الرئيسية » مقالات » الارهاب .. والأرتداد نحو الذات

الارهاب .. والأرتداد نحو الذات

 عندما وفرت كل من امريكا والسعودية دعما لا محدودا لابن لادن أبان الغزو السوفيتي لافغانستان ، لم تكونا تدركان انهما يؤسسان لمشروع ارهاب عالمي سينشر اجنحته السوداء على العالم بأسره ، وسيرتد عليهما فيما بعد بالموت والدمار .
اذ ارادت امريكا في وقتها ان ترهق الاتحاد السوفيتي وتفشل احتلاله لافغانستان. ووجدت في الفكر الوهابي الذي تتبناه السعودية والذي يستند الى تأويلات فاسدة للنص الديني . اذ يأخذ المعنى السطحي للغة الفقهية ويؤول الايات القرانية تأويلا خاطئا بأعتماده في اغلب الاحيان على نصوص تاريخية – سياسية غير موثوقة . وجدت فيه امريكا ارضا خصبة لمقاتلة الروس تحت غطاء ديني ، اسلامي ، جهادي . وهكذا كان بن لادن يتنقل بين مساجد السعودية تحت نظر ورعاية
العائلة المالكة ، يحرض على القتال ويجند الشباب ويجمع الاموال بحجة مقاتلة الكفار وتحرير بلاد المسلمين من المشركين! وبعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من افغانستان ، اصبح بن لادن اكثر قوة واكثر عددا وبدأ بتصدير نشاطه الى مختلف دول العالم مبتدئا بالدول التي مدت اليه يد المعونة والدعم وفي مقدمتها امريكا التي اصبحت في نظره العدو الاول . الا ان اول اثاردموية لتوجهه بانت مع ” المشهد الجزائري ” بأحداث اكتوبر عام 1989 . ثم انتقلت الى الى كل من الصومال والسودان واليمن وباقي المنطقة العربية لتصل ذروتها في احداث الحادي عشر من سبتمبر ولتشن عليه الولايات المتحدة حربا كلفت افغانستان والدول المحيطة بها الكثير من الاستنزاف المادي والبشري .
وبعد سقوط نظام البعث في العراق ، وانهيار مؤسسات الدولة الامنية والاستخباراتية ودخول السياسين العراقيين في دوامة الصراع السياسي ، استطاع ” الخطاب التكفيري ” ( الذي لم يكن منتشرا ولا فاعلا في زمن البعث ) التمدد – في البدء – في المنطقة الغربية من العراق وتمركز المقاتلون الاجانب في الفلوجة والانبار وتم استقبالهم من بعض عشائر الغربية على انهم ” مجاهدين قدموا لرفع راية الاسلام ومحاربة القوات الامريكية المحتلة . لكن الطبيعة العنفية للخطاب التكفيري باعتباره تيارا تكفيريا ، اقصائيا ، تدميريا ، ونقصد بالتكفير اي انه يكفر كل من يخالف رأيه في الجزيئيات او العموميات ولا يتقبل اي نقد لا للافكار ولا للافعال .
واقصائيا اي انه لايسمح للرأي الاخر بالتعبير عن ذاته ويعتبر نفسه الوحيد الذي يدرك الحقيقة وعلى الاخرين الامتثال لاوامره وفتواه . وتدميريا اي انه ذو عقلية مغلقة لا يستعمل الا مفردات مثل القتل ، الكفار ، الصليبيين ، العملاء ، الحد ، الذبح ، التفجير ، وكل ما من شأنه الغاء الحضارة والعودة الى البداوة ، بل ان اغلبهم غيروا اسماؤهم واختاروا اسماء كانت مؤثرة في زمن الرسالة . وكانهم يتصورون انفسهم اصحاب الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) وماعداهم هم كفار بقتلهم يدخلون الجنة ! وبالرغم من الدعم الذي تلقاه ” خطاب التكفير ” من جماعات دينية وعشائرية وسياسية عراقية ، الا هذا الدعم لم يصمد في وجه النزعة السلطوية لهذا الخطاب وسرعان مااكتشفت هذه القوى الداعمة ، الخطأ الستراتيجى الذي وقعت فيه . اذ ان تنظيم القاعدة لم يستوعب ان تقاسمه الجماعات المسلحة الاخرى نفوذه او ان تشاركة قراره . كما ان تصفيته لمخالفية من الذين مدوا لهم يد المعونه اثار نقمة عشائرهم عليه . الامر الذي ادى الى الاقتتال بين الجماعات المسلحة مثل الجيش الاسلامي او انصار السنة والذين ينتمون الى نفس الخطاب الذي اشرنا اليه كما يتفقون من حيث المنهج على اعتماد العنف وسيلة للوصول الى السلطة او على الاقل تحقيق مكاسب محددة .
اما الاسس الديمقراطية فهي ليست بالاهمية لهم لانها عاجزة على ايصالهم الى دكة الحكم والقراربوجود اغلبية ترفضهم .
وهكذا نرى ان طبيعة ” الارهاب ” لا تلبث ان ترتد على ذاتها ، اذ ان غياب العقل وتحجر الفكر لايمكن ان تبني طريقا يستند الى معايير دينية واخلاقية وانسانية او ان تقبل البداوة باعتبارها نظام حياة يغنيها عن الحضارة .