الرئيسية » مقالات » موسوعة الصائغ الثقافية … باب الأعلام حرف تاء ( تموز )… الرابع عشر من تموز 1958 ذاكــرة الــدم

موسوعة الصائغ الثقافية … باب الأعلام حرف تاء ( تموز )… الرابع عشر من تموز 1958 ذاكــرة الــدم

وحين انتهى عبد السلام عارف من قراءة البيان رقم واحد الذي أعلن نهاية الزمن الملكي الكلاسيكي وبداية الزمن الجمهوري السوريالي صدح نشيد الله اكبر فوق كيد المعتدي والله للمظلوم خير مؤيد ! الذي نظمه الشاعر المغمور عبد الله شمس الدين ( مات في الرابعة والخمسين ) سمعنا عبد السلام يصرخ بأحدهم ويتكلم كلمات غير لائقة ! وبعد سويعات تكلم المنولوجست العظيم المغفور له عزيز علي وهنأ العراقيين باليوم العظيم وارتجل شعرا دون تلحين ولم يمض يوم واحد الا وكان المنولوج ملحنا ! اتذكر منه :

بالغش والكذب والدس هوايه اسمعنه كلمة يس

ثخنتوها يزي عاد نو

نو نو نو لهنانه وبس !

ثم نشيد الله واكبر الذي كان منقذا لعارف وللمذيعين من الحرج حين لايجدون شيئا مهما يقال !! ثم تعليق سمج فيه تشف بمصير العائلة المالكة المغدورة وتعبيرات غوغائية سوقية ! ثم سمعنا صوت المنولوجست الجميل المغفور له علي الدبو وهو يقرا منلوجا ملحنا ومحبكا :

يواش يواش

عيني يواش

بالله يواش

حيسألوهم ويكَلولهم

هل القصور

هل الحواش

هل المكاين انترناش

كله من هذا المعاش

لا لا لا منصدكَهم ..

ولم يتخلف الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري عن توريخ هذا اليوم ((ياليلةَ الإثنين ما من ليلةٍ جاءت بصبحكِ من فرادى أو ثُنى ))


سدِّدْ خطاي لكي أقولَ فأحسنا فلقد أتيت بما يجل عن الثَّنا

ولقد دمغتَ بما نظمت َقرائحاً ولقد عقدت بما نثرتَ الألسنا

ما كان عندك كان قولاً فاصلاً يسبي العقولَ فاي قولٍ عندنا

جيشَ العراقِ ولم أزلْ بك مؤمنا وبانك الأمل المرجّى والمنى

وبأن حلمك قد يطول به المدى لكن عزمكض لن يحيقَ به الونى

جيشَ العراق إليك ألف تحيةٍ تستاف كالزهرِ النديِّ وتجتنى

عبد الكريم وفي العراق خصاصةٌ ليدٍ وقد كنتَ الكريمَ المحسنا

فهل كان الفنان المعجزة عزيز علي يدري ان مصيره سيكون بعد تموز على كف عفريت بحيث يكافأ على نضاله وإبداعه ليُتَّهم بالماسونية ويسجن وتصادر أمواله ؟ وهل كان يظن فنان الشعب علي الدبو ان الأموال سوف يسرقها الحكام الجدد فيموت معدماً مهمشا ؟ والجواهري الكبير هل دار بخلده انه بعد تموز سيمضي جل عمره في المنفى ويموت غريبا حريبا ؟ وهؤلاء الذين فرحوا وانا واحد منهم هل كانوا يحدسون اي قضاء أسود حمَّ على الشعب العراقي الفجيع ؟ لينقلنا من الرمضاء الى النار ؟! تارة باسم القومية وتارة باسم الحرية وتارة باسم الدين وتارة باسم القانون ؟؟

