الرئيسية » مقالات » قانونا النفط والفيدرالية مدخل لحرب أهلية مدمرة

قانونا النفط والفيدرالية مدخل لحرب أهلية مدمرة

مع مرور الأيام، وتصاعد الأزمة العراقية عمقاً واتساعاً ، ومع تصاعد الضغوط من قبل الكونكرس الأمريكي على الرئيس بوش لسحب القوات الأمريكية من العراق، صاعدت الإدارة الأمريكية من جانبها الضغوط على حكومة المالكي، والتي باتت في مهب الريح، للاستعجال بإقرار مشروع قانون النفط والغاز من قبل البرلمان.
لقد كان واضحاً أن الإدارة الأمريكية لم تشن الحرب على العراق لتخليص الشعب من طغيان النظام الصدامي الفاشي، وهي التي صنعته، ولا هي راغبة في إقامة نظام ديمقراطي في البلاد، وهي التي تدعم أعتا الأنظمة الرجعية التولتارية كالسعودية، منبع الفكر الطائفي الوهابي الإرهابي، فتسليم البلاد لقوى الإسلام السياسي الطائفي التي لا تستسيغ الديمقراطية يتنافى والتوجه نحو هذا الهدف، وهي بعيدة عنه بعد السماء عن الأرض.
أن فكر أحزاب الإسلام السياسي الطائفي والفكر الديمقراطي يمثلان خطين متوازيين مهما امتدا لا يتلاقيان، فهذه الأحزاب لا تعنيها الديمقراطية بشئ، وهي ما أن وصلت إلى قمة السلطة حتى كشفت عن أنيابها الدموية من خلال مليشياتها المسلحة والمتوحشة التي باتت تفتك بالألوف من الأبرياء من أبناء جلدتهم مستخدمين الدين سبيلاً لتحقيق أهدافهم السياسية ، وبذلك افسدوا الدين والسياسة معاً، وبات الفساد في سائر أجهزة الدولة من القمة حتى القاعدة .
إن الدافع الحقيقي للحرب على العراق هو الرغبة الأمريكية للسيطرة على نفط العراق ورهنه لصالح شركات النفط الاحتكارية الكبرى، حيث يمتلك العراق ثاني اكبر مخزون نفطي في العالم. يسيل له لعاب هذه الاحتكارات النفطية الأمريكية التي أزاحت شركات أقرب واخلص حلفائها البريطانيين والفرنسيين بعد الحرب العالمية الثانية لتستولي على حصة الأسد من نفط الخليج، وكان احد أهم دوافع الحرب الأخيرة على العراق إلغاء العقود التي ابرمها نظام الدكتاتور صدام حسين مع كل من فرنسا وروسيا والصين، وهذا ما يفسر الموقف الحقيقي المعارض للحرب الذي وقفته هذه الدول.
وتلقى الرغبة الأمريكية هذه الدعم الكامل من قبل حزبي الدعوة والمجلس الأعلى الشيعيين الطائفيين الطامحين في إقامة ما يسمى بفيدرالية الجنوب و الوسط الغني جداً بالنفط ، وحزبي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني القوميين الكرديين الطامحين في الاستئثار بنفط الشمال، وترى القيادات هذه أن لها مصلحة في إقرار القانون المذكور، وتشكيل الفيدراليات التي تهدف في نهاية المطاف إلى تمزيق وحدة العراق بموجب القانون الذي اقره مجلس النواب من قبل بأغلبية ضئيلة، وبالطريقة المعروفة لكل المتتبعين!!، لكي يكون لها سلطة المشاركة في عمليات التعاقد مع الشركات الأجنبية، والتصرف بالثروة الوطنية التي هي ملك للشعب العراقي كله، والتي ينبغي أن تكون تحت إدارة السلطة المركزية.
