الرئيسية » مقالات » من شوه ولا يزال يشوه صورة الإسلام والمسلمين في العالم؟

من شوه ولا يزال يشوه صورة الإسلام والمسلمين في العالم؟

(1)
قطع العالم المتحضر شوطاً بعيداً في تبني العلمانية في بناء العلاقة الجديدة بين الدين والدولة , أي الفصل بين الدين والدولة الذي هو جوهر العلمانية والذي لا يمكن أن يحصل عملياً إلا في ظل نظم ديمقراطية وسيادة الحرية الفردية وحرية الديانة والأديان , حرية أتباع الأديان بممارسة طقوسهم وتقاليدهم الدينية ومع الإساءة لهم أو لحياتهم الخاصة. وفي هذه المجتمعات أقرت الغالبية العظمى من سكان الدول الأوروبية , وكذلك الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا والهند , هذا المبدأ وتمارسه شعوبها عملياً منذ عقود غير قليلة. ولكن هذه الحقيقة لم ولن تمنع من بروز جماعات دينية سلفية متعصبة تميز بين الناس على أساس الدين أو المذهب , كما يمكن أن تظهر قوى أخرى تميز بين الناس على أساس قومي أو اللون أو الجنس . ولكن هذه الجماعات مرفوضة عملياً من الغالبية العظمى من السكان وتحاسب وتعاقب دساتيرها من يمارس ذلك فعلياً ومن يروج للعداء بين أتباع القوميات والأديان والمذاهب …الخ.
هكذا استقبلت الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها من الدول المتحضرة طلبة وشغيلة أجانب في الخمسينيات والستينيات وفي سنوات لاحقة أيضاً واحتضنتهم بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب , ومن بينهم كان الكثير من المسلمين من دول إسلامية وعربية , بمن فيهم الترك والكُرد والفرس والعرب على سبيل المثال لا الحصر. فهذه الدول وفرت للطلبة والشغيلة والعاملين لديهم ظروفاً طبيعية للدراسة والثقافة والعمل والوظائف وممارسة طقوسهم الدينية وبناء جوامعهم في مدن كثيرة , ولم يحصل أي اعتداء على هؤلاء الناس. وربما صادف البعض منهم مصاعب معينة لا بسبب الدين بل بسبب وجود قوى شوفينية أو عنصرية تكره الأجانب عموماً , وهي ظاهرة موجودة في جميع بلدان العالم وأن اختلفت في شدتها وحدتها , بل نجدها بين الدول العربية حين يستقبلون مواطنين من بلدان عربية أخرى لأغراض العمل بشكل خاص. والعراق والجزائر ودول الخليج وغيرها شاهد صارخ على ذلك.
ألا أن الموقف من العالم العربي بدأ يتغير بشكل واضح بعد الهجوم الإرهابي الذي شنته جماعة فلسطينية ضد اللاعبين الإسرائيليين في ميونخ أثناء الدورة الأولمبية الدولية , ومن ثم محاولات اختطاف الطائرات والبواخر والاغتيالات عبر المقاتلين الفلسطينيين. ولكنها خفت بعد أن كفت تلك القوى عن ممارسة هذه العمليات الإرهابية التي أساءت إلى القضية الفلسطينية كثيراً جداً.
وخلال العقود المنصرمة , أي في فترة الحرب الباردة , لم يتحرك الغرب بشكل مباشر ضد المناهج التعليمية والتثقيف الديني في الدول الإسلامية والعربية وفي عدد منها على نحو خاص , رغم توفر المعلومات الضرورية عن طبيعة تلك المناهج , إذ أنها كانت تخوض حرباً باردة ضد الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية وبالتالي كان يهمه تعبئة حكومات تلك الدول وشعوبها ضد الاتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية , بغض النظر عما كانت تمارسه تلك الحكومات ضد شعوبها. ورغم أنها كانت تعلم أيضاً بأن تلك المدارس كانت تقوم بإرسال أعداد كثيرة من معلمي الدروس الدينية إلى سائر بقاع العالم وحيث يوجد مسلمون أو جوامع ومساجد لكي يمارسوا التثقيف وفق المناهج المقررة في المدارس الدينية في السعودية وفي مدارس دينية وأكاديميات عربية خاضعة لمناهج التعليم الديني السعودية وبتمويل سعودي في بلدان كثيرة في العالم. لقد كانت المناهج تعتمد على المذهب الوهابي الذي دخل في تحالف مع حركة الأخوان المسلمين في مصر , ومن ثم عمم هذا التحالف على صعيد العالم العربي والإسلامي. وبدأت تلك المدارس تخرج أعداداً كبيرة من طلبة المدارس الدينية الذين عبئوا بثقافة وحيدة الجانب وذات سمات محددة وشديدة التاثير على وعي وفعل الفرد الذي يؤمن بها.
