الرئيسية » الملف الشهري » عقيل الناصري: القيادة السياسية لثورة تموز أخطات في فهم آلية الصراع و ابعاده

عقيل الناصري: القيادة السياسية لثورة تموز أخطات في فهم آلية الصراع و ابعاده

د. عقيل الناصري/حاوره سعدون هليل

يحتفل الشعب العراقي بذكرى ثورة 14 تموز المجيدة سنة بعد اخرى مجسداً في ذاكرته صورة صبيحة يومها الاول الاغر . لقد جاءت ثورة تموز عبر نضال مرير، قدم الشعب فيه بسخاء وبنكران ذات التضحيات الجسام، ان الثورة كانت – حقاً – انتصاراً تاريخياً كبيراً للشعب العراقي بعربه وكورده، انتظمت معها الجماهير الغفيرة ومنظماتها الديمقراطية … عشية الثورة التي كان حزبنا الشيوعي العراقي مع سائر حلفائه في “جبهة الاتحاد الوطني” قد اعلن حالة الانذار في صفوف منظماته ورفاقه، فعممت قيادته في 12 تموز بيانا اختتمته سرياً… بالقول “اننا نحن الشيوعيين العراقيين الذين صعد قادتنا باقدام ثابتة على سلالم مشانق المستعمرين وخر صريعاً برصاص البغي والجلادين مئات من خيرة اعضاء حزبنا وقضى الاف منهم زهرة شبابهم وربيع اعمارهم في سجون الاستعمار ومنافيه… اننا نحن الشيوعيين كان لنا شرف الدعوة الى الجمهورية وشرف النضال مع سائر القوى الوطنية وعلى رأسها الجماهير الشعبية بتصميم ونكران ذات من اجل الاهداف التي قامت من اجل تحقيقها جمهوريتنا العراقية ومن اجل اجتثات بقايا الاستعمار وتطهير ارض الوطن الحبيب من عملائه وفي سبيل حياة حرة وديمقراطية كريمة لجماهير العراق…” ولقد شهد ضابط وطني من حركة الضباط الاحرار بذلك اذ قال: “على الشيوعيين ان يكونوا في المقدمة لحماية الثورة”. وفي هذه الذكرى الجليلة… ذكرى ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة. حاورنا الباحث الدكتور عقيل الناصري

• ظهرت الكثير من الكتب عن ثورة 14 تموز 1958، وهذه حالة صحية تصب في صالح الكتابة التأريخية في العراق، ولكن القارئ في العراق لم يزل يحّن الى دراسة متكاملة محايدة لما جرى من احداث الثورة، ماهو رأي الاستاذ الناصري في تقييم ذلك؟
– في البدء شكرا لكم لاتاحتكم الفرصة لي للتكلم عن اهم حدث حضاري شهده عراق القرن العشرين.. وهو ثورة فرنسية كبرى في المنطقة بكل ابعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.. ان حدثاً بهذا الحجم وبتلك السعة من التأثير سواء كان داخلياً او خارجياً (اقليمياً ودولياً) سوف يثير الكثير من الاشكاليات الفكرية وستختلف ازاء ه الرؤى الفلسفية خاصة اذا علمنا انه لايوجد تأريخ واحد.. بل تواريخ متعددة.. وهذا يتوقف على الفلسفة الحياتية لتلك الروئ وتقاربها من مصالحها (المادية وغير المادية).. ومدى التداخل بين العام والخاص. الموضوعي بالذاتي، الواقعي باللاواقعي..الخ، وتأسيساً على ذلك سنرى الرؤيا مختلفة والآراء عن ثورة 14 تموز متناقضة الى درجة بعيدة.. لذا سيطرح كل كاتب رؤيته من خلال التفاعل الجدي بين هذه المخارج الفكرية ووفقا لمنهجه في البحث.. بصورة اكيدة سوف لاتتطابق رؤية الفلاح المنتفع من الثورة مع رؤية الاقطاعي المتضرر منها.. وعلى هذا المنوال يمكن قياس الآراء الاخرى لمختلف الفئات والطبقات الاجتماعية. التكامل والحيادية صفات مثالية لايمكن توافرها في البحث العلمي وخاصة في القضايا الاجتماعية.. لانه مهما كان الفرد الباحث متجردا لابد لذاته المعرفية من ان تفرض نفسها وان اختلفت نسبة تحققها.. كما ان ادوات البحث المنهجي ومقولاته تختلف من باحث الى اخر..ومن ثم سنصل الى رؤى مختلفة وهذا جانب ايجابي في حد ذاته يخدم كشف الحقائق اكثر فأكثر.
