الرئيسية » مقالات » من دار العجزة في الدنمارك الى دار الحنان في بغداد … هذه آثاركم تدل عليكم !

من دار العجزة في الدنمارك الى دار الحنان في بغداد … هذه آثاركم تدل عليكم !

الصدفة وحدها هي التي قادت احد الصحفيين الدنماركيين لالتقاط صورة عندما كان في زيارة لقريب له في احدى دور رعاية المُسنيين في مدينة (نيبورك) وهي مدينة صغيرة تقع في جزيرة فين وهي تقريبا بحجم قضاء صغير في العراق , تلك الصورة التي ظهر فيها أحد المُسنين وقد بدت عليه علامات الاهمال وعدم الرعاية والاهتمام بسبب تناثر بقايا الطعام على ملابسه وعلى قطعة القماش التي تستعمل عادة لحماية الملابس اثناء تناول الطعام , الصورة احدثت ضجة وفضيحة قبل حوالي ثلاثة اشهرلانها كشفت الاهمال الواضح في هذه الدار لعدم الاهتمام الكافي بذلك الانسان العاجز عن اطعام نفسه والذي تسبب اهمال المشرف او المشرفة المكلفة برعايته الى تناثر بقايا الطعام عليه , وفجّر الموضوع عاصفة ونقاشا وتحقيقات في مختلف وسائل الاعلام عن طريقة معاملة كبار السن والمرضى في دور الرعاية .

يومها لم يظهر احد ليدافع عن تلك الدار او يتستر على موظفيها او يقول ان الوقت لم يكن ملائما لالتقاط الصورة او ان الصحفي او الجريدة التي نشرت الصورة ينفذان اجندة لدولة او جهة معادية للبلد , كما لم يصرح أي مسئول ان هؤلاء النزلاء بلغت اعمارهم فوق او تحت المائة وان اهاليهم قد رموهم بعد ان عجزوا عن رعايتهم او الاهتمام بهم وانهم قد عاشوا عمرهم بما فيه الكفاية وان ما نشر وما اذيع هو مجرد ترتيب وفبركة من وسائل الاعلام !

الشئ الاول الذي حدث بعد النشر هو ظهوررئيس بلدية تلك المدينة ( وهوطبعا شخص منتخب من قبل ابنائها في انتخابات ديمقراطية وحقيقية ولم يصل للمنصب عبر قوائم وتحالفات وعلاقات وانتخابات من التي تعرفونها ) وقام بالاعتذار واعترف بأنه مقصر ومسؤول عما حدث في تلك الدار وانه يقدم اعتذاره للجميع لان الصورة قد احدثت اذى والماً نفسياً لهم كما يعتذر خاصة للنزلاء واهاليهم واصدقائهم وانه يقدم استقالته من منصبه لانه المسؤول الاول عن هذا الخطأ والاهمال الكبير الذي حدث ضمن دائرة المدينة التي انتخبته كما يقدم اعتذاره واسفه الشديد لكل الذين انتخبوه وصوتوا له ويشعر في اعماق نفسه بالحزن والتأثر الشديد الذي لا يمكن معالجته الا بالاستقاله كما قام مدير تلك الدار التي حدث فيها ذلك الاهمال ايضا بتقديم استقالته كاجراء عاجل وتم تشكيل لجنة تحقيقية لغرض معاينة تلك الدار وكل دور الرعاية الموجودة في المدينه لغرض تفتيشها وتقديم تقرير مفصل عن المقصر والمهمل لينال جزاءه وفق القانون, وبعد ايام صدر التقرير الذي اوصى بفصل الموظف المكلف بالرعاية المباشرة مع نشر كل ما جرى بمختلف وسائل الاعلام التي بدأت في حملات صحفية في مدن ودور اخرى لرعاية المسنين والاطفال والسجون لمراقبة مدى التزام الادارات المشرفة على تلك الاماكن بالشروط الخاصة بالرعاية وتوفير الظروف الانسانية اللائقة لهم .

ذلك ما جرى لاحدى الدور المخصصة لرعاية المسنين في الدنمارك والتي طبعا لم تكن تحمل اسم( دار الحنان) او غيرها من الاسماء الكبيرة والرنّانه وجرى فيها ماجرى وتمت معالجته بالسرعة والوضوح والشفافية دون اطلاق التهم او التصريحات التي يراد منها القاء اللوم او حتى المسؤولية على الضحايا كما حدث في تصريحات السيد وزيرالعمل والشؤون الاجتماعية العراقي عبر وسائل الاعلام والتي لا تستحق الرد عليها لانها بعيدة عن المنطق والانصاف والضمير الذي يجب ان يتمتع به أي انسان ..فكيف برجل مسؤول يشغل المنصب الاول في الوزارة التي حدثت فيها تلك المشاهد والصور التي ابعد ما تكون عن الحنان الذي تتسمى به (دار السيد الوزير).