وفي فترة الصراع السوفييتي – الأمريكي توجه عدد كبير جداً من خريجي وطلبة تلك المدارس “للجهاد” في أفغانستان ضد الوجود العسكري والسياسي السوفييتي وضد الحكومة الأفغانية التي كانت تجد الدعم والتأييد والحماية من الاتحاد السوفييتي. وساهمت هذه المشاركة تنشيط الحركات الإسلامية السياسية المتطرفة والملتزمة بمبدأ الجهاد وفق التثقيف الديني في المدارس السعودية. وحققت تلك القوى بدعم ثلاث دول هي الولايات المتحدة والمملكة السعودية وباكستان انتصاراً كبيراً حين أمكن فرض الانسحاب على القوات السوفييتية من أفغانستان والتي أسهمت بدورها في إعطاء دفعة جديدة لهذه القوى على صعيد كل بلد إسلامي وعربي وعلى السعيد الدولي.
وفي العام 1979 شهدت إيران انتصار الحركة الشعبية على الشاه ونظامه السياسي واستطاعت قوى الإسلام السياسي بقيادة روح الله الخميني السيطرة وجهة الثورة الشعبية لصالحها وهيمنت على الحكم ومارست سياسة جديدة تدعو إلى تصدير الثورة الإسلامية. فشهد الإسلام السياسي في هذه الفترة انتعاشاً ملموساً تطور مع دخول إيران في حرب شرسة مع النظام العراقي حيث بدأت إيران تبني تنظيمات سياسية إسلامية شيعية في بعض الدول العربية والإسلامية ,ومنها مثلاً حزب الله في لبنان , أو دعم قوى إسلامية سياسية كما في العراق مع حزب الدعوة أو منظمة العمل الإسلامي أو دعم انفصال السيد محمد باقر الحكيم عن حزب الدعوة وتشكيل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. إن توجه قادة الثورة الإيرانية صوب العالم العربي والإسلامي وكذلك العالم الغربي بوجهة جديدة هي تصدير الثورة الإيرانية إلى الدول الإسلامية أو تشكيل تنظيمات خاصة بها فيها خلق أجواء توتر في المنطقة , ثم كانت الحرب العراقية – الإيرانية وما رافقها من تطورات جديدة على قوى الحركات الإسلامية السياسية وخاصة المتطرفة منها.
وجد “المجاهدون” المسلمون تأييداً ودعماً واحتضاناً مستمراً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية , إضافة إلى تزويدها بالسلاح وبما هو ضروري من أموال وتدريب , بسبب كفاحهم ضد عدوهم الأول الاتحاد السوفييتي , ولم تشعر الإدارة الأمريكية في حينها بالخطر الذي بدا واضحاً للكثير من المتابعين السياسيين , إذ أن العداء للسوفييت افقدهم البصر والبصيرة . لقد رفعوا الغطاء عن القمقم وتحركت معه الروائح النتنة التي غطتها العقود والقرون المنصرمة لتزكم أنوف البشرية بأسرها وتتسبب بكوارث جديدة نعيش بعضها الكثير في هذه الأيام.
لقد انتهت المعركة مع السوفييت بانسحاب السوفييت من أفغانستان وسيطرت المنظمات السياسية الإسلامية على البلاد وبدأت بإقامة نظامها السياسي “الإسلامي” المتخلف والظالم , ومن ثم ترك “المجاهدون” بتنظيم وتنسيق من القاعدة وأسامة بن لادن , الذين انتهت مهمتهم هناك , أفغانستان متوجيهن إلى بلدانهم أو أرسلوا إلى بلدان أخرى للدعاية والتحريض وبناء التنظيمات الإسلامية السياسية الجديدة التي أخذت على عاتقها حملة “راية الجهاد الإسلامي” على صعيد بلدانها والعالم! كما أرسلت جمهرة منهم صوب الدول الأوروبية والولايات المتحدة لتدخل في قيلولة طويلة على حين يطلب منها التحرك لتنفيذ مهمات بعينها بعد أن كانوا قد تدربوا على مهمات كثيرة مستفيدين من وجود السلطة بيد طالبان الذي كان يؤمن بشيخه أسامة بن لادن.