• ان اوسع الكتب ولكن ليس اهمها عن ثورة تموز وعهدها، كان كتاب المرحوم خليل ابراهيم حسين الموسوم (موسوعة 14 تموز) في اجزائها السبعة، ولكن الكثير من النقد وجه لهذا الكتاب، كيف تقيمون هذا الكتاب اليوم؟
ـ استكمالاً للسؤال السابق اود القول ان هنالك دراسات وكتابات عديدة عن ثورة 14 تموز وكذلك فقد نشرت العديد من المذكرات للضباط الاحرار.. كما رفع الحظر عن الكثير من الوثائق الرسمية وشبه الرسمية التي تتناول الثورة نفسها وقيادتها في تلك الحقبة الزمنية النيرة.. كما بدأت في السنتين الاخيرتين تظهر آراء تكشف عن موقف الجماهير عن الاحداث ومكونات حركتها وقبل تقييم (الموسوعة) يجب الاخذ بنظر الاعتبار جملة من النقاط العامة منها:-
1- الموقف اللاموضوعي للمؤلف عن الزعيم قاسم نفسه وبعض القوى السياسية اليسارية عامة والحزب الشيوعي خاصة.. مما افقد هذه الموسوعة الكثير من عدم الصدق في الطرح.
2- ان الموسوعة وماتضمنته من معلومات واسعة كانت تعوزها الدقة من جانب والتسلسل المنطقي من جانب اخر.
3- كانت تستهدف بلورة رأي محجم المضمون غيرمتكامل الابعاد لأهم حدث سياسي وحضاري في عراق القرن العشرين ومن ثم فرض رؤية سياسية للتيار القومي، بل والاكثر لفصيل عن هذه الفصائل دون غيرها،.
4- كتبت (الموسوعة) وهي متأثرة بجغرافية القمع الفكري ذي اللون الواحد والوتر الواحد، مما افقدها صدق الوقائع التي لم تعكس موقف الالوان الاجتماعية التي اسهمت بالحديث من مختلف اطيافها الفلسفية والطبقية والاثنية.
5- يجب التفريق في (الموسوعة) بين مضامين الاحداث واشكال عرضها وبين تحليل المؤلف للحدث.. كما انها غالباً ماتكون مقطوعة عن سياقها الزمني او الحدثي ناهيك عن المصادر وغيابها وان وجدت فهي قليلة جدا، فاستخدامها كان ناقصا من حيث الشكل.
6- ينقص هذه (الموسوعة) تطابق الشكل والمضمون.. وهذا مايتضح في عنوان كل جزء، كما ان بعضها كتب ظرفياً حيث لاتناسق في تسلسل مواضيع الكثير منها وبرغم كل هذه الاعتراضات ذات الطابع الاكاديمي/ المعرفي.. فان (الموسوعة) تحمل في طياتها معطيات كثيرة جدا ومعلومات كشفت عن جوانب مهمة لثورة 14 تموز وقيادتها.. رغم عدائيتها لشخص قاسم.. كما انها، وبدون ان تعي، أسدت خدمة كبيرة لشخص قاسم وذلك عندما كانت تطرح وجهات نظر متناقضة عن الظاهرة القاسمية دون ان تشرح هذه الالتباسات.