كثيرون اولئك الذين كتبوا عما جرى في صبيحة 14 جولاي تموز 1958 ولكن الباحث عن التاريخ ذا المروءة العلمية سوف يرتطم بوجهات نظر مختلفة او مؤتلفة تصبغ ذلك الحدث الكبير بألوانها ! كتاب يقولون إن ماجرى في الرابع عشر من تموز 1958 كان ثورة شعبية ديموقراطية لاغبار عليها ! وكتاب قالوا ان ماحدث كان انقلابا عسكرتاريا لايختلف عن إنقلاب بكر صدقي الفاشل وانقلاب العقداء الخمسة الفاشل وما يميزه عنهما انهما اخفقا من حيث انتصر الثالث ! وكتاب قالوا انها ثورة ثم انحرفت وكتاب قالوا انها انقلاب عسكري ولكن عبد الكريم قاسم استطاع اقناع الناس بانه ثورة ! ولكننا لن نستطيع حصرالاجتهادات والمواقف التي ذكرناها على انها كل ما كتب عن تموز من اجتهادات وما فعلناه كان للمثال فقط ! كتب المؤرخ حنا بطاطو في الجزء الثالث الفصل السادس سردا مهما عن تموز ! وكتب اسماعيل العارف اسرار ثورة 14 تموز وتأسيس الجمهورية ! كما كتب صبحي عبد الحميد اسرار ثورة 14 تموز 1958في العراق والدكتور عبد الخالق حسين ثورة 14 تموز وعبد الكريم قاسم ! وعبد الكريم فرحان في ثورة 14 تموز في العراق و ليث الزبيدي ثورة 14 تموز 1958 للدكتور عقيل الناصري في الثورة وقاسم والأستاذ حامد الحمداني في الثورة وفي قاسم !! اذن ثمة الكثير ممن كتب عن تموز 1958 توفيق السويدي وحسن العلوي وبهاء الدين نوري وزكي خيري ودكتور فاضل حسين وصبيح علي غالب و و رعد عبد الجبار جواد ودكتور هادي حسين عليوي والدكتور بهجت عباس وباقر الصراف وشهاب احمد الفضلي و صباح عبد الستار الجنابي ورياض جاسم محمد فيلي و توما توماس و دكتور مجيد موسى وموسى كاظم نورس و عبد الجبار العمر وصباح الجزائري وحسين حاتم المذكور والمحامي كاظم السعدي و سيفلا الدين عبد الجبار و حميد المطبعي …….. الخ !! باختصار شديد ان نصف قرن تقريبا مر على الحدث كانت كافية بالنسبة لي للوضع والحذف والتحوير فضلا عن الذاكرة الجمعية التي تؤسطر الحدث فتمسك بجوهره لتصبه في قالب المحكي الشفاهي ! لقد عشت 14 تموز 1958 بكل تفاصيلها وكنت الشاهد على الأعاصير والزلازل التي جاءت بها ثم ذهبت ضحيتها ! وقد سنحت لي السوانح لمشافهة اناس ذوي اهمية بحثية غير اعتيادية وينبغي القول انني ممن استفاد من يوم 14 تموز 1958 ولولاه لذهبت رقبتي ضحية تهمة باطلة لفقت ضدي وهي تهمة الإغتيال الفاشلة في نادي الموظفين بالنجف التي طالت المغفور له الدكتور فاضل الجمالي نيسان 1958 ! وكنت مختفيا واخي الصغير ( الدكتور محمد الصائغ فيما بعد ) في بيت الإقطاعي ابو قبيلة ذي الولاء الملكي دون علمه وبيته كائن في عكَد البو اصيبع الضيق جدا المتفرع عن عكَد جبر الياباوي الذي ينقسم قسمين قسم يؤدي الى السوق الكبير وقسم يؤدي الى عكَد ابو اصيبع وغيري كان عليه ان يسبح بآلاء ذلك اليوم وقد فعلت ذلك ايام مراهقتي وشبابي وكهولتي ولكنني اليوم انظر الى ذلك التاريخ بدم بارد متجردا عن الهوى والمؤثرات الشعبية الضاغطة! وملخص القول ان الشعب العراقي كان مهيئا لأي تغيير يطرا على المؤسسة الملكية وامامه نموذج ثورة الشعب الجزائري وانقلاب 22 جولاي 1952 والاطروحات الاعلامية والحزبية التي ناصبت الملكية العداء مثل الاحزاب الوطنية الحزب الشيوعي العراقي وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديموقراطي والحركة الكوردية والحزب العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب والماركسيين المستقلين والقوميين المستقلين وبعض المرجعيات الدينية ! الشارع يغلي والمؤشرات تنذر بزلزال لا يبقي ولا يذر ! كان بمجرد اعلان لخمس دقائق من الاذاعة ما يكفي لازاحة العائلة المالكة عن قصري الزهور والرحاب ! كان من الممكن جدا حدوث هيجان جماهيري مدني يطيح الملكية ويؤسس حكما دستوريا مدنيا ! عندها سيكون العراق خلال سنوات دولة ثرية رخية ذات مؤسسات ! وقد شعر الضباط ان السلطة قد تخرج من ايديهم ليتسنمها المدنيون ! او ان احد الشخصيات السياسية يعتقل نوري السعيد وعبد الإله ويقيمها مملكة دستورية لامكان فيها لمحترفي المكر السياسي فبدأ القلق يساور العسكر بأن الفرصة قد تفلت من ايديهم او ان جهة ما قد تكون الحزب الشيوعي او الوطني الديموقراطي او الاستقلال ستحقق الضربة الأولى وعندها سيخسر العسكريون الرهان ! فابقوا على اتصالات مع قادة هذه الأحزاب لجس نبضها ومعرفة ايقاعات مشروعها للتغيير ! كانت هذه هي الهزيمة الأولى للثورة الشعبية المدنية وكان يمكن ان يحصل الانفجار الجماهيري في اي يوم او ساعة ! وكانت العائلة المالكة تعيش في وهم ان العراقيين لن يؤذوها لأنهم حجازيون ووديعة لديهم وسادة هاشميون ! ولعل هذا الوهم القاتل من بنات افكار الثنائي الأسود نوري السعيد وعبد الاله الوصي ! فالحراسة على القصور تقليدية وليس ثمة اي احساس لدى حراس القصور الملكية ان ثمة من يهددها ! وكانت العائلة الملكية على صلة طيبة بالحراس فغالبا ما يوزع عليهم الغداء الملكي او العشاء او الكساء ! بل ان الجنرال طه بامرني الذي فتك بالعائلة المالكة وارداها مرادي الهلاك كان صديقا شخصيا للعائلة الملكية يأكل معهم بوجود الأميرات ويسبح مع الملك او الوصي ! وكان التنظيم العسكري المناهض قد استغل وجود الثغرات الأمنية وبدأ يخطط ويمهد معتمدا على تلك الثغرات وطمانينة العائلة المالكة الى ولاء عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف حتى انى الملكة نفيسة وهي اكبر الأميرات سنا كانت تخابر كلا منهما وتستقبل تلفونات كل منهما وتنادي عبد الكريم قاسم كرومي وعبد السلام عارف سلومي ! ولكنها مقادير الشعب العراقي تنقله من سلطة سيئة الى سلطة اسوأ! ومن زمن بذيء الى زمن ابذأ ! اذن الضباط الاحرار كانوا يعدون العدة مستفيدين من حالة الهدوء الامني ! ولديهم فكرة مفصلة عن ان الشعب العراقي يمور مثل براكين اللهب ليس بسبب الجوع والبطالة وكراهية التبعية لبريطانيا فقط بل بسبب ثقافة الانقلاب والتغيير التي نجحت في زرعها الاحزاب والجماعات الحالمة بالتغيير او السلطة ! وقد باتت ساعة الصفر بانتظار الفرصة المناسبة ! فليس لدى العسكريين فكرة مناسبة عن الدولة والحكم وسياسة الداخل وسياسة الخارج ولم يكن العسكريون مثقفين فهم لم يطالعوا كتابا او رواية او اي شيء يتصل بالمعرفة سوى ان عبد الكريم قاسم كان يجيد الانجليزية بسبب سفراته المتعددة الى بريطانيا مرة ضمن دورات تدريبية ومرة على سبيل العلاج النفسي من داء الكآبة وذلك ما ذكره الجواهري في مذكراته الجزء الاول ! ليس لديهم فلسفة التغيير ولا خبرة التغيير ولا الروح الديموقراطي الذي ينبغي ان يتسم به الناهد الى التغيير وسياسة الجماهير ! ومن خلل مذكرات الضباط الاعضاء في منظمة الضباط