ومع هذه الهجرة المعاكسة بدأت مجازر الإسلاميين في الجزائر والعمليات الانتحارية في مصر وفي أفريقيا ضد السفارات الأمريكية وفي غيرها ولكن بشكل خاص جريمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك التي نبهت العالم كله إلى أن حرباً جديدة من نوع خاص تبدو في أفق العالم , الحرب بين العالم المتحضر حقاً , وبين العالم المتخلف حقاً الذي يحمل راية الجهاد الإسلامي لبناء الدولة الإسلامية التي مر على غيابها مئات السنين , وهو وهم وحلم زائفين.
إلا أن ما كان يجلب الانتباه هو أن هناك مؤسسات كثيرة وكبيرة كانت ولا تزال تنتج وتعيد إنتاج هؤلاء “المجاهدين” الإسلاميين منتشرة على الأرض السعودية وفي باكستان وفي بعض الدول الأخرى. حيث تتوفر فيها أسباب نجاح هذه العملية الإنتاجية المشوهة , سواء أكان من الناحية الاقتصادية أم الاجتماعية والثقافية أم التعليمية والنظم السياسية الملائمة لذلك. لقد برزت على سطح الأحداث المدارس الدينية السعودية وأساليب ووسائل وطرق ومناهج التعليم الديني الخاصة بهذه المدارس والتي جرى تعميمها من جانب وزارة الثقافة السعودية على جميع المدارس التي تمول من المملكة السعودية حكومة وميسورين , سواء أكانت تلك المدارس في الدول العربية والإسلامية أم الأكاديميات التي أسستها السعودية في الدول الغربية ووضعت في كل سفارة ممثلاً عن جمعية الدعوة الإسلامية المسؤول عن إيصال الكتب الثقافية الدينية التي تصدرها مطابع السعودية وغيرها لتوزيعها على المدارس الدينية والسفارات وغيرها من الجهات. وقد كانت المدارس الباكستانية سباقة في نشر وتوسيع تلك المدارس الدينية بحث ضمت إليها أعداداً غفيرة من الطلبة الأفغان ومن العرب والمسلمين من دول أخرى , خاصة وأن باكستان قد أنتجت قبل ذاك مجموعة من رجال الدين المتعصبين المعروفين على صعيد العالم الإسلامي.
لم يشعر الحكام في العالمين العربي والإسلامي في بداية الأمر بمخاطر هؤلاء “المجاهدين” المتدربين على السلاحين والمثقفين ثقافة تتميز بالعنف وامتلاك الحقيقة المطلقة والحق المطلق والاستعداد لقتل من يطلق عليه بالكفار بأي عدد كان. ولكنهم بدأوا تدريجاً يشكلون خطراً على تلك حكومات بلدانهم وعلى العالم الغربي المتحضر , حيث بدأت عصابات من هؤلاء تقوم بعمليات عسكرية إرهابية في مناطق مختلفة من العالم. وأصبح العالم يواجه بشكل عام خمس مسائل , وهي:
• وجود دولة غنية كانت ولا تزال مستعدة لتمويل مدارس دينية في بلادها وفي بقية بلدان العالم بسخاء كبير وتزويدهم بالمناهج الدينية وبالكتب التثقيفية التي لا تختلف من حيث الجوهر عن الفكر المكتوب في المناهج التعليمية. ولا يهم أن تم ذلك عبر أجهزة الدولة أو عبر مؤسسات دينية أو رجال الدين , إذ أن المهم وصول تلك الثقافة على كل مسلم في العالم.
