الرئيسية » مقالات » من شوه ولا يزال يشوه صورة المسلمين في العالم ؟

من شوه ولا يزال يشوه صورة المسلمين في العالم ؟

قطع العالم المتحضر شوطاً بعيداً في تبني العلمانية في بناء العلاقة الجديدة بين الدين والدولة , أي الفصل بين الدين والدولة الذي هو جوهر العلمانية والذي لا يمكن أن يحصل عملياً إلا في ظل نظم ديمقراطية وسيادة الحرية الفردية وحرية الديانة والأديان , حرية أتباع الأديان بممارسة طقوسهم وتقاليدهم الدينية ومع الإساءة لهم أو لحياتهم الخاصة. وفي هذه المجتمعات أقرت الغالبية العظمى من سكان الدول الأوروبية , وكذلك الولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلندا والهند , هذا المبدأ وتمارسه شعوبها عملياً منذ عقود غير قليلة. ولكن هذه الحقيقة لم ولن تمنع من بروز جماعات دينية سلفية متعصبة تميز بين الناس على أساس الدين أو المذهب , كما يمكن أن تظهر قوى أخرى تميز بين الناس على أساس قومي أو اللون أو الجنس . ولكن هذه الجماعات مرفوضة عملياً من الغالبية العظمى من السكان وتحاسب وتعاقب دساتيرها من يمارس ذلك فعلياً ومن يروج للعداء بين أتباع القوميات والأديان والمذاهب …الخ.
هكذا استقبلت الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها من الدول المتحضرة طلبة وشغيلة أجانب في الخمسينيات والستينيات وفي سنوات لاحقة أيضاً واحتضنتهم بغض النظر عن القومية أو الدين أو المذهب , ومن بينهم كان الكثير من المسلمين من دول إسلامية وعربية , بمن فيهم الترك والكُرد والفرس والعرب على سبيل المثال لا الحصر. فهذه الدول وفرت للطلبة والشغيلة والعاملين لديهم ظروفاً طبيعية للدراسة والثقافة والعمل والوظائف وممارسة طقوسهم الدينية وبناء جوامعهم في مدن كثيرة , ولم يحصل أي اعتداء على هؤلاء الناس. وربما صادف البعض منهم مصاعب معينة لا بسبب الدين بل بسبب وجود قوى شوفينية أو عنصرية تكره الأجانب عموماً , وهي ظاهرة موجودة في جميع بلدان العالم وأن اختلفت في شدتها وحدتها , بل نجدها بين الدول العربية حين يستقبلون مواطنين من بلدان عربية أخرى لأغراض العمل بشكل خاص. والعراق والجزائر ودول الخليج وغيرها شاهد صارخ على ذلك.
ألا أن الموقف من العالم العربي بدأ يتغير بشكل واضح بعد الهجوم الإرهابي الذي شنته جماعة فلسطينية ضد اللاعبين الإسرائيليين في ميونخ أثناء الدورة الأولمبية الدولية , ومن ثم محاولات اختطاف الطائرات والبواخر والاغتيالات عبر المقاتلين الفلسطينيين. ولكنها خفت بعد أن كفت تلك القوى عن ممارسة هذه العمليات الإرهابية التي أساءت إلى القضية الفلسطينية كثيراً جداً.
وخلال العقود المنصرمة , أي في فترة الحرب الباردة , لم يتحرك الغرب بشكل مباشر ضد المناهج التعليمية والتثقيف الديني في الدول الإسلامية والعربية وفي عدد منها على نحو خاص , رغم توفر المعلومات الضرورية عن طبيعة تلك المناهج , إذ أنها كانت تخوض حرباً باردة ضد الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية وبالتالي كان يهمه تعبئة حكومات تلك الدول وشعوبها ضد الاتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية , بغض النظر عما كانت تمارسه تلك الحكومات ضد شعوبها. ورغم أنها كانت تعلم أيضاً بأن تلك المدارس كانت تقوم بإرسال أعداد كثيرة من معلمي الدروس الدينية إلى سائر بقاع العالم وحيث يوجد مسلمون أو جوامع ومساجد لكي يمارسوا التثقيف وفق المناهج المقررة في المدارس الدينية في السعودية وفي مدارس دينية وأكاديميات عربية خاضعة لمناهج التعليم الديني السعودية وبتمويل سعودي في بلدان كثيرة في العالم. لقد كانت المناهج تعتمد على المذهب الوهابي الذي دخل في تحالف مع حركة الأخوان المسلمين في مصر , ومن ثم عمم هذا التحالف على صعيد العالم العربي والإسلامي. وبدأت تلك المدارس تخرج أعداداً كبيرة من طلبة المدارس الدينية الذين عبئوا بثقافة وحيدة الجانب وذات سمات محددة وشديدة التاثير على وعي وفعل الفرد الذي يؤمن بها.