• لاريب ان عهد قاسم كان عهدا مشرقاً مقارنة بما حدث بعده، ولكن يشعر القارئ بأن اخطاء جسيمة وقع فيها قاسم وعهده ادت الى الكارثة في 1963 هل لنا ان نعرف اهم هذه الاخطاء؟
ـ يجب الاقرار بأهمية دور الفرد القائد في التأريخ من دون عبادته، بقدر كونه نتاجا للضرورة التأريخية.. وأهميتها -فكرة- (الفرد/القائد) مستنبطة من قدرتها على فهم هذه الضرورات وتجسيدها مادياً.. ومن خلال هذا التجسيد المادي وصعوبة التحقيق.. تبرز بالضرورة، الحتمية جملة من الصعوبات والاشكاليات وحتى الاخطـاء يصل بعضـها حد”الجريمة “، وهذا يتوقف على طبيعة الصراع الاجتماعي وقواه ودرجة المرونة في فهم تشابكاته المتعددة الاوجه ومدى شموليته.
لو عدنا الى جوهر السؤال لنقيم الحقبة النيرة- الجمهورية الاولى (تموز 1958-شباط 1963) لرأينا ان القوى السياسية، على تعدد مسمياتها، والقيادة السياسية للثورة نفسها، قد أخطأت في فهم آلية الصراع وأبعاده، وفي فهم قوى الصراع وتقارباتها الفكرية/ الفلسفية، كما اسهمت بوعي او بدونه في صراع مادي/ سياسي ذي طابع عنفي، لم يكن اغلبه مبررا علميا وعمليا، في الوقت نفسه لم يكن الزعيم قاسم ملاكاً او قديساً وهو يتحمل، كغيره من القوى السياسية، جزءا من المسؤولية في ضياع الثورة، التي يمكن ان نرجعها حسب اجتهادنا الى الظروف والعوامل الاتية:-
1- بعضها له علاقة بمنظومة مكوناته الفكرية التي استمدت مضامينها من الثقافة التقليدية وثقافة المؤسسة العسكرية.
2- ومن قلة تجاربه السياسية وكذلك حياته المبكرة وافتقاده للرؤية النظرية لفلسفة الحياة وصراعاتها الاجتماعية وتناقضاتها.
3- ومن ردود افعال صراع القوى الاجتماعية ومواقفها السياسية ازاء كيفية حل التناقضات وتقنينها عملياً وسنها تشريعياً بما يتواءم مع تصوراته.
4- من طبيعة نظرته الوسطية التي تتصف بها الفئات الوسطى (الانتلجنسيا).
5- مما اجبرته الظروف الواقعية لادارة البلد الصعب في الزمن الاصعب رغم تعارضها مع منظومة ماهية افكاره.
6- من واقع العراق السيسيولوجي والموروث الثقافي المتمحور حول (الزعامة الملهمة) و(عبادة الابطال) و (الزعيم المنقذ).
7- من عمق المهمات التي أخذت الثورة على عاتقها حلها.
هذه الاخطاء التي أشرت اليها والنواقص التي اقترفها الزعيم الراحل يجب النظر اليها على ضوء الانهماك الكبير في الصراع السياسي الداخلي والخارجي، فالمؤامرات مستمرة (39 مؤامرة) وسيل الدعاية المعادية من الاذاعة الخارجية تعكس تيارات عقائدية متضادة ومن جهات مختلفة وتخلف جوا من عدم الثقة وعدم الاطمئنان.
كان الزعيم قاسم يسلك طرقاً ويتبنى حلولاً مجبراً عليها في زمن لاتكون فيها الظروف قد افرزت عللها ومسبباتها او قد يدخل معارك لم يسمح له الوقت بمواجهتها.. كما كانت تخلق له مشاكل مصطنعة ومبوصلة بغية كبح جماح مسيرة الثورة وعقر مستلزمات صيرورتها.
من الاخطاء التي اقترفها الزعيم قاسم: (1) انه كان يرى في ذاته تمثيل الكل.. وهذه احدى دعائم طوباويته الثورية. ان (الأنا) الذاتية هي سمة الكثير من الزعماء السياسيين. لكنها كانت كبيرة لدى قاسم وهذا بسبب كبر المهام التي أخذ على عاتقه مواجهتها.
