً طمس معالمه الأصلية ، وكيف تكون عقوبة الجاني ؟ هل تكون معنوية ؟ أم بوسائل مادية أخرى ؟ أم بالغرامة ؟ عن كل ذلك أجابت نخبة من النقّاد والتربويين والأكاديميين والكتاب بما يلي :
أحمد محمد : يمكن للناقد الحصيف ان يميز النص والاسم بعد القراءة الدقيقة.
أحمد محمد أحمد / كاتب : أجل يمكن للناقد الحصيف أن يميز النص والإسم بعد القراءة الدقيقة ، وهذا يعتمد على قوة ملاحظته وسعة ذاكرته وخزينه المعرفي والثقافي ، ويتساءل في نفس الوقت ويقول : ولكن كم هو عدد هؤلاء الأذكياء الحصفاء ؟ وكأنه يجيب هو نفسه عن سؤاله ويقول : إنهم قليل ! ويضيف بأن عقوبة السراق تكون بإنشاء هيئة شبيهة بمحكمة التحقيق ، لها قوانينها الخاصة وخبراؤها ، فعندما يشك في نص مسروق ، يصار الى تحويله الى تلك الهيئة ، حتى تصدر لاثحة إتهام أو براءة ، أمّا العقوبات ، فهي من إختصاص المحاكم القضائية التي تعتمد على قرار التحقيق المشار اإليه آنفاً . خالد شويش : انا ادعو الزملاء المشرفين بأن يتعاملوا بحذر مع النصوص التي تردهم .
خالد شويش القطان / شاعر : في البدء نقول أن السرقة الأدبية وفي مجالات الإبداع كافة ، أصبحت ظاهرة مستشرية في بعض الصحف وعلى شبكة الأنترنيت ، وهي ظاهرة مذمومة تسيء الى من يتعاطاها ، ولسوف يفضح السارق ولو بعد حين . نعم من الممكن التعرف على النص المسروق ، إذا كان القاريء نبهاً ويحمل ثقافة واسعة متأتية من قراءاته المتراكمة ، ويستطيع تشخيص عائدية النص ، وتقع مسؤولية نشر النص المسروق بالأساس على المشرف على الصفحة الثقافية للمطبوع ، وبهذه المناسبة فأنا أدعو الزملاء المشرفين أن يتعاملوا بحذر مع النصوص التي تردهم ، وبخاصة تلك التي ترد عن طريق البريد الألكتروني . من الصعب القضاء على ظاهرة السرقات الأدبية ، لأن البعض من أنصاف المثقفين الذين يفتقرون الى الموهبة قد استسهلوا هذا الأمر واستمرأوا هذه اللعبة التي تسيء الى الثقافة والى المبدعين ، أما عقوبة هؤلاء فهي تعريتهم وفضحهم وعدم التعامل معهم في نشر نصوصهم ، حتى يكونوا عبرة للاخرين ، ومن حق المبدع الذي يعثر على نصه وقد رفع عليه أسم آخر ، أن يرفع دعوى قضائية تعيد له حقوقه وتقتص ممن تجاوز على حقه الفكري .
هشام الجاف : احدهم فاز بالجائزة الاولى بقصة تعود الى القاص المصري يوسف ادريس .
هشام الجاف / كاتب: روى لنا أنه في إحدى المرات تقدم ( أديب ) لمسابقة أجرتها إحدى الإذاعات العراقية بقصة تعود للقاص المصري المعروف ( يوسف إدريس ) ، وقد فاز بالجائزة الأولى في تلك المسابقة ، و تعلل ذلك السارق بعذر مفاده أنه لم يكن يقصد الغش والسرقة ، إنما كان يريد أن يثبت نظريته حول جهل وقلة ثقافة القائمين على التحكيم في تلك اللجنة المشرفة !
الكاتب فاضل الخياط : الدليل على عائدية النص ، اسلوب الكاتب وتأريخه وسماته الشخصية .