وفي فترة الصراع السوفييتي – الأمريكي توجه عدد كبير جداً من خريجي وطلبة تلك المدارس “للجهاد” في أفغانستان ضد الوجود العسكري والسياسي السوفييتي وضد الحكومة الأفغانية التي كانت تجد الدعم والتأييد والحماية من الاتحاد السوفييتي. وساهمت هذه المشاركة تنشيط الحركات الإسلامية السياسية المتطرفة والملتزمة بمبدأ الجهاد وفق التثقيف الديني في المدارس السعودية. وحققت تلك القوى بدعم ثلاث دول هي الولايات المتحدة والمملكة السعودية وباكستان انتصاراً كبيراً حين أمكن فرض الانسحاب على القوات السوفييتية من أفغانستان والتي أسهمت بدورها في إعطاء دفعة جديدة لهذه القوى على صعيد كل بلد إسلامي وعربي وعلى السعيد الدولي.
وفي العام 1979 شهدت إيران انتصار الحركة الشعبية على الشاه ونظامه السياسي واستطاعت قوى الإسلام السياسي بقيادة روح الله الخميني السيطرة وجهة الثورة الشعبية لصالحها وهيمنت على الحكم ومارست سياسة جديدة تدعو إلى تصدير الثورة الإسلامية. فشهد الإسلام السياسي في هذه الفترة انتعاشاً ملموساً تطور مع دخول إيران في حرب شرسة مع النظام العراقي حيث بدأت إيران تبني تنظيمات سياسية إسلامية شيعية في بعض الدول العربية والإسلامية ,ومنها مثلاً حزب الله في لبنان , أو دعم قوى إسلامية سياسية كما في العراق مع حزب الدعوة أو منظمة العمل الإسلامي أو دعم انفصال السيد محمد باقر الحكيم عن حزب الدعوة وتشكيل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. إن توجه قادة الثورة الإيرانية صوب العالم العربي والإسلامي وكذلك العالم الغربي بوجهة جديدة هي تصدير الثورة الإيرانية إلى الدول الإسلامية أو تشكيل تنظيمات خاصة بها فيها خلق أجواء توتر في المنطقة , ثم كانت الحرب العراقية – الإيرانية وما رافقها من تطورات جديدة على قوى الحركات الإسلامية السياسية وخاصة المتطرفة منها.
وجد “المجاهدون” المسلمون تأييداً ودعماً واحتضاناً مستمراً من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية , إضافة إلى تزويدها بالسلاح وبما هو ضروري من أموال وتدريب , بسبب كفاحهم ضد عدوهم الأول الاتحاد السوفييتي , ولم تشعر الإدارة الأمريكية في حينها بالخطر الذي بدا واضحاً للكثير من المتابعين السياسيين , إذ أن العداء للسوفييت افقدهم البصر والبصيرة . لقد رفعوا الغطاء عن القمقم وتحركت معه الروائح النتنة التي غطتها العقود والقرون المنصرمة لتزكم أنوف البشرية بأسرها وتتسبب بكوارث جديدة نعيش بعضها الكثير في هذه الأيام.
لقد انتهت المعركة مع السوفييت بانسحاب السوفييت من أفغانستان وسيطرت المنظمات السياسية الإسلامية على البلاد وبدأت بإقامة نظامها السياسي “الإسلامي” المتخلف والظالم , ومن ثم ترك “المجاهدون” بتنظيم وتنسيق من القاعدة وأسامة بن لادن , الذين انتهت مهمتهم هناك , أفغانستان متوجيهن إلى بلدانهم أو أرسلوا إلى بلدان أخرى للدعاية والتحريض وبناء التنظيمات الإسلامية السياسية الجديدة التي أخذت على عاتقها حملة “راية الجهاد الإسلامي” على صعيد بلدانها والعالم! كما أرسلت جمهرة منهم صوب الدول الأوروبية والولايات المتحدة لتدخل في قيلولة طويلة على حين يطلب منها التحرك لتنفيذ مهمات بعينها بعد أن كانوا قد تدربوا على مهمات كثيرة مستفيدين من وجود السلطة بيد طالبان الذي كان يؤمن بشيخه أسامة بن لادن.