وهكذا نجد هذه الأحزب المتحالفة أصلاً منذ الانتخابات البرلمانية الأولى تقوم بنشاط واسع من أجل تكوين تحالف جديد، بعد أن تمزق تحالف الأحزاب الشيعية، وتحاول ضم الحزب الإسلامي الطائفي السني له تحت يافطة[ تحالف المعتدلين] !! بعد أن باتت حكومة المالكي على وشك السقوط ، والدعوات المتصاعدة لحل البرلمان وتعديل الدستور ، وتعديل قانون النفط والغاز ، وتحديد أسس وشروط الفيدرالية الكردية بما يحقق وحدة التراب العراقي ، وتآخي الشعبين العربي والكردي وسائر القوميات الأخرى.
لقد بادرت القيادات الكردية قبل أسبوع إلى عقد مؤتمر في أربيل للبحث في إيجاد الصيغ الكفيلة بتطبيق ما تدعوه بالعراق الفيدرالي الاتحادي!! وقد جاءت بهذه التسمية التي تتفق مع طموحات الأحزاب الشيعية الطائفية بتشكيل فدراليات الجنوب والوسط ، وتفتيت الكيان العراقي.
إن هذا التحالف الذي يتحدثون عنه اليوم لا يحمل أي من صفات الاعتدال هو في واقع الحال تحالف يهدف إلى تمزيق العراق، والسيطرة على ثرواته الطبيعية مستغلين الأزمة السياسية الخانقة، والتدهور والفلتان الأمني الذي يعم البلاد، والاحتلال الأمريكي الجاثم على أنفاس العراقيين لتمرير هذه المشاريع الخطيرة التي تهدد بأوخم العواقب مصير العراق وشعبه.
إن قوى الإسلام السياسي الطائفي بشقيها الشيعي والسني لا تؤمن حقاً وصدقاً بحقوق الشعب الكردي، وإن أصدقاء الكرد الحقيقيين هم تلك القوى الديمقراطية العلمانية التي ناضلت خلال عقود طويلة من أجل حصول الشعب الكردي على حقوقه المشروعة ودفعت ثمناً باهظا من التضحيات في هذا السبيل.
ويبدو أن قيادات الأحزاب الكردية لم تتعلم الدرس من الأخطاء التي وقعت فيها عندما تحالفت قبيل انقلاب 8 شباط المشؤوم مع حزب البعث والقوى القومية التي تآمرت على ثورة الرابع عشر من تموز اعتقاداً منها أن أولئك القوميين الشوفينيين هم أكثر ديمقراطية من عبد الكريم قاسم، وأكثر إيماناً بحقوق الشعب الكردي، فكانت النتيجة وبالاً عليهم، حيث شن انقلابيو 8 شباط الفاشيون حملة عسكرية شعواء على كردستان، واستعانت بقوات عسكرية سورية للمساهمة في تلك الحرب الوحشية على الشعب الكردي، وهي اليوم تكرر نفس الخطأ دون التبصر بعواقب الأمور.
إن التحالف الجديد المزمع الإعلان عنه قريباً كما صرحت تلك القيادات لا يعدو عن كونه تحالف مصلحي اقتضته مصلحة الطرفين لتمرير أجندتمها المتضمنة مشروع الفيدراليات ومشروع قانون النفط والغاز، لكن هذا التحالف لن يكتب له الدوام والنجاح، وإن التمسك بأهداب الدستور الذي وضع أسسه الحاكم المدني الأمريكي السيئ الصيت [بول بريمر]، وما تلاه من انتخابات مفضوحة لا علاقة لها بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد.
إن كل ما جرى في ظل الاحتلال، وأي قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل العراق وبثرواته النفطية لا يمكن أن يكتسب الصفة الشرعية، وسيقود البلاد إلى التفكك والتمزق، ويقود الشعب نحو الحرب الأهلية والصراع والخراب والدمار، حيث لن ينجُ منها أحدا، بل سيكتوي الجميع بنيرانها.
أن قيادات هذه الأحزاب سوف تتحمل مسؤولية تاريخية كبرى جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية إن هي أصرت على سلوك هذا الطريق الذي يقود العراق وشعبه نحو الهاوية، وسيندم الجميع في وقت لا يفيد فيه الندم بعد أن تحل الكارثة بالبلاد ويعم الطوفان الذي سيغرقهم في أوحاله جميعاً بكل تأكيد.