(2) اعتمد قاسم في تحقيق اهدافه على الكثير من ادوات السلطة القديمة.
(3) لم يستوعب قاسم شمولية وعمق التغيير الاجتماعي وعواقبه داخليا واقليميا ودوليا.
(4) ابطأ الزعيم في استكمال اعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني التي تتلاءم وطبيعة المرحلة ومضامينها الفكرية.
(5) لم يكمل المشروع القاسمي مشواره بصدد حل المشكلة القومية للاكراد.. رغم تحمل قادة حركة التحرر الكردي المسؤولية الكبرى في ذلك.
(6) مثل الفقراء والجماهير الكادحة، العصب المركزي في مشروعه، الا انه لم يحكم بهؤلاء وانما حكم لهؤلاء.
(7) لقد أبطأت ظروف الصراع الاجتماعي من عملية التحول البرلماني، رغم قصر التجربة والمرحلة الانتقالية.. ورغم ان المعطيات المادية كانت توضح توجهه لها وهذا ما دلل عليه في اخر مقابلة صحفية له عندما قال: (في كل الاحوال انني اتعهد علناً أمام الشعب بأن يكون عام 1963 هذا، عام ولادة الجمعية الوطنية العراقية).
مع كل ذلك فأني هنا لا أتكلم عن حدث/ شخصية جرت في الماضي، بل عنهما بما لهما من حضور دائم فزمنهما ماثل ابداً ولايتحول الى ماضٍ.. انهما التجدد المحسوس في حياة المجتمع العراقي المعاصر.
• نشرت الكثير من وثائق عن انقلاب 8 شباط 1963 الكارثية، وصلتها بالجهات الاجنبية وأصبح الامر معروفا للجميع، هل من جديد في هذا الامر؟
ـ في الحقيقة لم تنشر الكثير من وثائق خفايا الانقلاب والقوى التي كانت تخطط له وتلك التي كانت تسانده على جميع المستويات بصورة مباشرة او غير مباشرة داخليا وخارجيا وحتى تباطؤ الزعيم في عزل الضباط المتآمرين وخضوع مثل هذه العملية الخطرة الى الاجراءات الروتينية وليس الاجراء الاستثنائي.
والجديد في الامر يتمثل باعترافات بعض اقطاب النظام بشأن ما اطلقوا عليه”التدخلات “ التي انصبت على العلاقات الدولية في الانقلاب، وأعني بهم طالب شبيب وهاني الفكيكي وكذلك الخط الثاني من قادة الانقلاب وكتابه..
في الوقت نفسه اعترافات الكثير من مسؤولي المخابرات المركزية الاميركية وتبنيهم للانقلاب واعترافهم بالتخطيط له.. وقد نشرت هذه الاعترافات وترجمت الى اللغة العربية.. ومنها ماترجمه (د. حامد البياتي) عن الانقلاب في الوثائق البريطانية.. وقد سبق لقوى المعارضة اعادة نشر مثل هذه الوثائق في الخارج، وبرهنت فيما حوته على صلة الانقلاب بالقوى الدولية، وبدوري نشرت فصلاً كاملاً عن هذا الموضوع في كتابي الموسوم (عبدالكريم قاسم في يومه الاخير)..
والانقلاب التاسع والثلاثون المنشور في بيروت عام 2003، قبيل سقوط النظام السابق، كما يمكن الاشارة الى كتاب حسن السعيد (نواطير الغرب).
وما تطرق اليه حسن العلوي بشأن هذا الموضوع.. هذه الكتب وغيرها اكدت على هذا الارتباط بالقوى الخارجية حتى امست ، وفق مؤشراتها، حقيقة معترفاً بها.