ومع هذه الهجرة المعاكسة بدأت مجازر الإسلاميين في الجزائر والعمليات الانتحارية في مصر وفي أفريقيا ضد السفارات الأمريكية وفي غيرها ولكن بشكل خاص جريمة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك التي نبهت العالم كله إلى أن حرباً جديدة من نوع خاص تبدو في أفق العالم , الحرب بين العالم المتحضر حقاً , وبين العالم المتخلف حقاً الذي يحمل راية الجهاد الإسلامي لبناء الدولة الإسلامية التي مر على غيابها مئات السنين , وهو وهم وحلم زائفين.
إلا أن ما كان يجلب الانتباه هو أن هناك مؤسسات كثيرة وكبيرة كانت ولا تزال تنتج وتعيد إنتاج هؤلاء “المجاهدين” الإسلاميين منتشرة على الأرض السعودية وفي باكستان وفي بعض الدول الأخرى. حيث تتوفر فيها أسباب نجاح هذه العملية الإنتاجية المشوهة , سواء أكان من الناحية الاقتصادية أم الاجتماعية والثقافية أم التعليمية والنظم السياسية الملائمة لذلك. لقد برزت على سطح الأحداث المدارس الدينية السعودية وأساليب ووسائل وطرق ومناهج التعليم الديني الخاصة بهذه المدارس والتي جرى تعميمها من جانب وزارة الثقافة السعودية على جميع المدارس التي تمون من المملكة السعودية حكومة وميسورين , سواء أكانت تلك المدارس في الدول العربية والإسلامية أم الأكاديميات التي أسستها السعودية في الدول الغربية ووضعت في كل سفارة ممثلاً عن جمعية الدعوة الإسلامية المسؤول عن إيصال الكتب الثقافية الدينية التي تصدرها مطابع السعودية وغيرها لتوزيعها على المدارس الدينية والسفارات وغيرها من الجهات. وقد كانت المدارس الباكستانية سباقة في نشر وتوسيع تلك المدارس الدينية بحث ضمت إليها أعداداً غفيرة من الطلبة الأفغان ومن العرب والمسلمين من دول أخرى , خاصة وأن باكستان قد أنتجت قبل ذاك مجموعة من رجال الدين المتعصبين المعروفين على صعيد العالم الإسلامي.
لم يشعر الحكام في العالمين العربي والإسلامي في بداية الأمر بمخاطر هؤلاء “المجاهدين” المتدربين على السلاحين والمثقفين ثقافة تتميز بالعنف وامتلاك الحقيقة المطلقة والحق المطلق والاستعداد لقتل من يطلق عليه بالكفار بأي عدد كان. ولكنهم بدأوا تدريجاً يشكلون خطراً على تلك حكومات بلدانهم وعلى العالم الغربي المتحضر , حيث بدأت عصابات من هؤلاء تقوم بعمليات عسكرية إرهابية في مناطق مختلفة من العالم. وأصبح العالم يواجه بشكل عام خمس مسائل , وهي:
• وجود دولة غنية كانت ولا تزال مستعدة لتمويل مدارس دينية في بلادها وفي بقية بلدان العالم بسخاء كبير وتزويدهم بالمناهج الدينية وبالكتب التثقيفية التي لا تختلف من حيث الجوهر عن الفكر المكتوب في المناهج التعليمية. ولا يهم أن تم ذلك عبر أجهزة الدولة أو عبر مؤسسات دينية أو رجال الدين , إذ أن المهم وصول تلك الثقافة على كل مسلم في العالم.
• وجود دولة كبيرة مسلمة فقيرة ولكنها تمتلك عدداً كبيراً من البشر كانت مستعدة لفتح مدارس دينية تخفف من عبء الدولة الباكستانية وتوفر أموالاً كثيرة لها ولتلك المدارس وتمتص البطالة الكبيرة التي كانت تعاني منها. وكانت هذه المدارس لا تستقبل الطلبة من باكستان وأفغانستان وإيران فحسب , بل ومن بقية بلدان المنطقة والعالم الإسلامي ومن مسلمي الغرب.
