الرئيسية » مقالات » الاتجاهات الثلاثة للإسلامية الدولية

الاتجاهات الثلاثة للإسلامية الدولية

الإسلامية الدولية هى ايدلوجية عالمية مثل الشيوعية الدولية، وكما كانت الشيوعية الدولية تبغى نشر الشيوعية حول العالم فإن الإسلامية الدولية تبغى السيطرة على العالم وأسلمته ولكن خطورتها إنها تستخدم الإسلام كدين لبسط هذه السيطرة وتبرر كل شئ بمبررات دينية، وتقول أن هدفها فى النهاية هو هدف دينى بمعنى تحويل العالم كله إلى مسلمين.
والإسلامية الدولية هى قديمة بقدم الإسلام ذاته وممتدة من معاوية إلى بن لادن فهى ليست طارئة، الجديد فقط هو مصطلح “الإسلامية الدولية” ولكن الأهداف والآليات قديمة، ولهذا تعتبر الشيوعية الدولية مجرد جملة اعتراضية قصيرة مقارنة بالإسلامية الدولية.
والإسلامية الدولية منذ ظهورها قبل ما يزيد عن اربعة عشر قرنا أتخذت اشكالا مختلفة من الغزوات إلى الخلافة الإسلامية إلى الأسلمة إلى الارهاب الدولى، ولكن عبر عصورها ومراحلها المختلفة كان الارهاب جزءا اساسيا من آلياتها ووسيلة أساسية لتحقيق أهدافها والعنف قاسما مشتركا فى كل مراحلها.
الدعوة، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، الاسلمة، الخلافة الإسلامية، الغزوات، الغش والتدليس، الخداع والكذب، شراء الذمم بالمال،استخدام الجنس،أسلمة العلم والفكر والحداثة، استخدام البلطجة، الارهاب الدولى…كلها آليات ومسميات لهدف واحد وهو السيطرة على العالم.
أى وسيلة تستطيع بها السيطرة على العالم ومتاح استخدامها هى محللة شرعا فى نظر فقهاء الإسلامية الدولية. كل شئ حلال من آجل هدف واحد وهو السلطة واسلمة العالم والسيطرة عليه سواء طوعا أو اجبارا، سواء اراديا أم لا اراديا، سواء سلما أم حربا، سواء بالاقناع أو بالخداع…. كله جائز وكله مشروع وكله له من الفتاوى ما يبرره ومن التراث ما يجيزه ومن خبرة التاريخ ما يجعله سياقا متصلا.
هناك ثلاثة مراكز رئيسية للإسلامية الدولية هى السعودية وباكستان ومصر، علاوة على عشرات المراكز الفرعية، فقناة الجزيرة مثلا تعتبر مركزا فرعيا وبوقا للإسلامية الدولية جعلت الإرهابيين ضيوفا دائمين فى أغلب البيوت العربية وأصبحت أفكارهم الشاذة تتداول وتتناقش وكأنها أطروحات افلاطون وارسطو.
أما الاتجاهات المعاصرة للإسلامية الدولية فيمكن تلخيصها فى ثلاثة اتجاهات رئيسية أيضا وتحت كل منها عشرات المسميات والتنظيمات الفرعية المنتشرة فى كل بقاع العالم:

الاتجاه الاول: السعودية ووهبنة العالم
منذ أن التقى بن سعود المؤسس الجد للعائلة السعودية ومحمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية عام 1744 وهذا التحالف قائم حتى هذه اللحظة. وهو قائم على قاعدة بسيطة : دعم حكم آل سعود فى مقابل وهبنة السعودية والسعى لوهبنة العالم.