• وجود دولة كبيرة مسلمة فقيرة ولكنها تمتلك عدداً كبيراً من البشر كانت مستعدة لفتح مدارس دينية تخفف من عبء الدولة الباكستانية وتوفر أموالاً كثيرة لها ولتلك المدارس وتمتص البطالة الكبيرة التي كانت تعاني منها. وكانت هذه المدارس لا تستقبل الطلبة من باكستان وأفغانستان وإيران فحسب , بل ومن بقية بلدان المنطقة والعالم الإسلامي ومن مسلمي الغرب.
• وجود أرضية صالحة لنمو فكر هذه المدارس والمناهج الدينية بسبب البطالة الواسعة والفقر الجائر الذي تعيش تحت وطأته الملايين الكثيرة من البشر, إضافة إلى وجود عوامل سياسية منشطة يمكن أن تلعب دوراً مشجعاً على تقبل الفكر الديني المتخلف الذي يدرس فيها , ومنها الصراع العربي – الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي , أو تأييد الغرب لحكومات غير ديمقراطية واستبدادية مما ساعد على بروز اتجاهات مناهضة لسياسات تلك الحكومات أولاً ,ثم بدأت تناهض سياسة الولايات المتحدة ثانياً.
• وجود قوى إسلامية سياسية وقومية يمينية شوفينية في المنطقة ساهمت في تطوير هذه الحركة والتغطية عليها إلى حين نهوضها. وقد نشأ في بعض الأحيان تفاعل وتشابك بين قوى التيار القومي الشوفيني وقوى التيار الإسلامي السياسي المتطرف بشكل خاص , وهو ما نعيشه اليوم في الدول العربية وإزاء الوضع في العراق مثلاً.
• عدم حصول تنوير ديني واجتماعي في الدول العربية والإسلامية وانتشار الجهل والأمية والتخلف الحضاري وتردي الوعي الاجتماعي والسياسي مما يسمح لهذه القوى أن تحرز أرضية صالحة لنشوء وتطور التطرف وقبول الاتجاهات الإرهابية باسم الجهاد في سبيل حاكمية الله وضد الكفر والكفار ومكافحة الظلم ونشر العدل الإسلامي بين …الخ!!
إن ما وقع في التسعينيات والسنوات اللاحقة من القرن الحادي والعشرين قد أدى إلى بروز مخاوف جدية من سلوك القوى الإسلامية السياسية التي شاركت في قتل أكثر من 100000 إنسان في الجزائر والكثير من البشر الأجانب في مصر وفي مناطق أخرى من العالم وتعرضت أوروبا إلى هجمات مماثلة تنفذها تلك القوى الهمجية والفاشية.
والآن يفترض أن نجيب عن السؤال التالي : ما هو الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه تلك المدارس الدينية ومناهجها الخاصة بالتعليم الديني والثقافة الدينية في تلقين وحشو رؤوس أجيال كثيرة متعاقبة المزيد من فكر الكراهية والحقد والعداء المستحكم للآخر في كل من المملكة السعودية وباكستان وأفغانستان وفي بعض الدول الأخرى ؟
(2)
منذ البدء ينبغي القول بأن الإيمان بأي مذهب هو حق كل إنسان أو جماعة بغض النظر عن الموقف الشخصي لأي من الناس إزاء هذا المذهب أو ذاك ,شريطة أن لا تدفع تعاليم المذهب أتباعها إلى اتخاذ موقف العداء من المذاهب الأخرى أو الإساءة إليها أو التحريض و الاستعداء عليها أو ممارسة العنف ضد أتباعها. إن ذكر هذا الموقف له أهميته في المرحلة الراهنة على نحو خاص بسب اشتداد الصراعات المذهبية في العالمين العربي والإسلامي كما تبرز ضرورة التمييز بين الوهابية كمذهب سلفي أو حركة سلفية , كما يطيب أتباه أن يسمونها , وبين التثقيف الفكري والممارسات العملية للمؤسسات الدينية الوهابية الرسمية والأجنحة الأكثر تطرفاً من أتباع هذا المذهب التي تذهب إلى تكفير أتباع المذاهب الأخرى وتستعدي ضدهم وتحرض الناس ضدهم بل وقتلهم. ففي السعودية أناس سلفيون عقلاء يرفضون هذا التكفير للمذاهب الأخرى وأتباعها رغم اختلافهم مع المذاهب الأخرى واتجاهات تفكيرها واجتهادات قادتها. وهنا حديثي لا يمس جوهر المذهب ورفضه لإقامة مزارات القبور أو الأضرحة التي تزار