فاضل الخياط / كاتب : يمكن التعرف على النص الأدبي لهذا الأديب أو ذاك ، ومن خلال ذلك يمكن التعرف على هذه السرقة ، فالدليل على عائدية النص ، أسلوب الكاتب وتأريخه وسماته الشخصية ، فتأريخ الكاتب وثيقة ، والوثائق تعلن عن صدقية الكاتب ، وصاحب النص هو الناشر الأول ، والناشر الثاني هو السارق ، كما يمكن عقد مناظرة بين الطرفين للإستدلال على صاحب النص الأصلي ، ويمكن الكشف عن النص المختلس بمجالسة طرفي الخصومة إن كانا حاضرين ، وجلب وثائقهما ، ومعرفة من هو صاحب الفكرة ، لأن صاحبها هوالكاتب الحقيقي للنص . ويعتقد الكاتب ( الخياط ) بأن العقوبة والتعويض يكونان مادياً ومعنوياً ، فتعويض الكاتب الأصلي للنص ، يكون بتسهيل نشر كل دفاعاته وآرائه ووجهات نظره ، في مختلف المنابر ، وتغريم سارق النص كل ما جناه من مبالغ مالية تحققت عند نشره النص المسروق ، لكي لا يكررها مرة أخرى .
عبد الرزاق حسين النداوي : ليس من السهل الكشف عن النص المسروق ونحن في عصر تكنلوجيا المعلومات .
عبد الرزاق حسين النداوي / كاتب: ليس من السهل ألكشف عن النص المسروق ، سيما ونحن في عصر تكنلوجيا المعلومات التي أتاحت للجميع النشر والإطلاع معاً ، فالمسألة في غاية التعقيد ، ويحكمها جانب أخلاقي أكثر مما هو معرفي ، وربما يكون لتداعيات الوضع العراقي الحالي ما يسّر شيوع هذه الظاهرة واستفحالها . وليس لدينا من سبيل لمعاقبة السراق في مجال الإبداع والمعرفة ، في ظل غياب تشريع يحفظ حقوق المبدع من السرقة والتطاول واختلاسات الغير . ومن الضرورة تعامل المثقفين عموماً ودور النشر والصحافة خصوصاً مع من يثبت تورطهم في السرقة ، من خلال الإحجام عن نشر مواضيعهم والتنويه عنهم في الصحف والمجلات ، وبذلك نستطيع أن نحد من إستفحال هذه الظاهرة ، ولا أحسب أن هناك إمكانية للقضاء عليها بوجود أشخاص من هذا الصنف لهم القدرة على إبتكار طرق ووسائل جديدة تقيهم الفضيحة . جبار حسين صبري : سيخضع السارق لتأنيب الضمير واحتقار الذات جبار حسين صبري/ ناقد : ليس أيسر من كشف السرقات الأدبية ، فالنص مهما كان شكله ، فهو يحمل علناً أو ضمناً صورة منتجه ، وتلك الصورة تتجلى في كل خط وحرف وكلمة وجملة ، وهذه الصورة لما تحمله من صراخات وصيحات تدق نواقيس حضورها في كل سطر ، وبذلك يفصح النص عن صورة صاحبه . أما العقوبة لهؤلاء فاعتقد أنها ساقطة عنه كونه قد سقط مع نفسه بنفسه ، وسيخضع لتأنيب الضمير واحتقار الذات ، وبالتالي فإن الصورة التي تنطبع في ذهن القراء ، ستكون لمثل هذه النماذج شوهاء مملوءة بالقباحة. سعد مطر عبود : التراكم المعرفي والابداعي يؤدي الى بروز الهوية الابداعية للقاص او المبدع .
