الرئيسية » مقالات » 2-المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه – مقاومة الاحتلال والإرهاب.. 6/15

2-المثقفون خصوم الاحتلال وضحاياه – مقاومة الاحتلال والإرهاب.. 6/15

· لم يشهد التاريخ ان أحتلت بلاد ولم ينبثق ادب مقاوم لذلك الاحتلال ويتغنى الشعب ويفتخر به ،لان العلاقة بين عبودية الاحتلال وخاصية التمرد التحرري لدى المثقف هي علاقة تناقض وتصادم موضوعية، ولامهادنة او ممالئة فيها..لان الاحتلال – أي احتلال- تحت أي مسمى او غطاء ، لايستطيع ان يخفي نواياه التسلطية والاستلابية مهما حاول تزويقها بمفردات التحرير من محتل اخر او من مستبد متوحش ..وتتميز ثقافة المقاومة وخاصة ادب المقاومة بانتشارها ورواجها بين اوسع مكونات الشعب وشيوعها على جدران المدن والسنة البسطاء من الناس(ويمكن تصفح ادب المقاومة السوفييتية والفرنسية والجزائرية والفيتنامية والفلسطينية والعراقية في جميع مراحل التحرر الوطني..)..

· والسؤال المعرفي الملح هو متى ينبثق ادب وفن المقاومة ؟ ولااقول ثقافة المقاومة ..

لان ثقافة المقاومة كائنة في جميع اطوار صيرورة الانسان مثقفا (منتجا معرفيا متحررا)..والا كيف له ان يكون مثقفا وهو يمالئ الاستعباد او يبرره او يستسلم له!؟..

وهل يمكن لاي حركة تشهر السلاح ان تنتج ثقافة مقاومة؟..

ان التجربة العراقية تشير الى اهمية فهم طبيعة الصراع بين القوى المسلحة وبين قوات الاحتلال..فهذه الحركات اضافة لمنظمات الارهاب الدولي القادمة من خارج الحدود تضم القوى الاجتماعية التي تضررت من سقوط الكتاتورية او من قرارات وقوانين واجراءات قوات الاحتلال الجائرة ومن حكومات المحاصصة المتشنجة التي اعقبت حكومة بريمر، وهذه القوى ليست منتظمة في تيار وعي او ايديولوجي مشترك او رؤية سياسية ذات مضمون فكري وثقافي واحد، بل انها خليط من رؤى متنوعة ومختلفة الاتجاهات تجتمع حول مدى عمق الضرر الذي الحقته بها الاجراءات التي اعقبت الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري.. مثلما هي حال قوى هي اليوم داخل الحكومة وكانت بالامس ميليشيا مسلحة تفخخ الشوارع والاسواق والمطاعم ، ومازالت ترتبط بعلاقات تنظيمية او مرجعية بعصابات او تنظيمات او ميليشيات مسلحة..ولها مغذياتها ومصادر تمويلها ودعمها الخارجية ، ولهذا فهي تحرص رغم كونها جزء من النظام السياسي الحاكم في العراق على الوقوف في منطقة اقرب الى (الملثمين في الظلام !) منها الى (رجال دولة المحاصصة تحت الاضواء) وهذا التيارات لايمكن ان تنتج ثقافة ذات لون معين ..ناهيك عن ادب وفن يدعو الى تحرير الانسان من الاستعباد ، لان ثقافة المقاومة هي تلك الثقافة التي تدعو الى :–

1. الانهاء الناجز للاحتلال بكل اشكاله..

2. تصفية جذورالارهاب ومنظماته وميليشياته وتداعياته..

3. القضاء على مصادر التخلف وأسبابه ونتائجه الاقتصادية والمعرفية والسلوكية..

4. فضح كل انماط التطرف الطائفي والعرقي والديني والايديولوجي والفكري..

5. وقف سياسة التجويع المقننة والعشوائية وازالة اثارها عن حياة الناس اليومية ..

