الرئيسية » الآداب » هناك دوماً عروس وراء الكلمات… لقاء مع الشاعر الكوردي حسين حبش

هناك دوماً عروس وراء الكلمات… لقاء مع الشاعر الكوردي حسين حبش

 






لقاء مع الشاعر الكوردي حسين حبش
اجرى الحوار: د. توفيق آلتونجي


إمرأة غواية أنتِ
تحت جلدك يختصب الضياء
والضياء يتشعب
والتشعب يكتسح كل قلب
فيه مذاق الحب وجحيمه…

أنا لا أعرف الرجل الشاعر حسين حبش إلا من خلال تلك الكلمات التي خطتها قريحته الابداعية في كلمات شعرية، وكلما أصدر كتاباً أهداه لي. فقبل أكثر من ثلاث أعوام أرسل لي باقة من الورد غرق فيه الشاعر حتى القاع، لينهش أشلاء الكلمات ويعصرها جاعلاً من رحيقها شعراً يترجم كل تلك الأحاسيس الإنسانية الخالدة التي ما برحت تنخر شغاف أفئدتنا وتسمو بارواحنا إلى العلى متحاورين متوحدين وشاقين شرنقتنا الحيوانية المتوحشة متحولين الى بشر…….
هكذا كتبت حول شاعرنا المبدع قبل سنوات على صفحات “إيلاف” واليوم بعد أن استلمت نسخة من ديوانه ” الموسوم: أعلى من الشهوة وألذ من من خاصرة غزال” من منشورات دار الواح – مدريد 2007. قمت فوراً بقراءة تلك الرموز الطيبة لأكتشف أن الحبيبة تكاد تكون المحور الأساسي لتلك الباقة من عبق الابداع الإنساني وعبير الكلمات أتت برداً وسلاماً الى هذا العالم الذي يسوده مديح العنف. بينما انطوى الحكماء وآخرون من الصفوة على أنفسهم واختاروا خلوة النساك في مكان قصي محبذين ذلك الصمت البليغ.

حسين الشاعر والإنسان هو حديث لقائنا لتقديمه إلى قارئ العربية أينما كان، ولتعريفه عن قرب بالقارئ الكوردي أيضاً، لتعميق تلك العلاقة الروحية التي ما فكا يداعب كلماته وأحلامه مروراً من بوابة الشمس من مرتفعات عفرين وصحراء الرها ونواقيس ماردين وأسوار دياربكر وجسر الدلال عند سفوح زوززك وعند شلال كلي علي بك وطمى نهر روخانا عند تخوم الوطن الصغير” افتخار ” فاهلاً به وسهلاً.





ـ كيف يمكن أن تتناغم الكلمات مع الأحلام والأمل مع شاعرنا حسين؟

الكلمات حين تتلقفها مخيلة الشاعر، تتحول إلى إيقونات للأحلام والآمال. ففي قمة اليأس تجد كلمات الشاعر تنهمر كالحب، متألقة ومترعة بالجمال والرقة. تقوم بسحب البساط من تحت أقدام اليأس وتنغرز عميقاً.. عميقاً في قلب المعنى، معنى الحب، معنى الحرية، معنى الجمال والأمل والأحلام والحياة بكل ألوانها، بمرها وحلوها أساساً. هذا لا يعني، أنا القَلِقُ دائماً، أنني أقدم تلك الأشياء الجميلة التي أشرت إليها عبر قصائدي على طبق من فضة للقارئ، بل أجعله يتعب معي ذلك التعب الجميل وهو يفك رموز القصائد وألغازها. أنا متأكد أن بعضاً من تلك القصائد تخلق فرحة أو بسمة ما هنا وهناك، كأن تحرض عاشقاً ما على أن يهدي حبيبته وردة حمراء. أو أن تفتح كوة ضوء في جدار ما. أو أن تجعل أماً تذرف دموع الاشتياق لإبن غائب…..
ليقين ما أقول أن القصيدة حتى لو قَدَّمت لوحة سوداء قاتمة، وإذا ما توفرت فيها الشروط الجمالية والفنية الكاملة في نفس الوقت، فإنها تلعب دوراً مهماً في أنقشاع الضباب وتحريك العواطف والمشاعر نحو الأفضل والأجمل.

ـ استخدمت الرموز التراثية ولم تفصح الكثير فهل ياترى هناك عائق بتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية؟

الشعر بالأصل لا يسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية إلا وكان مصيره الاخفاق والفشل، وهو إذ يتحرك يخطف الأشياء من أماكنها، ويجعلها تظهر كما يرغب هو لا كما تريدها هي. الشعر مناطقه واسعة وفضاؤه شاسع، يأخذ ما يريده خطفاً، ويخلِّف بعد ذلك لذة رائعة، لا تضاهى.
ليس لدي أي عائق بإستخدام الأشياء التي تود الجريان في شريان قصيدتي، سواء أكانت تلك الأشياء رموزاً تراثية، أو أسطورةً، أو أي شيء آخر، خاصة إذا كان ذلك الجريان فعل قوة لها وليس جسماً غريباً لا يتشابه زمرته الدموية مع زمرة القصيدة. أود من تلك الأشياء أن تنصهر وتتماهى وتتغلل في قلب القصيدة كالحب، كالنار، كالفتنة، خالقة رهافة كاملة ومتسلسلة حتى النقطة الأخيرة في القصيدة.