سعد مطر عبود/ ناقد : يمكن التعرف على مقاطع النص الأدبي المسروقة من هذا الأديب اوذاك ، عندما يحاول السارق أن يآلف بينها لتكون نتاجاً واحداً ، فمن المؤكد أن هذا ( الكاتب ) القاصر سيخفق وسيخالف بذلك الشكل الفني أنساقه البنيوية ، ( إذا جاء بنيان النص مغايراً للخريطة الجمالية المتفق عليها ) فضلاً عن التناقض في السرد ، أو في الصورة ، أو في الثيمة ، ومن ناحية اخرى هيمنة الحشو أو التضمين ، أو الإقتباس على الإبداع ، وبشكل عام تجد هنالك تناقضات اسلوبية تخلق حيزاً فضفاضاً في الثيمة ، ما يولد الشك في إنتساب النص للمبدع ، ويمكن الكشف عن السرقة في تكرار الحدث ، مع بروز مخالفات في الطرح والرؤية . يقول بوفون : ( الأسلوب هو الرجل نفسه ) فكل أديب أو قاص أوكاتب له خصوصية اسلوبية ، وهذا لم يأت في يوم وليلة ، أو عن عمل أو عملين ، بل نتيجة تراكم معرفي وإبداعي ، الذي بدوره يؤدي الى بروز الهوية الإبداعية للقاص أو المبدع . وإذا ما لمس المتلقي شذوذاً بنيوياً في النص ، وعدم تآلف في النص ، فسيؤدي ذلك الى نفوره منه ، وعدم توحده مع معطياته .
موسى القريشي : السراق يستغفلون الآخرين ويستبيحون عصارة افكارهم .
موسى القريشي / اكاديمي : الصحافة لا تخلو من سرقات للنصوص الأدبية ، لأن في الساحة الأدبية الكثير من ممن يدعي أنه شاعر أو قاص أو كاتب ، ولكن عندما ندرس نتاجه نجده قد سرق من هذا واخذ من ذاك ، ومعيار قياس هذه السرقات هو اسلوب الكاتب نفسه ، فإن كان ممن يعتدي على الغير ويسرق ، نلاحظ أنه يرتقي بإسلوبه مرة ، وأخرى يتدنى الى الحضيض ، كذلك يمكن التعرف على السرقات من خلال إطلاعنا الواسع على نتاجات هؤلاء ، وهذا من شأنه أن يجعلنا نتعرف ونميّز أساليبهم وطريقة كتاباتهم ، وحتى المفردات التي يوظفونها في نصوصهم الأدبية ، والكشف عن هؤلاء مسألة تعود لمتابعي نتاجات هؤلاء ، فالمتابعون وحدهم القادرون على تمييز نتاجاتهم الحقيقية من المسروقة ، لأنهم بمتابعتهم أصبحوا خبراء فيهم ، أمّا الدور الأول في معاقبتهم فيمكن أن تقوم به الصحافة ، لأنها قادرة على تهميشهم ، وعدم السماح لهم بالنشر مرةأخرى بعد ثبوت تورطهم ، لأنهم يستغفلون الآخرين ويستبيحون عصارة أفكارهم ، وفي ذلك إساءة للأدب وللأدباء ، ولذلك فعلى الأوساط الأدبية أن ترفض هؤلاء ، وتمنع التعامل معهم .
ليث علي يوسف : هذه الظاهرة تظهر عند انحدار القيم والثقافة .
ليث علي يوسف / تشكيلي : هذه الظاهرة تظهر بوضوح جلي عند إنحدار القيم والثقافة ، وعدم وجود الضوابط القانونية الرادعة كما يحصل في وقتنا الحاضر ، والصحفي الذي يحترم قلمه وفكره لا يمكن له أن ينحدر الى هذا الحضيض ، ولكن الطارئين على الساحة الصحفية والثقافية هم من يقومون بهذا العمل المخجل . يجب وضع صيغة قانونية بمعاقبة هؤلاء ، وتشكيل لجنة ثلاثية من الأدباء والصحفيين تأخذ عى عاتقها التحقيق في هذا الأمر ، قبل السوق الى المحكمة ، على أن تتواجد هذه اللجنة في نقابة الصحفيين أو في أي مؤسسة ثقافية اخرى . علي رضا علي : يبقى الضمير الحي هو المتحكم وله القول الفصل في ذلك .