6. الغاء جميع القوانين والممارسات والاجراءات والمؤسسات التي تساهم في كبت الحريات..

7. انهاء كل اشكال التمييز السياسي والطائفي والثقافي والعرقي والديني والجنسي والمناطقي والقبلي والاجتماعي والشخصي..

8. فضح الفساد السياسي والاداري والمالي والاجتماعي والاعلامي..

· فالصراخ الذي يتعالى هنا وهناك لادانة الاحتلال والمنطلق من حناجر بحت اوتارها (بالامس)في التمهيد المباشر او غير المباشر للغزو لايشكل ابجدية لثقافة المقاومة..بقدر ماهو صدى للخطاب الاعلامي المتطرف بمفردات سياسية تخوينية للاخر،وخانقة لحرية التنوع الثقافي، ورافضة لاختلاف انماط ورؤى الحياة. وكلها تلتقي حول خاصية تعطيل منطق الحوار العقلي، ورفض: تنوع الثقافات ، ونفي اختلاف انماط الحياة ، وقمع تعدد الاراء.

· وهذه التيارات افرزت خلال السنوات الماضية وفي اجواء القتل العشوائي للعراقيين اليوم بدعوى – طرد المحتلين- (اعلاما) ترهيبيا وتخوينيا، يصعب على منتجيه تسويقه حتى بين صفوف اكثر الفئات الاجتماعية تطرفا، لان مبرراته (التحريرية!) تمحوها سيول الدماء البريئة التي تفجرها المفخخات، أو عمليات الخطف والقتل على الهوية.

· مثلما تتبدد ذرائع المحتلين (الديمقراطية!) خلف دخان المجنزرات التي تمحق البشر والحجر في المدن العراقية..

· كما ان انفضاح الجذور التعسفية للعديد من القوى المسلحة..ووضوح نواياها الاجتماعية العدمية..ورؤاها البدائية لانماط الحياة..وانكشاف مشاريعها السياسية (الخارجية) المتطرفة والبعيدة عن الاستقلال الحقيقي والتنمية الشاملة المستديمة للانسان والوطن..اضاءت فضاءات الوعي المجتمعي لتحجيم مساحة (ثقافة الموت والغاء الاخر).

· لاشك ان البيئة التي يعلو فيها ازيز الدبابات وصوت الرصاص العشوائي في الشوارع والمفخخات في الاسواق والعبوات الناسفة في المدارس وقطع رؤس العزل واختطاف المثقفين ورمي جثثهم في الطرقات.. والاستئثار بالسلطة وتبرير الجرائم ، ويكتم فيها صوت العقل..ستنتج حتما ثقافة (شعارات صاخبة متوعدة) بلون الدم ..وطعم الموت ..ورائحة الخراب..

· وهذه التيارات الاستئصالية الدموية على اختلاف جذورها وانتماءاتها، وحواضنها، لا يمكن أن تنتج (ثقافة مقاومة)..لانها تطفو على اشلاء الابرياء من كل مكونات الشعب العراقي..وهي التي تبعث الرسائل القاتلة تلو الرسائل الخانقة لـ(تكفير العراقين-من جميع الملل والنحل – وذبحهم)..إلى جانب الاستعداد (للتفاوض المباشر وغير المباشر مع دبلوماسيي وجنرالات جيش الاحتلال)..

· فهل يعقل – مثلا – ان يتغنى شاعر عراقي بانتصاره على جثث اهله المقطعة بطرقات كركوك او الحلة حتى وان كانت الى جانب جثة جندي محتل؟!،

· او ان يفتخر مهندس بتفخيخ سيارة تقتل وتجرح مئات الابرياء باسواق بغداد وديالى حتى وان اصابات مجموعة من الجنود المحتلين؟!

· او ان يتباهى الكيمياوي بتركيب غاز لقتل النسوة واطفالهن في باب المستشفى بالانبار او الفلوجة حتى وان استهدف عربة لجنود الاحتلال المحصنين ضد الغازات؟!