ولكن الدولة السعودية مرت بمراحل من الإنكسار والإنحسار إلى أن ظهرت المملكة السعودية بشكلها الحالى، ومع ظهور البترول وثبات أركان حكم آل سعود يمكن القول أن وهبنة العالم بشكل واسع ظهرت مع حكم الملك فيصل (1963-1975) وما تلاه. وفى كتابه القيم ” أمراء الظلام” قدم الباحث الفرنسى لوران ميورافيك عرضا مفصلا لوهبنة العالم، وكان قد قدمه كبحث اولا ،عندما كان يعمل فى مؤسسة راند ، أمام مجلس الدفاع التابع للبنتاجون فى 10 يوليو 2002 ، ثم نشره فى كتاب بالانجليزية فى سبتمبر 2005، وقام عادل جندى بتقديم عرض مفصل له فى كتابه ” الحرية فى الأسر” الذى صدر عن دار ميريت بالقاهرة 2006.
وتعتمد السعودية على آلية أساسية فى وهبنة العالم وهى المال، ففى بحث نشره كيرتن ونسور السفير الامريكى الأسبق لدى كوستاريكا فى مجلة ” ميدل ايست مونيتور” عدد يونيه 2007 قدر ما انفقه الحزب الشيوعى السوفيتى لنشر الشيوعية فى الفترة “1921-1991” ب 7 مليارات دولار فى حين قدر ما أنفقته السعودية لوهبنة وأسلمة العالم خلال العقدين الآخيرين فقط ب 87 مليار دولار.
وهناك تفاصيل كثيرة فى كتاب لوران ميورافيك عن هذه الجهود السعودية حيث مولت إنشاء 210 مركزا إسلاميا و1500 مسجدا و200 كلية إسلامية و2000 مدرسة إسلامية حول العالم. وفى روما أسس الملك فهد مركزا إسلاميا تكلف 50 مليون دولار. بالاضافة إلى الاكاديمية الإسلامية الوهابية بواشنطن وبها 1200 طالب، ولندن وبها 1000 طالب، وموسكو وبها 500 طالب. وفى البوسنة حيث تسعى الوهابية للسيطرة التامة على الدويلة الوليدة، كما فعلت مع الطالبان، قامت مؤسسة الحرمين عام 2000 فقط بافتتاح 1100 مسجدا ومدرسة ومركزا إسلاميا وطبعت 13 مليون كتابا وإستخدمت 3000 داعية.
هذا بالاضافة إلى شبكة من المؤسسات الإسلامية الضخمة أنشاتها ومولتها الوهابية السعودية مثل “رابطة العالم الإسلامى 1962″، ” منظمة المؤتمر الإسلامى1969″، “منظمة الشبيبة الإسلامية 1972″، ” منظمة الغوث الإسلامى والتى استخدمت 6000 داعية وهابى” ،” دار المال الإسلامى” ، “بنك فيصل الإسلامى”.
وتسللت الوهابية لغزو المراكز الاكاديمية فى كبرى جامعات الغرب مثل كرسى الملك عبد العزيز فى جامعة كاليفورنيا،وكرسى الملك فهد فى جامعة هارفارد وكلية الدراسات الشرقية بلندن، ومركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون. وتساهم فى تمويل معهد العالم العربى بباريس،والجامعة الامريكية فى كولورادو، وجامعة هوارد فى واشنطن، وجامعة ديوك وسيراكيوزوجامعة اكسفورد…الخ
فى مقالة بصحيفة الواشنطن تايمز بتاريخ 6 يوليو 2007 تقول راشيل اهرنفليد مدير المركز الامريكى للديموقراطية: أن الاخوان المسلمين والسعوديين يعتمدون على مقولة ” لابن تيمية” تقول ” خير من ينشر الإسلام هم الرجال الذين كسبنا قلوبهم” وتواصل ” منذ زمن طويل وبحوافز مالية سعودية سخية حدد الاخوان المسلمون الكثيرين من المسئولين فى وزارة الخارجية الأمريكية أنهم من هؤلاء الرجال… أتراهم الآن قد كسبوا قلب الرئيس بوش أيضا؟”.
