الرئيسية » مقالات » ذل اللجوء

ذل اللجوء

اسمه سعيد وهو شقي ، تخصص في الفنون المسرحية، ووصل الى هذه البلاد ليعمل في غسل الصحون وتقشير البصل ، داخل محل شاورما بعيدا عن العيون، رأيته في حديقة الهايد بارك انتقى له زاوية مهجورة ، مستندا على جذع شجرة هرمة يرمق المجهول وهو ينفث دخان سيجارته في الفضاء ، سلمت عليه ، فابتسم ، جلست عنده بلا استئذان ، فقال لي: من العراق أنت ايها الغريب ؟
قلت : نعم وكيف عرفت ذلك ، قال : من شارة الذل المرتسمة على جبينك ، انها نفس الشارة التي احملها ، ومضى يقول وكأنه لم يتكلم منذ سنين :
انا لاجئ ومرفوض لاني لم اتقن صياغة القصة ، اذ لم يخبرني احد بان القصة تحتاج الى حبكة درامية واثارات مفتعلة ، مع اني متخصص بالفنون المسرحية ولكني رسبت في الامتحان العملي الفعلي ، فانا رغم كل الامطار وكل الانهار في المنفى اشعر بالظمأ ،تغلفني المرارات من كل جانب ، اقف حزينا مكسورا مقهورا منهزما امام دائرة الاقامة ، اجدها جافة لا احاسيس لها ، البناية صماء بكماء مغلقة لاتضحك ولا تبكي وابوابها المضللة تشعرني بالاختناق ، يغلقون الابواب بعد انتهاء الدوام ويغادر الموضفون الى منازلهم غير عابئين بحزني وانكساري ومرارات انتظاري ، وساعي البريد الذي يمر ببابي كل يوم لا ياتي الا بفواتير الماء والهاتف والكهرباء ، ويخطر على بالي احيانا ان اقوم من مكاني ، واحزم امتعتي لاعود ادراجي ولكن الى اين ؟

فذلك الوطن المملوء بالعذاب والاحقاد والالغام قد لفظني ولفظته ،وقد تحولت الحدود الوهمية الى حقيقة تمنعني من دخول البلدان النظيفة والمدن الوضيئة
.
لقد غادرت الوطن الى الابد بعد ان قبلت جدران بيتي وبابه الخشبي.
انا والالاف مثلي اصبحنا اجسادا بلا ارواح وبلا قلوب ، وصرنا نتناول في الفطور سندويتشا من الحزن وغداؤنا الظهر طبق من الاشواق وفي الليل نخلط بعشائنا مرارات الغربة ، هناك متسع من الحزن .
على احر من الجمر او ابرد من الجليد اصارع الوهم في النفق الطويل الذي لا يؤدي الى فضاء ، لم يبق لي احد ، لقد مضوا جميعا ، لقد قضوا جميعا ، مع من سيلتم شملي ؟ حتى امي التي (طشت ) طاسة من الماء خلفي بعد سفري على امل العودة ، ماتت ، وصارت عظاما .
كان يغالب دموعه ، لم يتمالك نفسه فبكى بحرقة بالغة ، بكيت معه اخذت بضع قطرات من دموعه ، خلطتها بعناية مع بضع قطرات من دموعي والقيت بها نحو السماء ، فما نزلت منها قطرة ، وقلت : يارب تقبل منا هذا القربان .