· ناهيك عن ان هذه الجرائم التي تبيد المئات كل يوم..في مجملها تستهدف العراقيين المدنيين الفقراء الابرياء وفي مناطق لاتواجد فيها لجنود الاحتلال، مثلما يبيد المحتلون بدباباتهم وطائراتهم السكان الابرياء في بيوتهم وفي مواقع لاوجود فيها لـ(المسلحين)!.

· هل توجد ثقافة مقاومة في العراق؟!

نعم توجد ثقافة مقاومة في العراق..

· اذا ادركنا ان الثقافة تعني الحرية ..وان اي ادب وفن وعلم لايعبر عن هذا المضمون ليس بثقافة..و ان المثقف عندما يكون صوتا للحرية ومنتجا للبيئة التي تصون الحرية فهو بالضرورة منتج ثقافة مقاومة ..مقاومة الانسان ضد:

ÿ اضطهاد الانسان لاخيه الانسان..

ÿ استلاب الارض ..

ÿ قمع الفكر ..

ÿ اغتصاب الكلمات..

ÿ استباحة المدن..

ÿ تفخيخ الشوارع..

ÿ تلويث الكتب المدرسية..

ÿ تورم الماضي الموبوء في الحاضر الفتي..

ÿ سلب الثروات العامة والخاصة..

ÿ الفساد الاداري والمالي (المجتمعي والفردي)..

ÿ خنق الابداع..

ÿ عبادة الاصنام السياسية والطائفية والاقتصادية ..

ان الثقافة التي تثمر اعمالا رائدة وتغييرية وبناءة لفكر الانسان وروحه ونمط حياته،وتكرس مفاهيم التحرر الوطني الناجز، وترسخ قيم احترام الانسان وحقوقه..وتؤسس لملامح مستقبل اكثر رقيا من الحاضر..وتطهر الوطن من كل اشكال الاحتلال..تلك هي ثقافة المقاومة !؟..

· لقد تهرئت (الثقافة الرسمية) في البلدان البطيئة النمو، ومنها العراق على مدى عقود من الزمن، وصارت مستنقعا للتضليل الفكري والاوبئة النفسية والمفاهيم البدائية والمفردات الخشنة والتسطيح المعرفي..ومازالت..

وتحولت الى طاقة لانتاج الذرائع التي تبرر دوام الاستبداد وتؤدلج نزعاته العدوانية وتزين صور الطغاة ببريق التزييف والشعارات المجوفة..(فالقائد منصور..حتى وان سحق الشعب ومزق الوطن وطاف كرسيه على بحر الدماء وكثبان الجماجم..وهو منتصر طالما ان العدو فشل في ابعاده عن كرسي سلطانه على الناس!؟)..و(الوطن ارث للقائد ..والشعب محض – رعية – خلقت لتعظيم القائد)…و(الثروة الوطنية لاتعدو ان تكون ممتلكات شخصية للقائد واهل بيته وحوارييه)..

لهذا فان القول بوجود (ثقافة مقاومة للاستعباد) و(مثقف مقاوم للعبودية) هما مفهومان يتطابقان مع (مضمون) الثقافة و(وظيفة) المثقف الانسانية التاريخية ..لان (الثقافة) ان لم تكن نقيضة لكل اشكال الاستعباد ليست بثقافة وانما (دهان لطلاء اورام الانظمة الفتاكة) و(المثقف) الذي يبرر الاستعباد ليس بمثقف بل (مروج لبضاعة فاسدة تنشر الاوبئة في روح الشعب، والتفكك في جسد الوطن).
—————————————

المقالات السابقة:

1. وعي “الاحتلال” وحقيقة الاستقلال؟!

2. الغزو العسكري الخشن والاحتلال الناعم؟!

3. هل يخرج الأمريكيون من العراق والمنطقة؟!!

4. الدكتاتورية..جسر لعبور الغزاة؟!

5. المثقفون العراقيون بين احتلالين!؟

المقال اللاحق: هل يمكن للمثقف ان يتواطئ مع المحتل؟