• أسماء كانت ملء العين والسمع في العهد القاسمي.. وهي: كامل الجادرجي-سلام عادل-الجواهري-حسين جميل-ناجي طالب-.. ما الذي يمكن ان نقوله عنها بعد ان تجردت الاحداث من حساسيات السياسة ونحو ذلك؟
ـ الجادرجي: واحد من اهم الشخصيات السياسية في عراق القرن العشرين ومن اكثرهم مطالبة بالديمقراطية البرلمانية والدعوة للاصلاح الاجتماعي التدريجي. وقد مهد للتغيرات الجذرية من واقع فلسفته الحياتية، أظهر موقفاً سلبياً من الثورة وقيادتها.. من منطلقات انوية ذاتوية، اكثر من كونها ذات ابعاد فكرية.. وما اشيع عنه من عدم تعاونه مع الضباط الاحرار تدحضه وقائع عديدة حيث ساند حركة الضباط الاحرار اثناء مرحلة الملكية وأيد (الثورة) المصرية ووافق على استيزار بعض من زعماء الحزب الوطني الديمقراطي وغيرها من الادلة..
كلها شواهد تدحض هذه الفكرة. وقد تناولت هذا الموقف في دراسة نشرت في جريدة الوفاق في لندن قبل نحو 10 سنوات. وبقدر ماهو ديمقراطي، داعية للاصلاح لكنه مهد السبيل لوأد الثورة قبل استكمال مهماتها.
سلام عادل: شخصية سياسية ناضجة، برزت في عنفوان النضال السياسي الذي خاضته الحركة الوطنية العراقية.. ومنها الحزب الشيوعي.. وقد لعب دوراً ايجابياً في وحدة الحزب ورسم سياسته بعيداً عن المغامرة السياسية المتطرفة كما كان منظماً ذا اهمية بحيث استطاع استقطاب المتنافسين وتجميد صراعاتهم الذاتوية.
وعلى النطاق الحزبي لعب دورا مهماً في تحشيد قطاعات واسعة من الجماهير الشعبية.. لكنه لم يتمكن من التغلب على كبح اندفاعاتها العفوية اللا مسؤولة.. كما انه لم يستطع رسم وتحديد العلاقة الواضحة بينه وبين قائد الثورة، ولا مع القوى القريبة منه.. امتاز بالشجاعة واستشهد مدافعا عن مبدئيته وعن قناعاته الشيوعية..
ناجي طالب: واحد من اعضاء الهيئة العليا للضباط الاحرار ذو اتجاه قومي مشوب بالنزعة الدينية المحافظة لم يترك اثراً واضحاً على الحركة السياسية وحركة الضباط الاحرار ولم يكن منافساً لقطبيها الكبيرين قاسم ورفعت الحاج سري.. كما انه لم تشهد له مواقف، خاصة في العهد الجمهوري الاول.. وكان شخصية غير مؤثرة.. كما انه لم يكن له لون حزبي معين .
محمد مهدي الجواهري: شاعر العرب الاكبر .. كان معتداً بنفسه الى درجة النرجسية الجميلة العالية، يتصادم شعراً مع الاكابر.. عفوياً في ردود افعاله.. يتبنى التناقضات ويتنافر مع تشعباتها.. دافع عن المضطهدين ومدح بعض المضطهدين..
رحل وفي نفسه غضاضة من الزعيم قاسم.. وهو غير محق حسب قراءتي لمواقفه.. وكانت مذكراته تطفح باللامنطقي واللامعقول.
لقد حقد على الزعيم حقداً يثير التساؤلات.. حتى انه ذم الثورة وانضم الى الجوقة المعادية لها.. من منطلقات ذاتوية بحتة.
انه اسطورة العراق الحديث ويجب التمييز بين الجوانب الادبية والسياسية، الواقعية والمثالية.
حسين جميل: احد المناضلين السياسيين في عراق القرن العشرين، وأحد رجالات القانون الذين ناضلوا من اجل تغيير المجتمع العراقي.. وهو احد ابرز قادة الحزب الوطني الديمقراطي الذين لعبوا دوراً سياسياً في الخمسينيات ومطلع الستينيات.. كان رجلا اصلاحيا في خط تفكيره وغالبا ماكان يصطدم بمؤسس حزبه. صمت قبل رحيله..