حتى السجون الأمريكية وصلتها بركات السعودية عبرالوعاظ الوهابيين مثل الامام دين عمر ومؤسسات مثل المجلس الإسلامى الأمريكى وجامعة العلوم الإسلامية والنتيجة ظهور مساجين مثل خوسيه باديلا وريتشارد ريد وكلاهما تحولا إلى الإسلام فى السجون وكلاهما حاول القيام بعمليات تفجير إرهابية خطيرة.
الاتجاه الثانى: القاعدة وإرهاب العالم
ففى حين تعتمد الوهابية على المال بشكل اساسى تعتمد الحركات الجهادية على العنف بشكل أساسى أيضا، وتنطلق من خطة السيطرة على دولة إسلامية بالقوة تكون نواة تقفز منها إلى باقى الدول الإسلامية لإستعادة الخلافة الإسلامية أو تأسيس الأممية الإسلامية كما كان يخطط ويحلم حسن الترابى… وبعد ذلك تنطلق دولة الخلافة لمحاربة الكفار والصليبيين كما حدث ابان الغزوات الاولى.
وقد حاولت القاعدة بالفعل الانطلاق من السودان ولكن المشروع تعثر ، ثم انتقلت إلى افغانستان وحدث لها ما ارادت بالتحالف مع الطالبان ولكن استعجالها بمحاربة الكفار والصليبيين كما اراد بن لادن وحليفه الظواهرى بأحداث 11 سبتمبر أدى إلى اجهاض حلمهم ايضا بتدمير الطالبان، ثم تكررت المحاولات عبر المحاكم الصومالية ، وهناك محاولات دائبة لإغتيال برويز مشرف والإستيلاء على باكستان. وأحدث احلام الجهاد الإسلامى هو فى دويلة غزة والانطلاق منها لاحتلال الضفة الغربية ثم تجميع جهود الإسلامية الدولية للحرب ضد إسرائيل ولكنه حلم بعيد المنال حيث العدو هو إسرائيل التى تملك خيار شمشون ومن خلفها دعم غربى ودولى كبير.
الاتجاه الثالث:الإسلام السياسى وخداع العالم
وهذا الاتجاه ينطلق من السيطرة على دولة إسلامية أيضا ولكن من خلال صندوق الانتخابات، وذلك بخداع العالم وايهامه أن الإسلاميين هم أصحاب مشروع ديموقراطى سلمى للتغيير والاصلاح، وبعدها ينطلقون أيضا إلى تحقيق حلم الخلافة الإسلامية. وقد حاول الإسلام السياسى فى الجزائر وفشلوا لتصدى العسكر لهم. وبعد الدعوة الأمريكية للإصلاح تجدد حلمهم مرة اخرى فى عدة دول عربية مثل مصر والاردن والمغرب والكويت، وحيث أن الاردن والمغرب والكويت تخضع لحكم أسر مسيطرة ولن تفرط فى الحكم بسهولة، فأن اقرب دولة يرون حلم الخلافة ينطلق منها هى مصر حيث موقعها وقوتها وكثافتها السكانية وتحت حكم نظام يعانى من نفور شعبى ويسيطر الفساد على اركانه ،وبالتالى فحكم مصر اصبح حلما يراود الإسلام السياسى ومنها للاممية الإسلامية كما صرح المرشد الأسبق للاخوان المسلمين مصطفى مشهور لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 9 اغسطس 2002 بقوله ” لن نتخلى عن إستعادة الخلافة المفقودة”.
السؤال هل هذه الاتجاهات الثلاثة منفصلة وتعمل فى خطوط متوازية أم سمة تقاطع بين عملها وتعاون فيما بينها؟.
تنطلق الاتجاهات الثلاثة من مبدأ واحد وهو ” الجهاد من آجل نصرة الإسلام” كما جاء فى أهداف منظمة المؤتمر الإسلامى، وكما حدده سيد قطب فى معالمه على الطريق ” الجهاد لا يمكن إلا أن يكون هجوميا” وهو ما يقرره التاريخ قبل سيد قطب.