الاحرار ومشافهاتهم ! امكنني القول ان هناك تيارات داخل التنظيم العسكري وهذا امر طبيعي جدا ! ولكن الامر غير الطبيعي ان هناك حساسيات بين القيادات ورغبات مكبوتة او معلنة لعدد من القادة مؤداها ان كل قائد يحرص على ان يكون التنفيذ على يده لكي يملي شروطه فتعين على ذلك وجود ضباط غير مؤمنين بالشعب او الديمواقراطية ولكن وجودهم كان لتعزيز المنهج الشللي فكل يأتي بجماعته وهم خارج السلطة ! حتى ان عبد السلام عارف بذكائه المحدود وفي واحد من الاجتماعات الحاسمة لاختيار قائد للمنظمة وحين شعر ان هناك من هم اقوى منه واجدر وليس باستطاعته ترشيح نفسه ضد اسماء كبيرة وجذابة فضلا عن ان سذاجة عارف كانت مثار السخرية في نوادي الضباط ومجالسهم الخاصة ! فأهتدى عارف وكان صديقا لعبد الكريم قاسم اهتدى الى ان يضغط على اسم قاسم وهو مقبول من لدن الضباط فإذا صار قاسم رئيس المنظمة فان عارف يستطيع عندها انتزاعها من قاسم ( بالعيني واغاتي او برصاصة سعرها ثلاثون فلسا … ) وفي الانتخابات السرية التي حدثت في بيت الجدة الكبير كانت الأنظار تتجه الى غير قاسم فنهض عبد السلام بطريقة بهلوانية وقال مهددا ( ماكو زعيم إلا كريم ) ورغم ان عبد الكريم كان موسوما بالخجل من هكذا احراجات بيد انه لاذ بالصمت علامة رضاه ! وكان الفوز لعبد الكريم قاسم ومن هنا من هذه اللحظة بدأ عارف يخطط للخلاص من قاسم ولكن وجود قاسم كان وقتها طمانة لكل الضباط الاحرار بان المنظمة تسير في الطريق الصحيح فما كان من عارف سوى الانتظار فإذا جاءت سانحة مرور قواته ببغداد تصرف بسرعة البرق كي يختطف الحركة ويمسك بزمام المبادرة ! واغلب المصادر الموثوق بها تزعم ان عارف اخفى عن قاسم ساعة الصفر وكان يقول امامه سنترك الامر لاستخباراتنا وعيوننا فإن وجدنا ثغرة نفذنا منها والا فلسوف نؤدي مهمتانا ونعود الى ثكناتنا ! وقاسم ذكي خلافا لعارف ولديه قدرة على الحدس ولكن شعيره ياكل حنطته ! اي ان خلقه كان يفتح شروخا في حدسه وذكائه ! وتهاوت الدفاعات الملكية بصورة هينة لينة ودخل عارف دار الاذاعة وكتب البيان رقم واحد بمساعدة احد الضباط الذين كانوا بمعيته واذاع البيان ذا الثغرات الكارثية وسازعم زعما لن يتقبله المؤرخون ! وهو ان عبد الكريم قاسم لم يعلم بانقلاب عارف ذلك اليوم الا من خلال الهاتف ودار الإذاعة ! ودخل عبد الكريم قاسم بغداد ظهيرة يوم 14 تموز فوجد ان عارف قد طبع آلافا من صوره وصور عبد الناصر ووزعها على الجماهير ! وكان دخول قاسم الى وزارة الدفاع واستمكانه بصفوة من الضباط الشيوعيين والقوميين مما اوغر الحسد في صدر عارف وجماعته ! فكان يقلد عبد الناصر في كثرة الخطب وارتجالها وكثرة الزيارات واللقاءات بشرائح المجتمع لكنه لم يحقق ما حققه عبد الناصر بل كان موضع تندر بين الضباط والناس مثل يا اهل الناصرية يامن اشتق اسمكم من اسم جمال عبد الناصر ! ويا اهل الرمادي يامن رششتم الرماد في وجه بريطانيا ! ويا اهل البصرة يامسعدة بيتك على الشط منين ما جيتي تغرفين !! واشتراكية خاكية قومية اسلامية ناصرية منكم وإليكم ! وكانت اللياقة ان يذكر رفيقه قاسم زعيم منظمة الضباط الاحرار والأعلى منه رتبة وشريكه في التخطيط للانفراد بالسلطة دون الآخرين ! وليس من الحكمة في شيء تعداد نقاط التقاطع بين القائدين العسكريين قاسم وعارف فهي ازيد من ان تحصر ! وشيء من الارتجال والغوغائية هي الطلب الى الجماهير العراقية الهائجة بدخول القصور الملكية وبيوت الحاكمين للقضاء عليهم فكانت هذه الصرخة التي اطلقها عارف الباب الواسعة الذي دخل منه الموت والفوضى الى حياة العراقيين ! وثمة خبرة لدى بعض المحترفين بالفرهود والفتك واغتصاب الاعراض ثقفوها من عهد طرد العراقيين اليهود المساكين من العراق والسماح للناس بعمل ما يشاؤون حتى قيل ان البعض وكان معدما بات مليونيرا وان البعض اختطف عددا من الشابات اليهوديات وانطلق بهن الى مكان آمن فاغتصبهن هو وجماعته وتخلص من جثثهن بعدها وهذا العهد قريب جدا كان نهاية اربعينات القرن العشرين و14 تموز حدثت نهاية الخمسينات فثمة عشر او تسع سنوات بين الفرهودين والاعتدائين ! وقتلت العائلة المالكة وهي تحمل الخرقة البيضاء مستسلمة وسحل فيما بعد الوصي عبد الاله ونوري السعيد واعتدى بعض الجنود المهووسين جنسيا على ما تبقى من الاميرات وخادماتهن ! حتى ان زوجة الامير عبد الاله وكانت مجروحة لم تسلم من هؤلاء لولم يغار عليها ضابط من عشيرتها فحملها وطببها وكرمها ! لكن كل موجودات القصور الملكية فرهدت واحرقت غبها القصور ! ويكرر التاريخ نفسه مع الاسف دون ان يستفيد مجتمعنا من الدرس حين اعتدت القوات الصدامية على دولة الكويت الشقيقة فقد اطلقت ايادي الغوغاء في القصور الاميرية والخزائن والاسواق والبيوت فقتل من قتل من الكويتيين وهم عرب مسلمون وتم الاعتداء على الشرف وكأن نكستي فرهود اليهود والقصور الملكية بعدها لم تكن الدرس المناسب ! وتكرر المشهد مع الاسف في ما اطلق عليه انتفاضة شعبان آذار 1991 فالفرهود نفسه والخراب هوهو والقتل دون محاكمة وحرق بعض الجثث وسرقة البنوك واتلاف الوثائق …… الخ ! دائما ثمة امتان امة تصدق القول والفعل وامة للفرهود والقتل والاغتصاب !!! وتكرر المشهد بشكل سافر يوم 9 ابريل 2003 وهذه المرة امام الكاميرات فطال الفرهود والاعتداء والحرق القصور الصدامية وما اكثرها حتى قيل ان عددها في كل مدن العراق الف قصر ! ولم تسلم قصور الوزراء والمتعاونين من الغوغاء وزحف الزلزال الغوغائي نحو البنوك والمحلات والاسواق والمتاحف والمكتبات والكاليريات .. وما اشبه الليلة بالبارحة حتى ان احد الغوغاء قال لولم تكن اميركا في العراق لقمنا بتطبير البعثيين من صدام الى اصغر بعثي ولسحلناهم بالحبال ولفعلنا بعوائلهم كيت وكيت ! هذا معناه اننا لن نتعلم وإذا تعلمنا فلن نستفيد مما تعلمناه ! ومعناه ان المسرحية لم تنته بعد ! وبحساب أي تلميذ في الاعدادية هو ما الذي حققه العراق او العراقيون من 14تموز 1958 ؟ وما هي القيم الديموقراطية التي ثقفوها ؟ كم انقلابا دمويا حدث بعدها ؟ وكم نفس بريئة قتلت وكم فتاة نجيبة اغتصبت وكم بيت خرب وامل بدد ؟ كم عدد قتلى العراقيين بعد تموز 1958 ! كم عدد الذين غادروا العراق من غير رجعة ؟ كم عبد الجبار عبد الله قتل وكم مهدي المخزومي طرد وكم عدد المسفرين الى ايران ؟ كم عدد البيوت التي وضع البعث اياديه عليها ؟ بزعم ان اصحابها تبعية ايرانية ؟ هل ثمة اكاديمي يبحث ضحايا العراق بسبب الحركة العسكرية التي قادت العراق الى الخراب المريع بحيث بات مضربا للامثال ؟ سافترض رقما اوليا لضحايا 14 عاشور 1958 وهو مليون عراقي ناشط ولغيري ان يزيد الرقم اذا كانت لديه احصاءات دقيقة ! ولا ادري مسوغ الاحتفال بيوم جاءت من بعده كل المصايب والطلايب وشيء منها المقابر الجماعية وشيء منها حكم الجهلة والسفلة وشيء منها ضياع الشارع العراقي وفساد الراي العام الداخلي ؟ واي مسوغ بحق السماء هو ان نرقص على اكتاف الموت ( عنوان رواية عادل عبد الجبار ) ! ما الذي جنيناه من البيان رقم واحد الذي وعدنا بالجنة واكتشفنا انه وضعنا في جهنم ؟ كيف وعدنا العسكريون الثائرون انهم سوف يحققون الهدء والعدل ويعودون الى ثكناتهم في فترة قياسية فلا الهدوء تحقق ولا العدل تطبق ولا العودة صدقت فظل العسكريون يتوارثوننا من 14 تموز 1958 الى 9 ابريل نيسان 2003 بعد ان تركوا العراق قاعا بلقعا والعراقي شبحا مباحا يدعوا الى الرثاء ! وقد يوافقني على قراءتي هذه كثير من المنصفين لكن احدا لن يوافقني ربما حتى نفسي لو حاولت نزع الهالة عن الشهيد عبد الكريم قاسم وتحميله بعض ما حل بالشعب العراقي في 8 فبروري شباط 1963 و18 جولاي تموز 1968 وما بينهما وما بعدهما ! هل تم في زمن قاسم تشكيل مجلس للضباط الأحرار ؟ هل ثمة ثقافة برلمانية دعا اليها الاعلام القاسمي ؟ هل كانت خطوط حمراء بين السلطات التنفيذية والقضائية والاعلامية في غياب السلطة التشريعية ؟ وحكم البلاد والعباد وسن القوانين على قاعدة الشرعية الثورية ! هل ترك الشهيد عبد الكريم قاسم وكيلا عنه او نائبا له لكي يتسنم القيادة حال تعرضه للاغتيال وكان ذلك احتمالا محسوبا ؟ هل تعامل مع اليساريين بلياقة ام انه قام بسياسة المحاصصة بين القوميين والشيوعيين فحراسه ومرافقوه نصفهم قوميون ونصفهم شيوعيون ! ألم يعتقل عبد الكريم قاسم شيوعيين كبارا في سجونه ولم يطلق سراحهم رغم الشفاعات مما قدم هؤلاء صيدا سمينا للبعثيين صبيحة 8 شباط الاسود فاخرجوا من سجون قاسم وقتلوا صبرا ؟ ألم يخطب عبد الكريم قاسم في كنيسة مار كوركيس ونعت الشيوعيين بالفاشست ؟ ألم يتماهل عبد الكريم قاسم مع استعدادات عبد الوهاب الشواف للانقضاض عليه ودعاه الى بغداد وطيب خاطره وودعه الى باب غرفة الاجتماع ؟ الم نقرا ماكتبه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في مذكراته الجزء الاول حين قام الادباء بزيارة لقاسم بينهم الاساتذة صلاح خالص وعلي جواد الطاهر والجواهري ! وكيف أهان الجواهري وخرج الوفد مغاضبا ؟ والجواهري يتهم قاسم في مذكراته انه كلف من رماه بسهم شج اسفل عينه فهرب عن العراق ؟ الاسئلة كثيرة ومع ذلك فالشيوعيون رغم كل الأذى الذي اصابهم مع قاسم وبسببه وبعده يقدسون قاسم ويحتفلون بيوم 14 تموز 1958 ! انني في هذه القراءة حالم بقدرة المجتمع العراقي وبخاصة مثقفيه المتنورين المستعادة على النقد والتفكيك لكن شيئا من هذا لن يحصل في المستقبل المنظور فما زال الخطاب الاجتماعي العراقي مختطفا من قبل الغوغاء حتى حملة الدكتوراه واليساريون المتعصبون فهم غوغاء ! فنحن العراقيين ضمن الخطاب التقليدي الشعبي أشرف الناس واقواهم واذكاهم واثراهم ! كيف ومن صنع هذا الخطاب الشوفيني ؟ لا ادري !! ولن تجد أحدا يحسن الظن بك او يحاورك برؤية صافية فكما قال الجاهليون للنبي محمد ص حين دعاهم للتغير انهم لايستطيعون ترك عبادة الاصنام لانهم وجدوا آباءهم يعبدونها ! ثمة من تصيبه فوبيا التغيير فيجزع لأن كانبا عراقيا دعا الى اعادة تقويم انقلاب تموز 1958 من اجل رفع الهالة عنه والتحرج من تسميته بالثورة الشعبية ! ان لدينا نحن العراقيين إرثا من السومريين والبابليين في عبادة الشخصية فجلجامش السومري العابث نصفه اله ونصفه انسان ! ونبوخذ نصر البابلي الاحمق كان يعامل على انه نبي رغم انه مجنون وسفاك غير اعتيادي وحمورابي نقدسه لأنه صنع شريعة ربما تكون الاولى في تاريخيا ولكننا نزهد بقراءة شريعته او مسلته او قانونه فهو قانون اسود ينتصر للاقطاع ورجال الدين والاثرياء والرجال ويحتقد الفلاحين والعبيد والنساء والاطفال وكل من العبد او الفلاح او المراة يجلسون وفق قانون حمورابي على الخازوق ان لم يرض عنهم سيدهم وقد اسميت هذه الشريعة بعد ان درستها شريعة الخازوق ! ان المرحوم علي الوردي لم يقل بسوى ازدواج الشخصية العراقية ومع ذلك حورب في رزقه وامنه وعلمه وعراقيته فكيف لو كان حيا ووضع كتابا جديدا يرصد فيه الأمراض الاجتماعية المضافة مثل التشارف فكل منا يرى نفسه اشرف من غيره فهو اذن الأحق ومثل الإلغاء فنحن مفطورون على الالغاء نلغي الماضي نلغي الخصم نلغي دور الاصغر او الاكبر !! والشمولية فكل منا يرى نفسه خبيرا بالسياسة والقانون والطب والتربية والزراعة نظرية بتاع كلو ! ماذا سيفعل به الشارع لو كان بيننا اليوم وينتج دراسات اكلينيكية لمجتمعنا العليل ! ولقد اخبرني الصديق المسرحي والكاتب الاستاذ رياض سبتي عن شخصية مضحكة تزعم انها تفهم في المسرح والثقافة وتشتم المثقفين قال لي سالني هذا المخلوق في ايام رفحاء استاذ رياض ما معنى الليبرالية واعطاني ورقة وقلما فكتبت له معناها وذات يوم مررت على خيمته فوجدته يضع ورقتي على باب خيمته ليقول للناس انني مثقف وافهم معنى الليبرالية ! وهذا الشخص نفسه وهو يشن حملات على اعدائه المفكرين ويقول مثلا للاستاذ القاص كاظم الشاهري راح اطكَـ الصائغ بمقالة ! وهذا الشخص نفسه اخبرني عنه القاص الاستاذ زعيم الطائي فقال لي انه لايعرف الكتابة فيستعين بزوجة صديق على شاكلته لكي تكتب له المقالات التي يطكَني بها ! هي هجمة الغوغاء كانت ومازالت وستبقى فلا هم يعلمون ولايدعون غيرهم يعلمهم ! يخشون تغيير القناعات ويرونها تقلبا وحربائية ! فمن ذا الذي سيفكك يوم 14 تموز 1958 ولا يعطيه دورا لم يكنه ولا هالة لايستحقها ليس من اجل التغيير وحسب بل من اجل ان يخطوا مجتمعنا خطوات نحو النمو الحضاري فيتخلص من سلطة الخطاب التقليدي من اجل اختزال حمامات الدم وعدد الأرامل والثكالى والايتام والمغيبين والمغتربين والجياع والمهمشين والبنوك المسروقة والمناصب المباعة والتكنوقراط الضائع والفساد الخلقي المستشري والمحاصصة الشيطانية ! فالبعرة على ضآلته علامة لاتخطيء على وجود بعير ! وأيةُ جهود قلت او كثرت تدعو الى رفع الهالات عن الناس والتواريخ والمعتقدات فهي جهود تصب في تنمية الشعب العراقي ووعيه الديموقراطي وتحد من دور الغوغاء التاريخي ! ان الخلل كما يقول ابن خلدون وعلي الوردي وقيس النوري ومحمد عابد الجابري ليس وقفا على الحاكم بل المحكوم يسهم في الخلل لانه ينتج الحاكم بطريقة وبأخرى ! وانتظر حقا حقا ان يقنعني كاتب معترض بخطل خطابي هذا باسلوب علمي ومحبة حريصة وبنفس متفتحة وحين اعتقده سوف اغير خطابي وانحني له فما خلقنا إلا لكي نتحاور ديموقراطيا ونتبادل الخبرات دون استعلاء او تشكيك او سوء ظن ورحم الله الشاعر القائل في مثل موقفي :

