الرئيسية » مقالات » هل يمكن أن يكون العراق للعراقيين

هل يمكن أن يكون العراق للعراقيين

لا أدري لماذا تتزاحم في مخيلتي بعض العناوين المأثورة التي طفت على السطح قبل عشرات السنين،وتأخذ طريقها إلى تفكيري كلما تناهى إلى مسامعي ما يحدث من مآسي وأحداث جسام هذه الأيام،فقد كان الصحفي المعروف يونس بحري يشنف الأسماع في الحرب العالمية الثانية من إذاعة برلين رافعا عقيرته بالصياح (هنا برلين،حي العرب،بلاد العرب للعرب)في رد على السياسية المصرية تلك الأيام التي رفعت شعار (مصر للمصريين) قبل أن يأتي عبد الناصر وينهج نهجا عروبيا ليتزعم الشعوب العربية،ويقودها من هزيمة إلى أخرى،لتضيع أحلام تلك الشعوب في سياسات وتصورات لم يزكيها التاريخ،ولا أدري لماذا لا نرفع نحن العراقيون شعارا يكون رمزا لوحدتنا،بغض النظر عن الشعارات الجديدة الوافدة،والسياسة التمزيقية التي تنتهجها بعض القوى التي طفت على سطح الأحداث هذه الأيام ونقول(العراق للعراقيين) ولعل البعض ممن تشبعت أدمغتهم بالفكر الطوباوي،والحالمين بأمجاد زائلة من رافعي شعارات القومية الخالدة،يتهمونني بالسلبية أو الإقليمية،كما يقول المفكر العروبي ساطع ألحصري في كتابه الإقليمية الذي جاء ردا على دعاة الوطنية،في بدايات التبشير لفكر قومي لم تثبت مصداقيته الأيام أو يزكيه التاريخ،فهناك من الأسباب ما يدفعني لنبذ الطروحات والأفكار الداعية للذوبان الوطني في بودقة التفكير القومي،وهي أسباب واقعية قد يوافقني عليها المنصفون ممن ينظرون إلى الأمور بعيدا عن العاطفة والفكر المسبق والجمود المرفوض،فالتجربة التي خضناها نحن العراقيون طيلة العقود الماضية،تجعل من الواجب علينا التفكير العقلاني في اختيار الطريق الأنسب،الذي يوصلنا لشاطئ الخير والأمان.
ولو استعرضنا بشكل موجز تاريخنا القريب لوجدنا أن معظم الحكام العرب أن لم يكن جميعهم،قد اتخذوا أكثر المواقف تطرفا وسلبية في التعامل مع الحكومة العراقية والشعب العراقي وخصوصا بعد ثورة الرابع عشر من تموز/1958،فقد أصبح ما يشبه الإجماع من الحكام العرب على وأد التجربة التموزية وإجهاضها بغض النظر عن مصالح الشعب العراقي،الذي عليه التضحية بكرامته من أجل الرفعة القومية،وأن ينسلخ عن عراقيته ليكون تابعا ذليلا لهذا الحاكم أو ذاك،لذلك كانت المؤامرات المتعاقبة تنطلق من أرض الكنانة،لتمر ببلاد الشام بمداها الجغرافي،في طريقها إلى المملكة العربية السعودية،ورغم الخلافات العميقة بين الدول العربية ذاتها،أو مع جيرانها،إلا أن الغاية جمعتهم في التآمر والانقلاب على العراق،إلى أن تهيأ لهم ما أرادوا بالتنسيق مع أسيادهم الغربيين،الذين كان عبد الناصر يحاربهم بلسانه ويصافحهم بيده،ليحل اليوم الأسود وتنطلق الغربان الهجينة ليعم الخراب والدمار في ربوع الرافدين،ويرقص على أشلائه أخوتنا في العروبة وأشقائنا في الدين،ويكتمل عرسهم الأكبر بمجيء الأخوين ،الذي كان أولهما من الضباط المهووسون بالشعارات البراقة والدعوات