وتقول راشيل اهرتفلد ” لقد حولت الأموال البترولية السعودية جماعة الاخوان المسلمين من جماعة راديكالية صغيرة ألى حركة عالمية جهادية افرخت الجماعات الارهابية التى تعمل على الساحة العالمية اليوم”.
ويقول السفير كيرتن ونسور “أن التلاقح بين الوهابية المحافظة اجتماعيا وثقافيا بالقطبية(سيد قطب) الراديكالية أنتج الإسلام السياسى الوهابى الذى أنتج بدوره تنظيم القاعدة”. ويضيف ” يسود اعتقاد ان اسامة بن لادن وقع فى منتصف التسعينات اتفاقا مع الامير تركى الفيصل ، مدير المخابرات السعودى السابق، تلتزم فيه القاعدة بعدم مهاجمة المملكة والعائلة الحاكمة فى مقابل الكف عن ملاحقة بن لادن شخصيا أو المساس بقنوات التمويل للقاعدة”.
وفى تقرير تمويل الارهاب الذى أعدته للامم المتحدة فى ديسمبر 2002 لجنة برئاسة المحقق الفرنسى جان شارل بريسيان يؤكد أن السعودية قد حولت خلال عقد واحد نصف مليار دولار للقاعدة.
ولم يحدث ذلك مع القاعدة فقط ولكن هناك مهارة سعودية عالية لترحيل الجهاد خارج اراضيها وفقا للإتفاق سالف الذكر مع الوهابيين بتصدير العنف خارج المملكة وهو ما حدث بعد دخول الأمريكيين للعراق حيث أصدر 26 من علماء الوهابية السعوديين فى 2004 فتوى تدعوا إلى الجهاد ضد القوات الأمريكية فى العراق.
وفى تقرير لها عقب 11 سبتمر ذكرت لوموند الفرنسية إنه إذا اعتبرنا تنظيم القاعدة شركة دولية يرأس مجلس إدارتها اسامة بن لادن فان أمراء سعوديون وشيوخ من الخليج يعتبرون أعضاء فى مجلس الادارة.
وليست السعودية وحدها التى تخلط الاتجاهات معا خذ مثلا قطر جارتها الصغيرة حيث ساعدت فى عولمة الفكر الإرهابى من خلال الجزيرة وفى نفس الوقت تريد إلباس الديموقراطية عمامة إسلامية لتمرير سيطرة الإسلام السياسى على الحكم فى الدول العربية من خلال مؤسسات لها مسميات براقة ولكنها تصب فى النهاية فى مشروع الإسلامية الدولية.
أما الاخوان المسلمين فقد أستعملوا العنف والأغتيالات منذ نشأتهم وافرخوا معظم الجماعات الارهابية وتراجعهم عن العنف ليس ايمانا بالعمل السلمى بقدر عجزهم عن مواجهة النظام العسكرى فى مصر فهو تراجع تكتيكى وليس استراتيجيا ، بدليل مباركتهم لخطوات حماس فى غزة والتى استخدمت العنف والسحل والتمثيل بجثث المسلمين من آجل الوصول للسلطة. ولم تصدر عن الاخوان المسلمين فتوة واحدة ضد اسامة بن لادن أو الظواهرى أو حتى الجزار ابو مصعب الزرقاوى.
وهكذا تتقاطع الاتجاهات الثلاثة وتتعاون وتنسق وتغذى بعضها البعض خالطة العنف بالمال بصندوق الانتخابات فى شبكة جهنمية هى ما يطلق عليه حاليا الإسلامية الدولية… ومن ينجح سيتوج نفسه خليفة للمسلمين وسيصلى الجميع وراءه، فمعاوية ويزيد والمامون والسلطان عبد الحميد لم يكونوا أفضل من بن لادن والظواهرى والزرقاوى ومهدى عاكف.
magdi.khalil@yahoo.com
مجدي خليل الاتجاهات الثلاثة للإسلامية الدولية