وتقًبل شبابيك تلك الأضرحة أو طقوس التطبير (الضرب بالسيف على الرأس وشجه ) والضرب بالسلاسل على الظهور أو اللطم على الصدور … الخ وتفسيرات الوهابيين لهذه الممارسات …الخ , بل تدور حول نشاط المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية وعملها الفعلي المتطرف في مجالات التربية والتعليم والثقافة والخطاب الفكري والسياسي على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وكما هو واضح أن هذه المؤسسات الدينية ليس فقط لا تكافح ضد الجماعات التكفيرية وتدين أفعالها وتشخص تنظيماتها وقادتها بالأسماء لمكافحتهم , بل أنها عملياً وفعلياً تشجع على نشر أفكار واتجاهات هؤلاء التكفيريين , ولكنها في الوقت نفسه تقف بوضوح صارخ ضد نشر الأفكار والكتب المناهضة لهذه الجماعات التكفيرية وتحارب الناس الذين يقفون ضد التكفيريين ويفضحون أفعالهم في العراق وفي أفغانستان وباكستان والسعودية وغيرها. وهذا ما يتحدث عنه العديد من الشخصيات الدينية السلفية في السعودية , رغم عدم اتفاقي الشخصي مع ورفضي كلياً للفكر السلفي الذي يرفض الأخذ بالاعتبار التحولات الجارية في العالم والتغيرات الحاصلة في ثقافة وظروف وفكر وممارسات الناس بين عهد النبي محمد والعهد الراهن. ومن بين هؤلاء المعتدلين القلة نذكر الشخصية السعودية السلفية الداعية موسى بن عبد الله آل عبد العزيز , والذي ظهر أكثر من مرة على قناة الفضائية العربية. ولا يمكن التفكير بأي حال في إقامة أي دولة على الأسس السلفية أو الدين عموماً, إذ أن هذا يقود إلى هيمنة الدولة على الدين ووضعه تحت تصرفها. ومن هنا لا بد من الأخذ بمبدأ فصل الدين عن الدولة فهو لصالح الدين وصالح الدول كل على انفراد وفي آن واحد. وأمامنا نماذج كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر إيران والسعودية وهما دولتان تدينان بمذهبين مختلفين ومتصارعين هما المذهب الشيعي الصفوي والمذهب السني الحنبلي الوهابي.
أنتجت وفرخت المدارس والأكاديميات الدينية والمساجد المرتبطة بها في كل من السعودية وباكستان وفي عدد آخر من الدول الإسلامية والعربية وفي الكثير من المدارس المنتشرة في مختلف بقاع العالم غير الإسلامي , جيشاً جراراً من رجال الدين والمتعلمين وأئمة المساجد والمعلمين المؤمنين بفكر تلك المدارس ووجهة العمل التي أقنعتهم بها لممارستها في حياتهم اليومية ونشاطهم العام أو في تدريس وتثقيف الآخرين. وهذه المدارس والأكاديميات لا تزال تنتج وتفرخ المزيد من هؤلاء الطلبة من حملة ذات الفكر والممارسة المتطرفة. وهم منتشرون اليوم في سائر أرجاء العالم ويمارسون دورهم كما هو مطلوب منهم ويشكلون القاعدة الفكرية والاجتماعية والانتحارية للقاعدة والتنظيمات الإرهابية المتطرفة المماثلة.
هذه المدارس والأكاديميات وأئمة المساجد يقدمون للناس فكراً منبثقاً من الحركة الوهابية التي تحولت , رغم من يعارض اعتبار الوهابية مذهباً سافياً جديداً متزمتاً , بل يعتبره حركة إصلاحية فقط , كما أفتى بذلك الشيخ فيصل المولوي بتاريخ 13/6/2003 / فتوى رقم 781 حيث كتب يقول: ” .. ليس هناك مذهب وهابي وإنما هناك عالم مجدد اسمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان حنبلياً في الفروع والأصول، اجتهد في تصحيح عقائد الناس وكان همه الأول أن لا يقع المسلمون في الشرك من حيث لا يشعرون، ولقد انتشرت أفكار الشيخ محمد بن عبد الوهاب رخمه الله في الجزيرة العربية، وخاصة في المملكة العربية السعودية التي نشأت أصلاً بناءً على اتفاق الشيخ مع الملك عبد العزيز آل سعود”. (راجع: http://www.mawlawi.net).