علي رضا علي / مخرج مسرحي : ليس من الصعوبة على القاريء الجيد والمطّلع أن يتعرف على النص الأدبي المسروق أو المقتبس ، ولكن ليس هذا هو المهم ، المهم أن يشعر السارق بالخجل من نفسه ، ومن المفترض أن يتحلى الكاتب بأخلاقيات تجعله يراقب نفسه ولا يسمح لها بالتورط في سرقة جملة واحدة ، وأن يصون نفسه ويمنعها من هذا الإنحطاط ، وأن يمنع نفسه إعتبار الإختلاس مفخرة من المفاخر . والمفترض أن تكون هنالك هيئة ، أو جهة مسؤولة قضائياً مخولة ، لها الحق بإحالة مثل هؤلاء السراق الى القضاء ، للنيل منهم ، ولكن كل الدلائل تشير الى عدم وجود المعنيين والمتابعين لمحاسبة ووقف أمثال هؤلاء ، لذلك ترى الأمور سائبة ولا وجود لرقيب حقيقي يحقق ذلك ، بينما يبقى الضمير الحي هو المتحكم الذي له القول الفصل في كل ذلك . فلاح القريشي : يتجاوز من يعجب بمقالة وينسبها لنفسه .
فلاح القريشي / كاتب : هذه قضية أخلاقية ، فحينما يعجب شخص ما بمقالة أو بحث ، ويعيد نشره بإسمه ، يكون قد تجاوز على حقوق الغير ، ولكن المشروع في ذلك ، أن يأتي بنص ثري نابع من فكره واسلوبه هو ، وذلك بعد ان يهضم ما قرأه ، ويعيد كتابته بإسلوبه الخاص .
فاضل طلال القريشي :الانترنيت وسيلة للسرقة . فاضل القريشي / كاتب : سارقو النصوص من الأنترنيت معروفون ، لأنهم يكتبون بكل الإتجاهات ، فالكاتب الحق له اسلوبه المعروف للقراء ، ولا يمكن أن تسرق نتاجاته دون أن يكتشفها القراء ، لأن أسلوب الكاتب هو نفسه مهما تنوعت أفكاره ، فالأنسان يسكن البيوت العامرة ، أما الأشباح فإنها تسكن الخرائب .
جمعة عبدالله مطلك : على المرجعيات العامة ان تزدري السارق وتعزله.
جمعة عبدالله مطلك / كاتب وباحث : أعتقد ان المسألة تتعدى الاخلاق الشخصية الى مرجعيات المجتمع العامة ، ففضلاً عن الانحدار الاخلاقي للسارق ـ الذي لايختلف كثيراً عن نظرائه في التجارة والبيع والشراء ـ فإن المرجعيات العامة التي لا تزدري السارق وتعزله تساعد على بقاء مثل هكذا ظواهر شاذة ،على ان السرقة الادبية تتعدى نسبة نص الى شخص لم يكتبه ، ذلك الى سرقة الافكار بطريقة إعادة التصفيف والبرمجة.
*************
رغم كل هذه الآراء المتنوعة في تشخيص النص المسروق ، ورغم كل ما أقترح من عقوبات ، فتأنيب الضمير ، وازدراء العيون لمن تجاوز واستهان بحقوق الآخرين ، وظلم نفسه لأنه حمّلها ما لا تطيق ، وطلب منها ما لا تحسن ، حتى سولت له بأمر ترفضه القوانين و الشرائع ويأباه الذوق السليم ، وتأباه النفس العزيزة التي تتنزه عن هذه الأفعال ، كل ذلك هو العقوبة الحقيقية والمؤثرة لأمثال أولئك.
التآخي