• في خضم غياب مدرسة لكتابة تأريخنا المعاصر، هل يود الباحث الناصري بيان المنهج الذي اختطه في كتابته لتأريخنا الحديث، يرون فيها ابتعادا عن الحيادية في تقييم قاسم وعهده ماهو رأيك في ذلك؟
ـ ان هذا الرأي صحيح جدا وأؤيده ومنطلقي في ذلك ان الباحث مهما كان حياديا لابد ان تفرض ذاته البحثية على المواضيع التي يتناولها بالدراسة، مؤيدا ومعارضاً، لانه لايوجد باحث مجرد وموضوعي بالتمام.. فان وجد مثل هذا الباحث فهو بالتأكيد ليس منا نحن معشر البشر.. لكن الاختلاف يكمن في نسبة او محدودية فرض الذات (الذاتية) على موضوع البحث من جهة وآراء الباحث الفلسفية من جهة ثانية..
ففي تناولي حدثا مهم مثل ثورة 14 تموز.. لم اتناولها بذاتها فحسب، بل بالمواضيع الاجتماعية/ السياسية/ الفكرية.. التي انتجتها ودرجة قربها من مصالحي الفردية والجمعية. من ثم فأنا منحاز لها مسبقا.. لكن هذا الانحياز يجب ان لايفقد بوصلة البحث ومعرفة السلبيات وهذا ينطبق على ما قمت به عند دراسة شخصية قاسم.. وغيرها من المواضيع ذات الابعاد الانسانية.. انا بطبعي منحاز لها.. ومنهجي مستقى من اهداف هذه الابعاد، مستخدما ما امكن من ادوات البحث ومقولاته وقوانينه مستهدفة ليس تغيير هذه الظواهر، بل العمل على تغييرها ما امكن كل من موقعه في عملية الانتاج الاجتماعي والمعرفي. كما ان منطلقي في الدراسة هو الدراسة التأريخية والمنطقية في آن واحد.. اذ انطلق من العلاقة الجدلية لدراسة الظواهر في سياق سيرورتها التأريخية المقترنة بالمنظومة المنطقية وهناك أدوات مساعدة في فهم هذه السيرورات.. في اطار علاقاتها الجدلية بين: العام والخاص، الموضوعي والذاتي، التأريخي واللاتأريخي، الضرورة والصدفة، المطلق والنسبي وغيرها.
أنطلق من هذه المنظومة من المقولات الفلسفية وقوانينها العامة ضمن الرؤيا الطبقية وعلاقاتها المتشابكة والمعقدة في حراكها العام المطلق او النسبي لبعض مكوناتها.
في الوقت نفسه اني استعين بالمناهج الاخرى من البحث باعتبارها ادوات تساعد في تفهم ماهيات الظواهر. من هذه المناهج.. المنهج الاحصائي، والوصفي، التحليلي وغيرها.
ـ في كل مرحلة او حقبة من الزمن ستنبثق بالضرورة قوى اجتماعية تختلف عن سابقاتها اذ لها تصوراتها ورؤيتها وكذلك اهدافها المستنبطة من ماهيات هذه المرحلة او الحقبة.. خاصة اذا اقترن هذا التحول بالحرية النسبية للباحث في التعبير عن قراءته للواقع الجديد. من هذا المنطلق فان المرحلة الحالية وماتتضمنه من مهام جديدة ومن صراعات بين قوى اجتماعية مختلفة، ومافرضه الاحتلال من اجندات ومصالح وغيرها من الظروف، ستتيح للباحث التفكير بحرية نسبية وهذا لايشمل الكتابات التأريخية وحدها بل جميع مجالات المعرفة خاصة الاجتماعية منها.. وسينقسم الباحثون فيما بينهم في قراءاتهم ودراساتهم بعيدا عن المنهج الشمولي الواحد.. وهذه حالة صحية جدا فان لم تبرز بحدة فيجب اشعال جذوتها حتى تتكامل الرؤى في نسبيتها. اما بصدد المشاريع الجديدة.. فهي سوف تتمحور في الاتجاه نفسه الذي احاول التخصص فيه.. وهو ثورة 14 تموز وعبدالكريم قاسم.. ودراستهما ضمن تكاملها الجدلي باعتبارهما صيرورة حضارية تعبر عن مرحلة نوعية سواء في العلاقات الاجتماعية وتطورها او القيادة السياسية وواقعيتها.
