الرئيسية » مقالات » ترکيا و الکورد: الهجوم و حلم الدولة المستقلة

ترکيا و الکورد: الهجوم و حلم الدولة المستقلة

حرصت و تحرص السياسة الترکية في خطها العام على ممارسة(الابتزاز) و(إنتهاز الفرص)مع کل بادرة ضعف تراها لدى خصوم أو حلفاء بل وحتى أخوة”العقيدة” فتقوم و تبعا لذلك بالعمل على جني مايمکنها من ثمار من جراء ذلك الوضع الطارئ.
وليس خافيا على أحد تلك الجهود التي بذلتها الحکومات الترکية المتعاقبة للاستفادة القصوى من تواجد قاعدة”انجرليك”الجوية على أراضيها، وکل تلك الالاعيب التي مارستها في سبيل ذلك بدءا من التصريحات النارية للساسة و الجنرالات بخصوص ماکان يسمونه “إحتمال” إنهاء وجود تلك القاعدة ناهيك عن تلك المسرحيات المعروفة النتائج سلفا والتي کان البرلمان الترکي يقدمها بشأن التصويت على إبقاء أو إنهاء وجود تلك القاعدة. والانکى من کل ذلك، ان ترکيا بدءا من رئيس جمهوريتها و الى أبسط مواطن فيها، کانت تدرك تماما إن بلادهم بحاجة ماسة لکل “بنس” وليس”دولار”تدره تلك القاعدة عليها.
ومع أن الايام قد أثبتت وبشکل جلي أن قاعدة انجرليك کانت(وبالا)على أنقرة و أن کل دولار ذهب الى الخزينة الترکية کان بمثابة مسمار في نعش البنيان”العقائدي” الذي خلفه کمال أتاتورك کميراث أزلي لترکيا مابعد الخلافة العثمانية.
ترکيا التي أدرکت خطورة تعاملها مع الغرب في سياق يفضي الى إستحصال حقوق سياسية و ثقافية أوسع للکورد و علمت انها و بمحض إرادتها المرتبطة ببراغمتيتها”الجشعة” قد إنجرفت أکثر من اللازم خلف الامريکان و إن الذي يجري اليوم في کوردستان العراق قد يکون و من الوارد جدا أن يتکرر غدا في کوردستان ترکيا قبل غيرها، ولذلك وقبل سقوط الدکتاتور العراقي بمدة وجيزة، فقدحرصت أنقرة وفي مناورة سياسية إتسمت بالسذاجة المفرطة لتدارك الامر والذي إنعکس في الموقف الترکي الحازم من رفض السماح للقوات الامريکية بإستخدام الاراضي الترکية لشن ذلك الهجوم الذي على أثره أسقط النظام العراقي السابق. ومما لاشك فيه ان ذلك الموقف کان بمثابة الخطأ التأريخي الذي إقترفته السياسة الترکية و لاينفك الساسة و المحللون من تکراره و التأکيد عليه و تدبيج المقالات و التحليلات الافتراضية”فيما إذا”لو کانت قد سمحت ترکيا بذلك وماکان سيمنحها من إمتيازات”سياسية و عسکرية” داخل العراق مما کان يسمح لها باللعب بشکل أفضل داخل الاطار ذاته. غير ان ذلك الموقف الترکي الذي کان في نظر الکورد بمثابة”هبة”أو”رحمة”إلهية خالصة بالنسبة لهم، لم ينتهي عند سقف الرفض الترکي و إنما تجاوزه الى العلاقات الامريکية الترکية ذاتها والتي هي وبشهادة الاوساط السياسية المطلعة تمر بمرحلة تبدو نوعا ما”صعبة” خصوصا وان الطرفان يسعيان لفرض إملاءاتهما على بعضهما فيما يتعلق بالقضية الکوردية، ولعل القلق الترکي المتزايد من”ولع”واشنطن في المزيد من اللعب بالورقة الکوردية و إستخدامها في”مناطق”اخرى مجاورة لها أيضا، يقض من مضجعها و يدفعها للتبرم أکثر من الموقف الامريکي، فيما تجد الولايات المتحدة الامريکية في الموقف الترکي المتعنت من القضية الکوردية أساسا”ليس له مايبرره”، خصوصا وان واشنطن قد حرصت دوما على التأکيد على إلتزامها بمصالح حليفتها في الناتو، إلا أن ذلك الحرص ليس من القوة بحيث يزيل تلك الغمامات التي نشأت في أعين الساسة و الجنرالات بعد تقارير تحدثت عن تسرب أسلحة أمريکية لخصومها الکورد في حزب العمال الکوردستاني.
ومن تلك المسائل التي تثير أنقرة و تدفع في بعض الاحيان بإطارة صواب”جنرالاتها”، هي تلك العلاقة المميزة بين واشنطن و أربيل وذلك”الدلال”الذي تسبغه الاولى على القادة الکورد، ومع ان التجربة السياسية الکوردية قد صارت أمرا واقعا لامناص منه وان العديد من الدول المهمة على الصعيد الدولي قد إفتتحت لها مکاتب و قنصليات في أربيل بالاضافة الى ان الکثير من الشرکات و أصحاب رؤوس الاموال و المستثمرين المختلفين بما فيهم العرب و الاتراك قد طفقوا يتوافدون على الارض البکر في إقليم کوردستان لجني أرباح قد تکون خيالية في مثل هذه الايام الصعبة إقتصاديا، فإن ترکيا مازالت تصر بنفس عقليتها السياسية”المتحجرة” لمرحلة ليس ماقبل سقوط نظام صدام حسين وإنما لمرحلة الحرب الباردة ذاتها! ترکيا مازالت تصر على فرض”ألف باء”سياستها العرجاء المشوهة السقيمة بخصوص الشعب الکوردي على العالم برمته و بالاخص على حلفائها الغربيين وهي من خلال إرسالها مايقارب من 200 ألف عسکري ترکي الى حدودها المشترکة مع الاقليم الکوردي، فإنها تحاول أن تلعب مرة أخرى لعبة”إبتزاز”المواقف لکن بطريقة قد لاتکون نهاياتها أبدا کبداياتها فيما”لو وقع الفأس بالرأس”، وقد يکون من المفيد جدا لأنقرة أن تستفاد من المآزق السياسية العسکرية للعديد من الدول عندما تورطت في تدخلات عسکرية صارت فيما بعد وبالا عليها وأن الشعب الکوردي الذي بات يتطلع من مختلف بقاع کوردستان الى الحرية و يحلم بدولة مستقلة، سوف تکون الحماقة الترکية عاملا مساعدا قويا له کي يسعى لتحقيق أهدافه”المقدسة” بطرق لن يکون الحوار فيها بديلا عن الرصاصة!