ـ بعض كتاباتك تصل إلى درجة السرد الروائي وكأنك تروي لنا قصة أو حدوتة كما في بنت أورشليم والقرمطية وروكسانا حدثنا عن البعد الآخر الغير منظور في صورك الشعرية؟

القصيدة هي التي تفرض موضوعها وفكرتها على الشاعر ومن ثم تقوم مخيلته بنسجها، فتكتمل إما على شكل أقصوصة أو حدوتة، قصيدة طويلة أو قصيرة، قصيدة واضحة أو غامضة… أو أنها تكتمل بأي موضوع أو أية فكرة توافق مزاجها وطريقة تكوينها. لكن عليها قبل كل شيء، أن لا تتنازل عن شرط الشعر فيها مهما كان الموضوع أو المجال الذي تتحرك فيه أو تغرف منه.
القصائد التي ذكرتها، استفادت فعلاً في جانب من جوانبها من السرد وطريقة القص والروي في بنائها، ولم أقسرها على أن تكون غير ذلك، فجاءت كما هي. هل وفقت؟ فالجواب عند القارئ.
على الشاعر أن يستفيد من كل الموجودات والتجارب والخبرات ويلقح قصيدته بها، بما يدعمها ويعلِّي من شأنها. الشاعر أفعى الكلمات يغير جلدها ويحركها وفق مزاجه ومزاج المخيلة لديه.

ـ نحن أبناء كاوا عجنا بالملاحم والأساطير من ممو زين الى كل تلك الحكايات البطولية في مسيرة الإنسان الكوردي للوصول إلى الخلود والتحرر، أين حسين من كل ذلك؟

كل ما جاء في هذا السؤال من أشخاص وأشياء هي أقرب مني إلي. كاوا الحداد في ثورته، وهو يهوي بمطرقته على رأس الطاغية الضحاك.. ومن تلك المطرقة، كما هو معروف، أشرق يوم الكرد كما تشير الأسطورة، أعني يوم نوروز. العاشقان مم وزين وهما يدعوان كل العشاق إلى وليمة الحب والعشق الأبدية بعد أن إجترح ملحمتهما مخيلة الشاعر المتصوف الكبير أحمد خاني. الشاعر الكبير ملاي جزيري وهو يقرأ غزلياته ونبضات قلبه على مسامع الكون. ملحمة قلعة دمدم وأميرها ذو الكف الذهبية وهو يقاوم جحافل الفرس. حاجي آختي وهو على المشنقة الطورانية، يردد دون تاتأة “عاشت كردستان”. “عاشت جمهورية كردستان المستقبلية…”. هل أستمر في السرد سأقف هنا وأقول: أنَّى كنتُ، فإن عضلة القلب تنبض دائماً بإتجاه كردستان، وعضلة الشعر طبعاً.

ـ المنفى وضعنا أمام منفى الروح والجسد واشكالية الانتماء والتغير في المجتمعات الجديدة إن كنا اخترناها طوعاً أو قسراً، لكنها أبقت على معشوقتنا حية وأضافت إليها الحيوية التي ربما لم نكن نعيها ونحن نمارس أحلى الطقوس بقربها ونشم ترابها، كيف ترى التجربة الذاتية لكم بين حدود عفرين وبون؟

عفرين هي مدينتي الأولى التي لقحت بويضة الشعر الأولى في رأسي، تلك البويضة التي خرجت من شرنقتها وكبرت مع تنقلاتي الكثيرة بين المدن والأمصار. أشتاق إليها، أشتاق إلى بلدتي الوديعة “شييه” في جوارها، هي براءتي وملعب طفولتي. أما بون فهي مدينتي الثانية التي لم أتآلف مع روتينها وقوانينها الكثيرة إلا رويداً رويداً، وما زلت أتململ منها بين حين وآخر، لكني أشتاق إليها أيضاً كلما سافرت أو بعدت عنها، والاشتياق دليل المحبة دوماً. ما بين عفرين وبون أُضيفَ الكثير إلى تجربتي الذاتية والشعرية. كبر نصي، كبرعمري، تشعبت حياتي كثيراً، اتسع مجال رؤيتي للحياة والكون، زادت خبراتي، زادت لغاتي، وعلاوة على ذلك فقد تعقلن حنيني. أشعر بحالي الآن بأني مواطن كردي وأوربي وعالمي، ما دام ليس هناك أي عائق يقف في وجه مخيلتي في حركاتها وتنقلاتها الواسعة والمتشعبة…

ـ كتب العديد عن ابداعاتك هل تجد أن الكتاب والنقاد قد أنصفوا الشاعر حسين وشعره؟

نعم هناك الكثير من المقالات والدراسات التي تناولت أشعاري وقصائدي، وبأقلام مهمة. بعض تلك المقالات والدراسات أضاءت جوانب كثيرة كانت مخفية ومعتمة، فسلطت ضوء الحبر عليها بمنتهى الذكاء والحب. ومنها ما ذهبت إلى أبعد من ذلك فحملت القصائد أكثر مما تتحملها من طاقة.
في كل الأحوال أشكر وأحترم كل الذين دخلوا نصي بحبرهم وقلوبهم وأولوا جمالياته إهتمامهم ومحبتهم الخاصة.

نشكر شاعرنا المبدع على سعة صدرة راجين له دوام الابداع.

حسين حبش:
شاعر كوردي من سوريا من مواليد 1970 في قرية “شيخ الحديد” التابعة لقضاء “عفرين” يكتب بالعربية ولا يزال يقيم في ألمانيا باكورة أعماله الشعرية كانت : غرق في الورد من اصدارات : أزمنة للنشر والتوزيع عمان الاردن، 2002 وديوانه الشعري الثاني يحمل عنوان : هاربون عبر نهر إفروس و من منشورات: سنابل للنشر والتوزيع جمهورية مصر العربية 2004.