انبثق المذهب الوهابي أصلاً عن المذهب الحنبلي , وهو مذهب سلفي يستند أيضاً إلى الاتجاهات والاجتهادات الدينية لابن تيمية وابن القيم الجوزية. ولست معنياً بالخلافات الفكرية والاجتهادية بين أتباع هذا المذهب وأتباع بقية المذاهب الإسلامية السنية منها والشيعية, ولكني معني بقضية أخرى هي ما نشأ عن هذا المذهب من سياسات عملية وممارسات فعلية قادت إلى نشوء شرخ كبير بين هذا المذهب والمذاهب السنية الأربعة من جهة , ومع المذهب الشيعي الذي لا يعترف الوهابيون به أصلاً من جهة أخرى. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن بعض هذه السمات التي سأشير إليها تلتقي عندها أيضاً أساليب وأدوات ووسائل عمل بقية المذاهب الإسلامية , وهي المشكلة التي تدفع إلى التصادم الفكري والسياسي وإلى النزاعات المسلحة.
إن الإشكاليات الأساسية التي تواجهنا في سياسات وسلوك الجماعات السلفية الوهابية المهيمنة على شؤون المذهب الوهابي , (ونحن نبحث فيها) :
1. إنها جماعة سلفية متطرفة في سلفيتها وعدائها للآخر ورغبتها في الهيمنة على العالم كله وتحويله إلى دار للإسلام على غرار ما ترى أنه جرى في فترة الخلفاء الراشدين على نحو خاص.
2. وترفض هذه الجماعة جميع الأديان وتعتبر أتباعها كفاراً لا بد من تطهير العالم منهم. ولا يمكن أن يعني هذا التطهير غير الموت لأتباع الأديان الأخرى , ومنهم أتباع الديانة اليهودية والمسيحية والصابئة المندائية والمجوسية … الخ.
3. كما أنها ترفض جميع المذاهب الدينية الإسلامية وتعتبر نفسها تمتلك الحقيقة المطلقة لأنها تعتمد على القرآن والسنة وليس على غير ذلك. وبالتالي فهي تضع نفسها بالضد الكامل من أتباع المذاهب الدينية الإسلامية الأخرى. إن المتزمتين والمتطرفين منهم يكفرون عملياً أتباع المذاهب السنية الأربعة المعروفة, رغم أن بعضهم المعتدل يمارس التقية فلا يعلن عن ذلك صراحة.
4. وهي ترفض المذهب الشيعي جملة وتفصيلاً وتعتبر أتباعه كفاراً يفترض التخلص منهم وتدمير المراقد والمساجد التي يستخدمها أتباع هذا المذهب , تماماً كما فعل أتباع القاعدة وطالبان بالتمثال التاريخي للهندوس في أفغانستان.
5. والمؤسسة الدينية للجماعية الوهابية السلفية , ومعها كثرة من رجال الدين السلفيين , تؤكد على الجهاد الذي ينبغي أن يمارس للقضاء على الكفار وعلى أتباع المذاهب الأخرى وتطهير العالم منهم ابتداءً من العالم الإسلامي وانتهاء بالمناطق التي تسمى ديار الحرب لتحويلها إلى ديار السلام أو الإسلام كما تراه هذه الجماعة وتريده.
6. ويعني هذا أن هذه الجماعة تؤمن بالعنف واستخدام القوة والغزو والحروب ومختلف أنواع الأسلحة للوصول إلى ما تريده وإقصاء الآخر أو أبادته.
7. وهي تمارس مبدأين هما “الغاية تبرر الواسطة” و”القوة تصنع الحق” فما دامت الغاية هي انتصار الإسلام فمن حقنا أن نفعل كل شيء , وما دمنا نمتلك القوة سنصنع الحق لنا. وقد بدا هذا واضحاً في الفترة الأخيرة من حكم العثمانيين وهجمات الوهابيين وغزواتهم المعروفة على العراق وتدمير مراقد أئمة الشيعة وقتل الكثير من الناس وسلب ونهب وقتل السكان.