وليس لنا الا ان نتساءل مرددين بعضا من عبارات السيد الوزير وبيان وزارة العمل الصادر يوم 25 حزيران* والذي كرر ذات التبريرات والعبارات ونتسائل : ماهي العلاقة بين هيبة الدولة والسيادة الوطنية وصورة الاطفال شديدي العوق الذين كانوا بالحال الذي شاهده العالم ؟ ومتى تظهر نتيجة التحقيق من اللجنة التي تم تشكيلها ؟ ومتى تتحرك الحكومة ومجلس النواب لمعالجة دار الحنان واخواتها من دور رعاية الايتام ومرضى مستعمرة الجُذام في ( جزيرة البتيرة في العمارة ) ؟ والى ان ياتينا الجواب نقول لهم جميعا :هذه آثاركم تدل عليكم !!



* بيان وزارة العمل منشور في جريدة التآخي العدد 5061 التاريخ 25/6/2007

تحت عنوان ( تبرير جديد لوزارة العمل حول احداث دار الحنان) نشرت وسائل الاعلام بيان وزارة العمل ونحن نوره بالنص الكامل ليطلع القارئ الكريم على المستوى الرائع والرقي الانساني الذي يتمتع به هؤلاء المسئولون !!

( * اصدرت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بيانا اكدت فيه ان المشاهد التلفزيونية المهينة عن دار الحنان لشديدي العوق ببغداد التي عرضتها بعض الفضائيات العربية والعالمية نقلاً عن وكالة امريكية ، انتهاك صارخ لحقوق الإنسان ، وجريمة نكراء بحق أطفال العراق ذوي الاحتياجات الخاصة وعوائلهم وثلم لسيادتنا الوطنية وكرامتنا الإنسانية. واضاف البيان انه عندما أقدمت قوات التحالف على اقتحام هذه الدار بعد منتصف ليلة حزيرانية ملتهبة الحرارة بسبب انقطاع التيار الكهربائي والعبث بمحتويات الدار بحثاً عن سلاح أو إرهاب بطريقة مجنونة أدخلت الرعب والخوف في نفوس هؤلاء الأطفال المرضى ، وترتيب بعضهم وإظهارهم بالصورة البائسة التي لاتنطلي على ذوي البصيرة من العراقيين او العالم.
واشار البيان الى ان دور الحنان لشديدي العوق لها ظروفها الخاصة ورعايتها المناسبة وهي تختلف جذرياً عن دور الايتام التي تأوي أطفالا أسوياء هم بصحة تامة ومظهر لائق ، مواظبون على الدراسة والتحصيل العلمي في مدارس وزارة التربية . مؤكدا إن دار الحنان ترعى مجموعة أطفال هم أشبه ما يكونون بكتل لحمية ، وعظام طرية لاتقوى على حمل أجسامهم وهم محدودو الحركة ، وافعالهم غير ارادية لان ادمغتهم مصابة بتلف شديد بسبب الشلل الدماغي ، فضلاً عن الاصابة بامراض اخرى لا يرجى شفاؤها اودعهم اولياء امورهم من هذه الدار بعد ان عجزت امهاتهم عن الرعاية والمداراة لاسباب عديدة ، حتى دفعتهم صعوبة الحالات والمواقف الى كفالة الدولة التي تقدم مؤسساتها ومنها دار الحنان الخدمات الايوائية والصحية وفقاً لبرنامج عمل انساني هي جزء من السياسة الاجتماعية للوزارة وترجمة لاهدافها الانسانية .واضاف البيان: اما اذا سلمنا بوجود تقصير او خلل بالاداء او التجهيزات فان ذلك لايمكن ان يكون مدعاة لالغاء او غمط جهود العاملين في وحدات خدمية او ايوائية اخرى وانما يكون مدعاة لمحاسبة المقصرين اشد الحساب بعد اجراء التحقيقات اللازمة وايلاء هذه الدور المزيد من العناية والاهتمام .مؤكدا ان للوزارة برامج حققت نجاحاً باهراً تجاوزت توقعات خبراء منظمات دولية متخصصة . مثل برنامج شبكة الحماية الاجتماعية التي لايضاهيها في دول المنطقة برنامج ً لدعم الفقراء والمحرومين والمتضررين من تداعيات المرحلة الانتقالية وإجراءات إعادة الهيكلية لمؤسسات الدولة والمجتمع.وقال البيان ان تقليل هيبة الدولة والتجاوز على حرمة مؤسساتها بهذه الطريقة الوحشية السافرة لاتتوافق والمفهوم العملي للسيادة الوطنية التي تمثل الصيغة الاعتبارية والاخلاقية للوطن المستقل والحكومة الرشيدة التي يكون همها سعادة المجتمع وديدنها رفاهية ابنائه.)