ياأخي لاتملْ بوجهك عني ما أنا فحمة ٌ ولا أنت فرقد


هوامش واستفاضات
اولا : ورد في معرض قولي : وقد سنحت لي السوانح لمشافهة اناس ذوي اهمية بحثية غير اعتيادي وللمثال فخالي الاستاذ عبد العالي زيارة البو اصيبع وكان موظفا رفيعا ومؤتمن عبد الكريم قاسم لارتباطهما بصداقة قديمة مغرقة في القدم ! وكان يتكتم امامنا على علاقته بعبد الكريم كجزء من ثقته بنفسه وامانته ! ولكن خالي وبعد استشهاد قاسم اجابني على كثير من اسئلتي الفضولية .

ثانيا : في 14 تموز 1986 وبرجاء مني هيأ لي الصديق الاستاذ ثابت عباس الشوك وهو شقيق الشخصية المعروفة عبود الشوك محافظ بغداد الأسبق هيا لي لقاء انا والصديق المطرب ياس السيد خضر القزويني في بيت المهندس جلال كامل مع مرافقي عبد الكريم قاسم الوحيدين قاسم الجنابي وحمودي الجنابي إن لم اخطيء في اسم المرافق الثاني ! كان قاسم نحيفا وحمودي بدينا وسقيا للذاكرة وقد استمر اللقاء من الثامنة مساء وحتى السابعة صباحا ودونت اجاباتهما لكنهما اشترطا علي وقتها ان لا انشر اقوالهما الابعد انجلاء كابوس صدام حسين .