8. كما أن الجماعة تسعى إلى ما يسمى بـ “الجهاد القتالي” وتشكيل التنظيمات العسكرية القتالية من أجل إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية وفق ما كانت عليه أو رواها السلف الصالح. يشير الكاتب مجدي خليل في مقاله الموسوم “الاتجاهات الثلاثة للدولية الإسلامية” حول هذا الموضوع ما يلي:
” أي وسيلة تستطيع بها السيطرة على العالم ومتاح استخدامها هي محللة شرعا في نظر فقهاء الإسلامية الدولية. كل شيء حلال من آجل هدف واحد وهو السلطة وأسلمة العالم والسيطرة عليه سواء طوعا أو إجبارا، سواء إراديا أم لا إراديا، سواء سلما أم حربا، سواء بالإقناع أو بالخداع…. كله جائز وكله مشروع وكله له من الفتاوى ما يبرره ومن التراث ما يجيزه ومن خبرة التاريخ ما يجعله سياقا متصلا”.

9. الحديث عن كون الدعوة الإسلامية هي دعوة عالمية ولا بد من التفكير بإقامة بؤر إسلامية طليعية لكي يمكن تشكيل دول تعتبر الطريق لبناء وإقامة الدول الإسلامية العالمية الموحَدة والموحِدة. ومن أجل هذه الغاية بذلت المؤسسة الدينية السعودية على نحو خاص جهوداً حثيثة لنشر الإسلام الوهابي على نطاق واسع. ويذكر مجدي خليل معلومات قيمة عن هذا الجهد السعودي فيكتب ما يلي:
” وهناك تفاصيل كثيرة في كتاب لوران ميورافيك عن هذه الجهود السعودية حيث مولت إنشاء 210 مركزا إسلاميا و1500 مسجدا و200 كلية إسلامية و2000 مدرسة إسلامية حول العالم. وفى روما أسس الملك فهد مركزا إسلاميا تكلف 50 مليون دولار. بالإضافة إلى الأكاديمية الإسلامية الوهابية بواشنطن وبها 1200 طالب، ولندن وبها 1000 طالب، وموسكو وبها 500 طالب. وفى البوسنة حيث تسعى الوهابية للسيطرة التامة على الدويلة الوليدة، كما فعلت مع الطالبان، قامت مؤسسة الحرمين عام 2000 فقط بافتتاح 1100 مسجدا ومدرسة ومركزا إسلاميا وطبعت 13 مليون كتابا واستخدمت 3000 داعية.
هذا بالإضافة إلى شبكة من المؤسسات الإسلامية الضخمة أنشأتها ومولتها الوهابية السعودية مثل “رابطة العالم الإسلامي 196، “منظمة المؤتمر الإسلامى1969″، “منظمة الشبيبة الإسلامية 1972″، ” منظمة الغوث الإسلامي والتي استخدمت “6000 داعية وهابي” ،” دار المال الإسلامي” ، “بنك فيصل الإسلامي”.
وتسللت الوهابية لغزو المراكز الأكاديمية في كبرى جامعات الغرب مثل كرسي الملك عبد العزيز في جامعة كاليفورنيا، وكرسي الملك فهد في جامعة هارفارد وكلية الدراسات الشرقية بلندن، ومركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون. وتساهم في تمويل معهد العالم العربي بباريس،والجامعة الأمريكية في كولورادو، وجامعة هوارد في واشنطن، وجامعة ديوك وسيراكيوز وجامعة اكسفورد…الخ”.
لا شك في أن أتباع المذهب الوهابي في السلطة حالياً يتعاملون بطريقة أخرى تختلف عن الطريقة الفجة التي تتعامل بها المؤسسة الدينية الوهابية والفتاوى المتطرفة التي تصدرها , وكذلك الجماعات الوهابية السلفية الأكثر تطرفاً والتي تجد تعبيرها في جماعة بن لادن والظواهري وفي أبرز قوى المؤسسة الدينية المتحكمة في السعودية وجمهرة كبيرة من أئمة المساجد والمدارس الدينية وجمهرة من الكتاب الذين يمارسون دورهم في وضع المناهج التعليمية والكتب التثقيفية التي توزع في العالم كله ومن خ%E