الرئيسية » الملف الشهري » الذاكرة الثقافية لثورة 14 تموز المجيدة

الذاكرة الثقافية لثورة 14 تموز المجيدة

فتحت ابواب الثقافة والمعرفة والابداع بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958.
هذا الفتح لم يكن سهلا ولا عابرا، وانما جاء بعد مخاض عسير من النضال والتضحيات على طريق الفكر الحر والاهداف التقدمية السامية.
الا ان الازمنة التالية للثورة، بدأت تنحر كل المكتسبات التي كانت قد تحققت على الاصعدة كافة..
وهذا يعني ان العامل السياسي ظل يلقي بثقله على الحياة الثقافية والاجتماعية وجميع مرافق الحياة..
والتجربة نفسها تكررت بعد سقوط السلطة الديكتاتورية السابقة..
ومع ان فعل ثورة تموز تختلف تماما عن احداث التغيير في 9/4/2003، الا ان التماس مع فضيلة الكلمة الحرة كان واضحا.. مع ان هذه (الفضيلة) قد تحولت بعدئذ الى نقمة على الشعب العراقي وعلى النخب المثقفة فيه بشكل خاص.
ففي الوقت الذي رعت فيه ثورة 14 تموز المجيدة العقول الكفء، والاصوات الخيرة النبيلة، ولاحت في الافق علامات بارزة في شتى صنوف الفكر والمعرفة والابداع.. وانطلقت المنظمات تعبر عن قدرات ممتازة ونشطت المؤسسات الثقافية الرسمية، واصبحت تعمل بالضرورات الثقافية التي لم تكن اقل اهمية عن الخبز والدواء..
لكن دخول السياسة غير الناضجة وغير المسؤولة.. المغامرة والباحثة عن الكراسي والامجاد الزائفة والانقلابات التآمرية، هي التي اغتالت الوجه المتقدم للثقافة الوطنية في العراق.
وفي الوقت نفسه نجد ان السياسة كذلك، هي التي تعمد الان الى حرق وتدمير كل ما هو حضاري وثقافي متقدم، في محاولة للعودة بنا الى سلف انصرف عنه وصار بعيدا ولمسافات جد طويلة.. وكان في جراء ذلك دخول عدد كبير من الطارئين على الثقافة لتولي مهام ادارتها، فكان ان حل الخراب وساد الفراغ وعمت الامية الثقافية في معظم مؤسسات الدولة.
واصبحت العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة.. وبات الوزير الذي لا يعرف جدوى المعطى الثقافي على البشر.. يدير ثقافة بلد تمتد حضارته الانسانية عميقا.. عميقا، ليبدأ من منطقة حاضر مشهود له بالتصحر والجفاف عبر مديرين لا يكنون للثقافة والمثقفين الاحترام اللائق، وذلك لجهلهم المبطق، ومن هنا مارسوا ضغوطا على المثقفين الحقيقيين لطردهم من الساحة الثقافية.
لتخلوا لهم اجواء البحث عن الوجاهة ونشر الفساد الاداري والمالي فضلا عن الجهل المطبق بالغباء الثقافة..
هذا الواقع بات مكشوفا، ولا يمكن اخفاؤه، بدليل نتائجه الواضحة امام الجميع.. فنحن لم نعد نقرأ كتبا نوعية جديرة بالقراءة والاهتمام واثارة الجدل، ولا مجلات تنم عن خبرات صحفية رفيعة المستوى، ولا نشهد مسرحا ولا سينما ولا نسمع موسيقى من القلب، ولا لوحة تعبر وتترك صداها في نفوسنا.. واصبح الكتاب المترجم غائبا.. حتى قيدنا الجهل بحصصه التي فاقت كل ما نهدف اليه ونرجوه من حصة المعرفة والفكر والثقافة والابداع.
وهذا المعطى المتخلف، هو الذي جعلنا ننسى معطيات ثورة وطنية تقدمية في 14 تموز 1985 وقد وضعت لبنات وطن امن ينشد لابنائه السعادة والازدهار.. فاذا بالامور تنهار بسلسلة انقلابات رجعية، واذا بتغيير ثلاثة عقود ونصف من الاستبداد يعصف بالبلاد ويخربها شر خراب.. دون ان تجد الثقافة سبيلها لايقاف نزف الدم، الى جانب نزف التهجير والبطالة والفساد الذي فاق كل وصف.. حتى اصبح العراق رقما قياسيا للفساد الاداري والمالي، والفقر والمرض والتشرد..
اننا اذ نستعيد ذاكرة ثورة 14 تموز، نستعيد شعارها الذي يجمع بين العرب والكورد وسائر القوميات والمذاهب، نستعيد كذلك علمها ونشيدها الوطني الذي ظل يعبر عن الق العراق الحضاري.. في وقت صار الخلاف قد تجاوز الاختلاف، وباتت (ثقافة النفع الخاص) تفوق كل معطيات الثقافة التي كانت تفضي الى فضاءات جادة تسهم في بناء الانسان وترقى بفهمه وتواصله مع معطيات الحياة.
الان..
هل يمكن لوشم ثورة 14 تموز الخالدة، ان يستعاد: مجدا والقا ومسارا.. هل؟
هذا هو الامل.. ولا استحالة للامال الصادقة
التاخي