القومية الفارغة،فكان ينشد في خطاباته،ليس بين العراق والشام حد،هدم الله ما بنو من حدود،وفي الوقت الذي يدعوا ربه لتهديمها كان يتآمر مع رصيفه في القومية للتآمر عليها،وكانت رحلاته المكوكية بين بغداد والقاهرة،لبناء الوحدة العربية الشاملة،وربما كان الزعيمين أحدهما يضحك على الآخر،،فلا الرئيس العراقي قادر على أرغام شعبه للاندماج مع الشعب المصري في وحدة يرفضها الشعب بشكل مطلق،ولا عبد الناصر صادقا في دعوته للوحدة،ليقينه باستحالتها في ظل الفوارق الاجتماعية والمادية بين الشعبيين،فيما كان عبد الرحمن عارف،كالأطرش في الزفة لا يدري بما يدور حوالبه يتقاذفه الضباط بدعاواهم القومية الفارغة،التي كانت مجرد شعارات للاستهلاك المحلي،لا يمكن لها أن تتحول إلى واقع لعدم اكتمال الشروط الذاتية والموضوعية لها،وعندما جاء البعث بعهديه البكري والصدامي،كانت الشعارات القومية والوحدوية تهيمن على كل مفاصل الحياة العراقية،وتحولت الأحياء والمدن والمعامل وكل مظاهر الحياة العراقية الى وحدوية وقومية،وكانت القطيعة بين دعاة الوحدة والقومية،والعداء المحكم الذي تحول الى مهاترات بلغة شارعيه بعيدة عن الخلق والعرف السياسي،فتحول رائد القومية العربية وصنمها الأكبر في الأعلام العراقي الى أبو رغال الخائن،وسوريا الشقيقة التي تدين بذات العقيدة البعثية،العدو اللدود لحكام العراق القوميين”شرط السكين”،وعندما تسلم الحكم صدام حسين حاول بكل ما يملك من أموال أن يكون العراب الأول للقومية العربية بعد وفاة عرابها السابق،فكانت أموال العراقيين مباحة للجميع،ففي كل يوم يأتي الى بغداد عشرات القادة الذين لم نسمع يوما ما بأسماء دولهم،وهم يقدمون فروض الطاعة للعراب الجديد، ليمنحهم من أمواله آبائه وأجداده الكرام ملايين الدولارات،ليأتي اليوم الموعود وتقوم القائمة ويغري القادة العرب وأسيادهم الأمبريالين صدام العروبة لمحاربة الجارة إيران بدفع وتخطيط غربي،وإسناد ودعم عربي،وما حدث من فواجع وويلات لا يزال يدفع ثمنها العراقيون،لتستمر ثماني سنوات عجاف،وتنتهي بصورة مفاجئة دون أن يفهم أحد ما أريد منها ،ومن أنتصر فيها،ليبدأ التآمر من جديد لاحتواء العراق،فكان غزو الكويت،وما حدث بعده من دمار كامل طال كل شيء في العراق،وأعاده مئات السنين الى الوراء،في ظل حصار جعل العراقيين من أكثر الشعوب تخلفا في كل مناحي الحياة،وهنا ظهر الحس القومي العربي بأجمل تجلياته،فقد عومل العراقيين من أشقائهم في العروبة معاملة أقل ما يقال فيها أنها مذلة،فكان من الصعوبة على المواطن العراقي الحصول على أذن بالدخول الى ديار العرب، ـ باستثناء سوريا بسبب اختلافها مع العراق ـوكان يعامل من أشقائه بمنتهى الإذلال والإهمال،فارض الكنانة العربية كانت لا تسمح للعراقيين بارتياد فنادقها،أو السكن في مدنها،إلا من كان على ارتباط بحكومة القاهرة،والأردن الشقيق الذي استطاع بناء اقتصاد مزدهر على شقاء العراقيين،كان العراق يعامل معاملة العبيد