لقد شوه عبدالكريم قاسم بوضعه قائدا للثورة وغيب دوره، وحتى انصاره لم يفهموه الا كونه عنصرا وطنيا نظيفا وهنا لايكفي ولم يستوعبوا الابعاد الحقيقية لقاسم وتاسيسا على ذلك فاني بصدد انجاز دراسة موسعةلجزءين عن (ماهيات سيرة قاسم) اتناوله ضمن صيرورات التطور التي حدثت في العراق سواءً من خلال الافكار المساواتية التي تأثر بها او من خلال المؤسسات العسكرية ودورها او من خلال حركة الضباط الاحرار.. في الوقت نفسه سيكون هنالك فصل عن (دور الفرد في التأريخ – قاسم نموذجا)..
ضمن هذه التفاعلات حاولت ان اتتبع المسارات (الرئيسية) في حياته حتى نستطيع فهم التأريخ العراقي، لانه لايمكننا فهم التأريخ الا من خلال افراده او لاعبيه الاساسيين.

• كما هو معلوم، ان نظرة المؤرخ لما يحدث في عراق اليوم، هي-بلاشك- غير نظرة السياسة التقليدية لها،فما هو استشرافك لعراق المستقبل بعد التداعيات الخطيرة التي المت بعراقنا الحبيب؟
ـ ارجو منك ايها العزيز ان تصحح هذه النظرة الخاطئة.. اني لست مؤرخا بل باحث وكما لايخفى عليك فالفرق بينهما كبير. المنطقة برمتها.. والعراق قلبها، مقبلة على تغييرات جذرية جديدة، ستنهار ضمنها مفاهيم وأساطير، قوى اجتماعية ورؤى فلسفية.. في تصوري ان البلد سيمر بمرحلة صراعات، آمُل أن لاتكون عنيفة، بين اكثر من تيار، وستكون هنالك تحالفات تتغير بأستمرار وهذا ناجم عن عدم التبلور الطبقي. وفي كوننا نمر بمرحلة انتقالية غير مستتبة ابعادها الاقتصادية وطبيعة توجهات السياسة في ظروف صراع المصالح الدولية ضمن اطر القطب الواحد وتناقضاته. اللااستقرار الامني ستخف حدته لكن المعاضل الاقتصادية والاجتماعية وتحديد العلاقات بين المركز والاطراف ستزداد قوة.. حلها مرهون (بالوئام الطبقي) بين القوى الاجتماعية لفترة زمنية معينة، لحين الخروج من الازمة الراهنة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور: عقيل الناصري مواليد 1944، الناصرية . بكالوريوس في العلوم الاقتصادية، جامعة بغداد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1967، دكتوراه في الاقتصاد- معهد بليخانوف للاقتصاد الوطني، موسكو 1979 استاذ مساعد في جامعة وهران/ 1979-1987. مشارك في عدة مؤتمرات عراقية، عربية وعالمية.
من مؤلفاته:
1- الجيش والسلطة في العراق الملكي 1920-1958.
2- عبد الكريم قاسم في يومه الاخير، الانقلاب التاسع والثلاثون.
3- مؤسسات القمع في عراق البعث.
4- من ماهيات السير لعبد الكريم قاسم- الجزء الاول.
5- الفئات الوسطى والثورات الوطنية 1986.
6- قراءة اولية في سيرة عبد الكريم قاسم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حاوره : سعدون هليل
مجلة – فكر حر – التجمع الثقافي في شارع المتنبي