ثالثا : سأتحدث عن يوم لم يك في الحسبان بالنسبة لي ولأخي الصغير محمد ووالدتي الزرقاء وصديقتها زوجة الإقطاعي ام قبيلة ! أعني صبيحة 14 تموز 1958 !! .. إستيقظت فزِعا وجسمي يتصبب عرقاً اثر حلم كابوسي مروع كثيرا ما رأيته في مناماتي وصورته هكذا : يداي وقدماي مشلولتان بلا حراك وطائر كبير يطم عين يشبه بوما عملاقاً الشمس يهبط جهتي ويرفعني بمخالبه الطويلة ( طول المخلب تقريبا خمسة اقدام ) ورفعني الى السماء وكنت هلعا استغيث ولا من مغيث ! اكتشفت ان تحتي بحر يغلي وفيه عظام بشرية فإذا سقطت فيه فياويلي ثم ياويلي وبات همي ان ينقذني الطائر فهو لم يعد يخيفني ………… غسلت وجهي ولعبت شيئا من السويديات ! توقفت فجأة سمعت هيصة في زقاق البو اصيبع ! ناس يركضون فرحين ! آخرون يركضون فزعين ! وتناهى الي صوت الراديو منبعثا للمرة الأولى من طابق لبيت كريم ابو اصيبع يواجه مستوى طابقنا الرابع ! ما الذي حصل ؟ نفسي انقبضت قليلا ثم احسست ان عبءا ازيح عن صدري ! ايقظت اخي الصغير حميد فانا لا اصدق شيئا حتى يصدقه قبلي حبيبي محمد ! فتح عينيه الصغيرتين ثم عوص احداهما وقال متذمرا : ولك نعسان خليني نايم ! فتركته لأنني احبه وأخشاه ايضا لأنني لا اقدر على زعله ! ويذلني حتى يصالحني ! اصخت سمعي للراديو فسمعت مذيعا يحاكي المذيع المصري احمد سعيد من اذاعة صوت العرب ! المذيع عراقي يؤكد القضاء على النظام الملكي الفاسد وقيام الجمهورية العراقية ! فتوهمت انها اذاعة العراق الحر من يرفان او صوت العراق من مصر ! وكثيرا ما يستفز المذيعون المعارضون العهد الملكي بسيناريوهات فيها بيانات وفيها اسماء ضباط وهميون ! ولكن أثمة علاقة بين هذه البيانات والحركة غير الطبيعية في الزقاق ! صعدت ام قبيلة فوجدتني مرتبكا وعلمت انها هي الأخرى تستشعرا تم شيئا ما غيرطبيعي يحدث هذا الصباح ! استيقظ اخي محمد وتناولنا الفطور معا بيضا وحليبا وقيمرا وخبزا وشيء من الشاي ! للمرة الأولى اجدني غير ميال للطعام ولم تجد معي توسلات ام قبيلة ولابوسات اخي محمد ! بدأ قلبي يرسل اليَّ الرسالة تلو الأخرى ان شيئا ما يحدث وان الفرج ليس قريبا فقط بل هو قاب قوسين أو ادنى ! قلت لأم قبيلة اذهبي الى بيت ابو اصيبع واستكشفي حقيقة ما يجري في النجف فنهرتني وقالت هذا لا يجوز ميصير أزور الجيران الصبحية ! سننتظر امك فهذا وقت مجيئها ! كنت اذرع البيت جيئة وذهابا كأنني ممسوس ! تأخرت الوالدة هانحن نقترب من الظهيرة حين دخلت علينا الزرقاء شاحبة باكية ! مباشرة قالت لنا وهي تخمش خديها : أويلي قتلوا الملك الشبيب فيصل واجهشت بالبكاء ! فاحترمنا بكاءها ! مكتوب في بشارة الاسلام ان صاحب الزمان يظهر عندما يقتل الملك الصبي ! وتنبهنا الى انها اخفت تكملة الجملة وهي على ظهر الكوفة وحين نبهتها صرخت بوجهي قائلة وشنو الفرق ؟؟ ثم التفت اليَّ وقالت عبد الاله سمعت اسم صديقك المحامي شنيشل صار وزير ! وتعني المحامي صديق شنشل ! عندها عرفت ان ثورة او انقلابا قد حدث في العراق وكانت الجبهة الوطنية قد توقعت محق الملكية في أدبياتها وان علينا ان نستعد لتغييرات كبرى في هيكل السلطة ! واتكأت الزرقاء على الحائط ومددت رجليها وهي لا تدري هل تفرح لأن الله سيفرج عن ولدها عبد الإله الهارب من الموت أم ان عليها ان تحزن لأن الملك الشبيب قتل ! وفجأة نهضتُ وقررت ان اغادر البيت دون ان اعلم الى اين ولكن حتما سألتقي رفاقي واصدقائي في ساحة الميدان التاريحية التي يحدها مدخل سوق الكبير والبريد المحلي شمالا وشارع الكوفة وستوديو يوسف الفلوجي العالي ( غير المصور نوري الفلوجي ) والطاق (المدخل المتكامل وهو ماتبقى من سور النجف ) جنوبا وبنك الرافدين ومقهى ابن مذبوب غربا ومدرسة الغري الأهلية ومقهى ابن عبد ننه والمقبرة شرقا ! منعتني الوالدة بلهجة حاسمة اما الرائعة أم قبيلة زوجة الاقطاعي وصديقة والدتي فقد قررت الذهاب الى زوجها الشيخ على جناح السرعة لكي تجلبه الى النجف قبل ان يهجم الفلاحون عليه ويقتلوه واحتضنتني ام قبيلة بكل حنانها وذعرها المفاجيء وقالت لي وليدي عبودي دين بدين حتى دمعة العين ففهمت نيتها وقلت لها سيكون زوجك الشيخ ابو قبيلة بحماية الله وحمايتي ! ثم زارت الزرقاء بيت ابو اصيبع وهم اقاربها ومحبوها وقدموا لها التهاني بالنظام الجمهوري وهمسوا لها : يمكن ابنك عبد الإله سيكون وزيرا المهم ان لاينسانا نحن خواله … إ. هــ

