الرئيسية » مقالات » أخي مصطفى گرمياني .. وداعا

أخي مصطفى گرمياني .. وداعا

قتلوك أنت الآخر في مدينتك التي حرموا عليك رؤيتها طيلة عقود حكمهم الأسود فعدت بعد غياب طويل لتقيم غريبا في موطن ذكرياتك ، أصابوا قلبك الذي كان يخفق أبدا للإنسانية ومبادئها البيضاء التي آمنت بها وعملت من أجلها ، أصابوا قلبا لم يعرف الحقد والدفينة والبغضاء يوما ، ليبكيك كل من لاقاك سويعة واحدة من حياته ، إنها رحلة نحو المصير الحتمي الذي زاملك فيها أكثر من مئة وخمسين بريئا من أبناء مدينتك شيبا وشبابا ، صغارا وكبارا ، شلت يد الارهاب ، أعداء الحياة والحرية .
فضائياتنا الكوردية ، أخي الراحل الأبدي ، كانت تتسابق في تقديم أفضل ما لديها من أغان ودبكات وبرامج فارغة ساعة إبادة جماعية للكورد في كركوك وما بعدها بساعات ولا زالت ، هذا دأبها ، فلا جديد في المشهد ، فمن شاشات القنوات التي تبعد من كركوك بآلاف الأميال شاهدت أشلائك بيد من لم تنله يد الأرهاب وهم يحاولون أعادة الروح الى جسد تهيأ للرحيل الى المقبرة القريبة من مقر عملك في جريدة ( كركوكي ئه مرو ) وأنت تصارع سكرات الموت في مدينة باتت مقبرة كبيرة وسط أكتراث الأرهاب العالمي التي تحاول تعميق اللحد الكركوكي وعدم أكتراث الكثير من المسؤولين الذين يتمشدقون بقدسية المدينة ظاهرا وهمهم الحقيقي ملئ البطون والجيوب والجحور بالمزيد والمزيد ، أناس يتاجرون بدمائكم الزكية .
كنتم أكثر من مئتي وخمسين فراشة بريئة صعدت الى السماء وسط حزن محبيكم وذويكم ومعارفكم ، غير أن الفضائيات التي تتغذى بأموالكم لم تتجشم عناء تعليق شريط أسود على شاشاتها ، أو التوقف عن الغناء حتى ولو لدقائق خمس ، أو قطع البرامج وأستطلاع آراء الناس في كركوك وكوردستان والعالم وهذا أضعف الإيمان ولكن أية منها لم تعمل مثل هذه الآجرائات مع شديد الأسف ، موتكم أيها الأبرياء لم يرتق الى مستوى مرض مسؤول رفيع المستوى حيث البرامج الخاصة والتصريحات المتنوعة وتسابق المتملقين في إبداء الولائات ، شعوري وأنا أفتقدكم الى الأبد مساو بشعوري بتفاهة حياة الفرد الكوردستاني وهو يفقد حياته لدى البعض القادم الى الواجهة مستخدمين سلالم الفساد والمحسوبية ، شعوري وأنا أقرأ برقيات التعزية لمسؤولي شرقنا الى رؤساء الغرب أثناء فقدان تلك الدول لأرواح بعض مواطنيها في الوقت الذي تقتل المئات من مواطنيهم وينهون المشكلة بكتابة بيان أستنكار ، وبيان أستنكار ( شديد ) إذا كان العدد كبيرا نوعا ما ولا أكثر من ذلك .
لا زلت أذكر أخي مصطفى حديثك إياي عن مثل هذه الحوادث فقلت معلقا ، لا أدري لماذا لم نسمع برسالة أستقالة من أي مسؤول في البلد عقب حدوث العشرات من الأنتكاسات التي لا بد من وقوف مسؤول متباطئ أو متعاقس أو مخالف أو مهمل أو غير جدير بتحمل المسؤولية ؟ ، وأنا أضفت ، ولم نرى إقالة أحد منهم أيضا لنفس الأسباب التي ذكرتها ، ولذلك تراني ملهفا لإعادة ذلك الحديث الذي أصبح حديث مجالس الناس في وطننا الى الأذهان وأقول والأسى يقطعني أشلاءا متناثرة من الحزن ، أن قافلتكم الغادية الى الآخرة ليست الأخيرة ما دامت الوجوه هي نفسها والاساليب هي نفسها وباب التجديد والنقد الذاتي موصود والصدأ عليه متراكم .
أنا أرى ، أن المقرات الحزبية التي تعمل من أجل الاهداف الحزبية الضيقة والتي تزاحم الأحياء السكنية في كركوك قد جعلت تلك الأحياء أهداف رئيسة للإرهاب هي الآخر ، أحزاب تنحت عن جادة الأهداف التي تناشدها على الورق وتعمل على نسف الروح الوطني والقومي لدى أهلنا الطيبين في كركوك ، أؤلئك الذين كانوا ولم يزالوا حطبا للثورات والإنتفاضات والوثبات الكوردية ، لذلك ترانا مشاريع دائمة للفناء والإحتراق والآخرين يستغلون فدائنا ويبنون صروحا لهم على أنقاض جماجمنا .
وداعا ، أخي مصطفى ولا أقول وداعا أبديا فنحن جمع من الأشلاء الحية الميتة ، أصواتنا مدوية ولكن آذان المترفين صماء أزائها فالجبال وحدها ترد إلينا صدى أصواتنا ، فنحن قادمون إليكم ، مهلا ، فالإنتظار لن يطول مادام الفساد بكل أوجهه وألوانه متفشية في الجسد الذي يهمنا أن يكون قويا ومقاوما وجرثومة الفساد تنخر عظام ذلك الجسد وتجعله هرئا ومتصدعا ، أرفع عقيرة السؤال عاليا وأقول معكم أيها الضحايا ، أين حقنا ، حقنا في الحياة الحرة الكريمة ، حقنا في الدفاع عن مكتسبات شعبنا وبيشمركتنا ، حقنا في الإنتقام من أولئك الذين يعيشون بيننا ويحصدون أرواحنا بالجملة دون رادع ، أخبرونا أيها النازلون في المقابر ، هل من متسع في أرضكم لطمر أجسادنا الواقفة في طوابير الإنتظار ، كم أشتاق اللحاق بكم أيها الشهداء الأبرار لكي لا تتعذب العين أكثر مما تعذبت من رؤية مشاهد الفساد التي تعلوا وسط أكواخنا الهرئة على شكل قصور ذات أبواب عالية ورخامات ذليلة وخدم وحشم من جنسيات مختلفة .
أه أيها الشهيد :
تموت الأسود في الغابات جوعا ولحم الضأن تأكله الكلاب .
وداعا … وسلاما .. والى اللقاء .