• وجود أرضية صالحة لنمو فكر هذه المدارس والمناهج الدينية بسبب البطالة الواسعة والفقر الجائر الذي تعيش تحت وطأته الملايين الكثيرة من البشر, إضافة إلى وجود عوامل سياسية منشطة يمكن أن تلعب دوراً مشجعاً على تقبل الفكر الديني المتخلف الذي يدرس فيها , ومنها الصراع العربي – الفلسطيني والعربي – الإسرائيلي , أو تأييد الغرب لحكومات غير ديمقراطية واستبدادية مما ساعد على بروز اتجاهات مناهضة لسياسات تلك الحكومات أولاً ,ثم بدأت تناهض سياسة الولايات المتحدة ثانياً.
• وجود قوى إسلامية سياسية وقومية يمينية شوفينية في المنطقة ساهمت في تطوير هذه الحركة والتغطية عليها إلى حين نهوضها. وقد نشأ في بعض الأحيان تفاعل وتشابك بين قوى التيار القومي الشوفيني وقوى التيار الإسلامي السياسي المتطرف بشكل خاص , وهو ما نعيشه اليوم في الدول العربية وإزاء الوضع في العراق مثلاً.
• عدم حصول تنوير ديني واجتماعي في الدول العربية والإسلامية وانتشار الجهل والأمية والتخلف الحضاري وتردي الوعي الاجتماعي والسياسي مما يسمح لهذه القوى أن تحرز أرضية صالحة لنشوء وتطور التطرف وقبول الاتجاهات الإرهابية باسم الجهاد في سبيل حاكمية الله وضد الكفر والكفار ومكافحة الظلم ونشر العدل الإسلامي بين …الخ!!
إن ما وقع في التسعينيات والسنوات اللاحقة من القرن الحادي والعشرين قد أدى إلى بروز مخاوف جدية من سلوك القوى الإسلامية السياسية التي شاركت في قتل أكثر من 100000 إنسان في الجزائر والكثير من البشر الأجانب في مصر وفي مناطق أخرى من العالم وتعرضت أوروبا إلى هجمات مماثلة تنفذها تلك القوى الهمجية والفاشية.
والآن يفترض أن نجيب عن السؤال التالي : ما هو الدور الذي لعبته ولا تزال تلعبه تلك المدارس الدينية ومناهجها الخاصة بالتعليم الديني والثقافة الدينية في تلقين وحشو رؤوس أجيال كثيرة متعاقبة المزيد من فكر الكراهية والحقد والعداء المستحكم للآخر في كل من المملكة السعودية وباكستان وأفغانستان وفي بعض الدول الأخرى ؟ كما سنحاول أن نجيب عن السؤال الوارد في عنوان المقال في نهاية الحلقتين الثانية والثالثة.
وللحديث صلة
18/7/2007 كاظم حبيب
المصادر:
1. ميدل ايست مونيتر-MidEast Monitor (عدد يونيو يوليو 2007) دراسة تحليليه للسفير الأميريكي السابق لدى كوستريكا ( كورتين وينزر).
2. غيدو شتاينبرغ: “المذهب الوهابي عقبة أمام الإصلاح في السعودية”. موقع قنطرة 2006.
3. ما هو المذهب الوهابي؟ يجيب الشيخ فيصل مولوي. فتوى رقم : 781 , عنوان الفتوى : الوهابية , تاريخ الفتوى : 6/13/2003.
4. جريدة الوطن السعودية تتابع نشر “التقرير الأمريكي حول المناهج الدينية السعودية 1 و2 و3 . بيت الحرية : المناهج المعدلة ما تزال تحتوي على لغة متعصبة ضد اليهودية والمسيحية وبعض المسلمين.
5. أنت في موقع: يو إس إنفو > منشورات > نشرة واشنطن . 15 ايلول/سبتمبر 2006 . الملخص التنفيذي لتقرير الحرية الدينية لوزارة الخارجية. الولايات المتحدة تنادي بدفع عجلة الحرية الدينية و حرية الضمير في العالم أجمع.
6. وكيل وزارة التربية السعودي علي صالح الخبتي يرد : على من هاجموا مناهجنا أن يعدلوا ويتأملوا وينقدوا العداء الذي رصدناه بشكل علمي في مناهج إسرائيل . جريدة الوطن السعودية.بعد تقرير “بيت الحرية” الأمريكي حول المناهج الدينية في السعودية بعد تقرير “بيت الحرية” الأمريكي حول المناهج الدينية في السعودية
“الوطن” تنشر النص الكامل لتقرير بيت الحرية الأمريكي ـ المقدمة والمحتوى (1)وطن” تنشر النص الكامل لتقرير بيت الحرية الأمريكي ـ المقدمة والمحتوى (1)أمريكي ـ المقدمة والمحتوى (1)