الأرقاء،وخصوصا من الأخوة الفلسطينيين المقيمين في الأردن،الذين كانوا يستخدمون العراقيين عمالا في مزارعهم ومعاملهم،لشهور دون أن يدفعوا إليهم أجرا،وإذا طالبهم بأجره كان مصيره الطرد والأهانة أو الحبس لانتهاء فترة أقامته،وفي العربية السعودية كانت معاملة الحجاج العراقيين متميزة دون الشعوب الإسلامية الأخرى،وهو ما جعل العراقيين الذين قيض لهم سوء الطالع دخول هذه الدول يلعنون العروبة والعروبيون الى يوم القيامة،ولو أوردنا الأمثلة والوقائع التي جرت للعراقيين من أشقائهم العرب،لسودنا آلاف الصفحات،واليوم بعد سقوط النظام البائد،كان الموقف العربي اللاعقلاني وراء ضياع العراق،وتحوله الى بؤرة للإرهاب،فالوافدين من العرب العاربة،أصحاب الأحزمة الإسلامية،والمفخخات السلفية،التي تتوافد من آبار السعودية،ونهر بردى،وسموم النيل،وصحارى اليمن السعيد،ولفح السموم الخليجي،جعل العراقيين طعما سهلا للموت،وتدخل الأخوة في الدين ممن تسربلوا بأبراده وهو منهم براء لا زالوا يتآمرون،ويتدخلون بحجج واهية في أولها مقاومة الاحتلال الأمريكي،هذا الاحتلال الذي جاءنا من اردانهم العفنة،وحدودهم القذرة،ولا زالت الجيوش الأمريكية تجوب أراضيهم،وتستوطن ديارهم،وتهجن نسلهم،ليتخلصوا من سمرتهم،ويكونوا بيضا كأبناء العام سام،ولا زال النفط السعودي والخليجي يجري في شرايين الغرب الذي يحاربونه في العراق،ولا زالت المؤامرات العربية الإسلامية تترا لمحاربة الشعب العراقي،بمختلف أطيافه وتوجهاته،فالمفخخات العربية الإسلامية،لا تفرق بين مواطن وآخر،وتحصد الجميع،والحصار الجديد الذي فرضه علينا الأخوة العرب،جعلنا لقمة سهلة للطامعين من الجيران:
خلا لك الجو فبيضي وأصفري ونقري ما شئت أن تنقري
قد ذهب الصياد عنك فابشري
وهاهم العراقيون مشردون في المنافي والبلدان تلاحقهم سياط البغي والعدوان،في الوقت الذي ينعم فيه الأغراب بخيرات وادي الرافدين،في مفارقة عجيبة أن يرحل الأصيل،ويبقى الدخيل،وهاهي المخابرات والجيوش الدولية تسرح وتمرح لتدنس ضفاف دجلة والفرات،وتعيث فسادا في الأرض،وهاهي الأمراض والأوبئة والجهل تفتك بآلاف العراقيين،وأخوتهم العرب يتفرجون ويتآمرون ويراهنون على قتل آخر عراقي منهم،ليتقاسموا أسلابنا مع أخوتهم في العهر والرذيلة.
ولكن ألم يئن الأوان ليعرف الشعب العراقي ما خفي من الحقائق،ويرفض الشعارات المصطنعة والأفكار المستوردة،والهويات الجديدة التي فرضها علينا المحتلون من أمريكان وبريطانيين وإيرانيين وعثمانيين ومستعربين،ليعود عراقيا صادقا لم تدنسه القومية بأدناسها،أو تلبسه الطائفية مدلهمات ثيابها،ويبزغ يوم تشرق فيه الشمس العراقية في سماء العراق.ربما فالأتي من الأيام كفيل بإزالة الحجب عن العيون التي أعماها الوهج الجديد،ولابد لأبناء”الملحة” أن يعرفوا إن الطائفية الوافدة،ستقودهم الى الجحيم،والتدخلات الأجنبية ستوصلهم الى الكارثة،ويرددون مع شاعرهم الكبير:
من أين ترجو للعراق تقدما وسبيل ممتلكيه غير سبيله .