الفصل الرابع ( فرزة ) من مذكرات الصائغ انظر كَوكَل : عودة الطيور المهاجرة



رابعا : ذهب وفد من اعيان الشيعة لمرافقة الملك فيصل الاول ( 1883 – 1933 ) من مقر اقامته في الحجاز الى مقر عرشه في العراق وكان الرهان الشعبي كبيرا على هذا الملك المظلوم الذي اسقطت مملكته في سوريا بأيد اجنبية وكان المرجع الديني الأكبر السيد ابو الحسن الموسوي قد اعترض على فكرة استيراد ملك من الحجاز بمسوغات انه هاشمي وطالب العراقيين بأن يكون الملك هاشميا كفوءا وعراقيا عادلاً !! بيد انه لم يعترض على سفره ! فضلا عن معارضة الزعماء الكورد لاختيار الشريف فيصل ! الى جانب معارضة فيليبي لفكرة تنصيب ملك دون انتخابات واستبيانات على الضد من راي السير برسي كوكس الذي وصل بغداد في 20 اكتوبر 1920 ووقف الى جانب فكرة تنصيب الشريف فيصل مما الجم المعترضين بما فيهم فيليبي وما إن وصل الملك فيصل الى بغداد محاطا بالزعماء الشيعة حتى غير اصدقاءه ومستشاريه وكان اكثرهم معاديا لأهالي منطقة الفرات الاوسط ( الشيعة ) ولعل ابرز مستشاري الملك في العلوم التربوية والاجتماعية هو الخبير التركي ساطع الحصري الذي دشن مرحلة من الغلو الطائفي ! وفي قصر القشلة الذي مازال ماثلا حتى اليوم في ميدان القشلة ببغداد قريبا من ساحة الميدان وسوق السراي وشارع المتنبي ! القصر الذي كان مقراً للحاكم العثماني ! في هذا القصر وفي ساحته الامامية وضع كرسي للعرش صنعه نجار من الكاظمية وأهداه بنفسه للملك فيصل الاول تعبيرا عن حب اهل الكاظمية والشيعة بعامة للملك فيصل ! جلس فيصل على كرسي العرش بملابس الفارس البريطاني البيضاء والى جانبه المندوب البريطاني ونقباء بغداد وزعماء العراق فكان اول جملة نطق بها هي الملك الجديد ومؤسس الملكية هي : ( العراق دولة سنية ! ) وهكذا بدأ الشرخ الاول بين المملكة الهاشمية وبين الشيعة الذين قالت عنهم المسز بيل انهم دوخوا التاج البريطاني خلال الاعوام 1914 – 1918 – 1920 !

خامسا : غذ السياسيون الطائفيون في سياسة الغاء الشيعة واعتبارهم تبعية فارسية وتم تهجير الكثير من علماء الدين والمراجع الشيعية الى ايران او الهند ! في الوقت الذي تم فيه استيزار عبد المحسن السعدون عضو مجلس المبعوثان التركي والذي لايجيد العربية بعد ايام من وصوله بغداد ( حين انتحر وجدت وصيته لولده علي مكتوبة باللغة التركية !! ) وتوظيف ساطع الحصري التركي بل ان نوري السعيد يتحدر من اصول تركية ولا ندري لماذا تدلل التبعية التركية وتذلل التبعية الفارسة ! كما تم استيراد أئمة لمساجد العراق من الهند والحجاز وتركيا ذوي ميول وهابية تكفيرية !! فضلا عن خروقات اخرى يطول ذكرها الأمر الذي نسف كثيرا من الجسور بين الطائفة الشيعية والبيت الهاشمي ! ثم برزت اسماء طائفية ذات طبيعة عدوانية فضربت الدبابات مدن النجف وكربلاء والكاظمية !! بل ان الطائرات حرثت بيوت الفلاحين والشيوخ في الفرات الاوسط وكان ان نظمت الاطراف السياسية المغالية ادوارها ابتداء من ساطع الحصري الى عبد المحسن السعدون الى رشيد عالي الكَيلاني الى مولود مخلص الى نوري السعيد الى الى الى !.

سادسا : وفي وقتها شعر المغفور له فيصل الاول بالندم على تصريحه الذي فتح الضوء الاخضر للساسة الطائفيين كي يعيثوا بالعباد والبلاد كما كانت تفعل الدولة العثمانية البائدة ! فكتب المذكرة تلو المذكرة ولا من مجيب او سامع فقد غرق العراق بطوفان طائفي مروع !!الجيش والداخلية والخارجية وبقية الوزارات المهمة محرمة تماما على الطائفة الشيعية التي تصل نسبتها 70 % من سكان العراق !! بينا يصر الشيعة على انهم 75 % من السكان !!. ثم جاءت مرحلة الأغتيالات السياسية فقتل رستم حيدر وجعفر العسكري ووضع السم لبعض الزعماء القبليين والدينيين والسياسيين ! .

سابعا : وحين وجد الكارتل الطائفي ان المغفور له الملك فيصل الاول اصبح جادا في الغاء الأجندة الطائفية وبخاصة حين تزوج سرا من امرأة شيعية من البو اذبحك بقرية السادة في الحلة ! وتقبل دعوات كثيرة في بيرمانه والعذار والنجف ! بل إنه كلف السيد حسين حيدر الحلي لكي يتسلم الاراضي التي كان يمتلكها زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب وهي بين الكفل وبابل فجمع السيد حسين جناسي العشيرة ومن ليس لديه جنسية حصل على ختم المختار بانه عراقي ! كما انه اصدر قائمة بخطه وتوقيعه فيها اسم اربعون شيعيا منعوا من الدخول في الكلية العسكرية وأمر بقبولهم وفق ارادة ملكية فيها توبيخ للجهة التي رفضتهم !! هذه وتصرفات غيرها نهد بها الملك فيصل الاول رحمه الله فتقرر تصفيته بسم الزرنيخ الذي وضعته له صديقته الهندية المجهولة في فنجان القهوة بمشفاه السويري !!

ثامنا : وفي العصر البعثي حينما طرح احد ضيوف برنامج ( شيء من التاريخ ) الذي يعده الدكتور محمد مظفر الأدهمي اقتراحا مؤداه ان تحلل عظام فيصل الأول للتأكد من انه مات بالزرنيخ ! صدر أمر من وزير الثقافة بتعليق البرنامج استنادا الى تقرير من وزير الأوقاف العراقي !! المهم صدر بيان مقتضب من طبيب الملك الشخصي أعلن فيه : ان الملك مات نتيجة انفجار الزائدة الدودية ثم تم التخلص من صديقته الهندية بتجريعها الزرنيخ ذاته فيا لحكمة السماء !

تاسعا : وجاء غازي الاول ( 1912 – 1939 ) الذي تولى سنة 1933 العرش وكالة عن ابيه في رحلته الاخيرة الى المشفى وحدثت وقتها مذبحة الآثوريين ! جاء فتى رياضيا كثير الحماسة طيب القلب مشغوفا بصداقة الفقراء ! وسمح له بكثير من التصرفات مادام هو يجهل الكثير عن ماكنة الحكومة وكان نوري السعيد يغريه بالشابات الشقراوات بحيث خلق جدارا عازلا بينه وبين زوجته عالية شقيقة الوصي عبد الإله حين سرب اليها بعض خدم القصر بإيعاز من نوري السعيد ان زوجها غازي يخونها كل يوم عدة مرات !! ثم اغراه بالخمرة ( واشياء اخرى نترفع عن ذكرها !! ) فانصرف الملك كليا لمباهج الجسد ونسي اصدقاءه الفقراء وشعبه الذ ي يترنح تحت ضربات الطائفية والعوز والجهل ! فإذا نبهـه مرافقه الأقدم الى ضرورة الالتفات الى مهماته كملك فقد وجد المرافق المسكين مقتولا في غرفة نومه بقصر الزهور ! ولم يفهم غازي الاول الرسالة من قتل مرافقه الاقدم !! فانتبه الى مهماته كملك وبدأ يجتمع بعينات من المجتمع العراقي ويطلع على انتهاكات حكومية مروعة فضلا عن عقابيل مذابح الآثوريين وهكذا قرر الكارتل الطائفي التخلص من الملك الشاب بأية طريقة وحين وصلت سيارة المارسيدس السريعة الى القصر هدية من ادولف هتلر قدحت فكرة التخلص منه بالسيارة نفسها التي احبها غازي الاول حبا طفوليا لأنها كانت مصممة تصميما شبابيا خصيصا له بحيث لم ينتظر غازي تركيب السيارة وهي في صناديق الى الصباح لكي يركبها المعندس الالماني المرافق لها فامض الليل كله في شد السيارة بحيث حين جاء المهندس الالماني ووجد السيارة مشدودة بشكل كامل تمازح مع الملك غازي قائلا : جلالة الملك لو انك تعمل في مصانع السيارات عندنا بخبرتك هذه فسوف نعطيك ضعف راتب الملك الذي تتسلمه ! المهم يافرحة ما تمت ! فقتل الملك الوطني الشاب بطريقة ساذجة لم يصدقها البلهاء من الناس ! وكان ممن دار ت حولهم الشبهات زوجته الملكة عالية ام ولده فيصل التي توفيت بالسرطان سنة 1950 وأمه الملكة خزيمة زوجة فيصل الاول ! ! والامير عبدالإله شقيق عالية بتوجيه من نوري السعيد ! .

عاشرا : جاء دور الكارتل السياسي في استغلال عبد الإله بن علي ( 1913 – 1958 ) شقيق عالية وخال الملك الطفل فيصل الثاني وكان عبد الإله الدجاجة التي تبيض ذهبا للكارتل ! فقد وعده نوري السعيد بالتخلص من فيصل الثاني ( 1935 – 1958 ) لأنه مصاب ( كذا ) بنوبات ربو حادة وكآبة مزمنة تجعله يهلوس ! ذلك ما سيتضمنه التقرير الطبي الذي يقرر عدم اهلية فيصل الثاني للجلوس على العرش ! بعدها سيتحقق حلم عبد الإله القديم وهو ان يكون ملكا ! وهكذا اضحى العراق مزرعة قريش فكل القرارات يوقع عليها الوصي عبد الإله بينا تحجب عن الملك ! وحين توج فيصل ملكا كان عبد الإله قد اصيب بحالة اكتئاب فعالة فحرمته من الشهية للطعام والكلام وحلاقة الذقن ومقابلة الناس اي اصيب بانهيار كامل دفعه الى الهذيان ! وزعل على الكارتل الطائفي لأنه لم يصدق معه ! فهاهو فيصل يجلس على العرش بينما لم تعد لعبد الإله وظيفة ما سوى السكر والعربدة والفضائح ! فتفتق ذهن نوري السعيد عن فكرة شيطانية وهي ان يضع غرفة عبدالاله مقابلة لغرفة الملك بحيث يرى كل من يدخل الى غرفة الملك وكل من يدخلها ! وزرع في روع الملك الصبي ان هناك مؤامرة للقضاء على العائلة الهاشمية ستبدأ بالتفريق بين عبدالإله وابن اخته فيصل ولسوف يتم التخلص من خاله بطريقة او بأخرى ولذلك اوصي فيصل ان لايوقع على اي مرسوم ملكي دون علم عبد الإله وان عليه ان يفهم الجميع ان عبد الإله هو الملك الحقيقي للعراق لكي تفشل المؤامرة ! وهكذا شاعت بين الناس عبارة الملك فيصل الثاني ( ما اكَدر اوقع حتى اشوف راي خالو ) يقول المؤرخ والاعلامي المعروف الاستاذ فيصل حسون : قارن شهادات في هوامش التاريخ ص 259 وعندما كنا نطرح اسئلتنا على الملك فيصل الثاني ولم تزد في مجملها عن احواله وهل سيحضر خاله الامير عبد الاله الى لندن خلال فصل الصيف ام يعود جلالته الى بغداد لتمضية الاجازة المدرسية فيها فإن اجوبته كانت مترددة وقوله كثيرا لا اعلم ولم يبلغني شيء وكانت اجاباته تدلل على انه مسلوب الارادة وانه لايتخذ قرارا او موقفا الا اذا بادر خاله الى اتخاذه ! .

احد عشر : وغرق العراق في معاهدات جائرة مع بريطانيا وفي الصميم معاهدة بورت سميث ! وتم اعدام خيرة مناضلي الشعب العراقي من عسكريين ومدنيين ! فخرجت المظاهرات الغاضبة ووقعت البيانات الرافضة ومن قبل حدثت مجازر النجف وكاورباغي وسجن الكوت ونكَرة سلمان الفارسي ! ووقف علماء الدين وبخاصة الإمام محمد الحسين كاشف الغطاء وشيوخ العشائر وزعماء الأحزاب الوطنية وفي المقدمة الحزب الشيوعي وحزب الاستقلال والحزب الوطني الديموقراطي ! مواقف شجاعة ضد التدهور في الحكومات العراقية بحيث سادت المحسوبية والرشوة والطائفية في تقاليد المملكة فبات الشارع خارج قبضة الحكومة ! كل ذلك وفيصل الثاني المسكين منشغل بطقوس خطبته من الأميرة التركية فاضيلة ابنة الأمير محمد علي بن محمد وامها الاميرة خانزادة حفيدة السلطان العثماني عبد المجيد ! .

اثنى عشر : وقتل الملك في اليوم ذاته الذي كان مقررا فيه سفره الى تركيا وحقائب سفره الى تركيا كانت مركونة في مدخل القصر! وقد تناهبها القتلة واللصوص كما تناهبوا كل مفردات القصور الملكية وبيوت نوري السعيد وتوفيق السويدي وفاضل الجمالي والوزراء والزعماء المحسوبين على الملكية فلم يتركوا حتى العلب الفارغة !! بينا كان طياره قد ملأ طائرته بالوقود الكافي واختبر كفاءتها في ورشة المطار بانتظار الملك وخاله وعدد من العائلة الهاشمية بمعية نوري السعيد العجوز رجل المملكة الأول ! !