الرئيسية » مقالات » مع الدكتور الوردي…

مع الدكتور الوردي…

تربطني بالمرحوم الدكتور علي الوردي،علاقة امتدت لسنين،حيث كنت من المواظبين على حضور منتدى الأربعاء الأسبوعي الذي يقيمه العلامة الدكتور عبد الرزاق محيي الدين،رئيس المجمع العلمي العراقي الأسبق،وكان الدكتور الوردي من رواده ،رغم ما بينهم من الاختلاف الفكري في الكثير من المجالات،والمساجلات العنيفة حول الأدب العربي التي دارت على صفحات الجرائد العراقية في الخمسينيات،ونشرها المرحوم الوردي في كتابه أسطورة الأدب الرفيع،فقد كانت بينهم من الآصرة الأدبية والزمالة الجامعية،ما جعلهم أكثر(من السمن على العسل)رغم ألاختلاف في الرؤى والتوجهات،”فخلاف الرأي لا يفسد في الود قضية” فقد كان محيي الدين متأنقا في كتاباته وصوره القلمية،متبعا لأساليب الكتاب المترسلين أمثال التوحيدي والجاحظ،متأثرا بما كتبه الزيات وطه حسين،في عنايتهما بالمحسنات اللفظية،وما عليه الأقدمون من عناية بالتركيب البليغ للجملة العربية،وفق هندسة تعني بالجملة القصير المتناغمة،والجرس اللفظي،والمعنى الموحي،بأتباع الأسس البلاغية لهندسة الجملة العربية،على عكس الوردي الذي تميز بالأسلوب السهل الممتنع القريب من مدارك القراء،مما جعل له شعبية عالية جعلت كتبه تتصدر المطبوع العراقي سعة وانتشارا ومبيعات،مما جعل خصومه ينعتونه بالمتاجرة لما حقق من شعبية وانتشار لم يحضا به كاتب آخر في العراق،ولا زالت كتبه تلقى من الانتشار ما يجعله في المقدمة من الكتاب الأكثر شهرة في الأوساط الشعبية،وفي استطلاعات للرأي أجريت مؤخرا،ظهر أن كتبه لا زالت تحضا بذات الصدارة التي كانت عليها سابقا،رغم اختلاف التوجهات العامة للقراء،وانصرافهم لقراءة الكتب ذات التوجهات التي تواكب المرحلة الراهنة التي يمر بها العراق.
وقد توطدت العلاقة أكثر في أوائل التسعينيات،عندما قام اللصوص الأشاوس بسرقة سيارته،مما جعل الكثيرين من أصدقائه ومعارفه وطلابه ملزمين بإيصاله إلى المجالس البغدادية التي يرتادها،وكثيرا ما أوصلته إلى منزله في ليالي الأربعاء بعد انتهاء المجلس إذا لم تتوفر واسطة أخرى،وكنت أستغل انفرادي به وأوجه له أسئلة لا يمكن البوح بها أمام الآخرين،وقد سألته ذات يوم،عن كتابه القيم لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث،وهل قام بدراسة الفترة الحالية،وهل أخذت شيئا من اهتمامه أم تجاوزها،لما في الكتابة عنها من محاذير،فكان يتهرب من الإجابة إلى أن أحرجته ذات يوم،فأشار بيده كمن يتهيأ للمنازلة وقال ما معناه،لقد كتبت في لمحاتي كل ما أريد قوله حتى هذا اليوم،ولكنها سترى النور بعد وفاتي،إذا تغيرت الظروف والأحوال،ولم أهمل شيئا من الظواهر الاجتماعية الطارئة والراسخة في المجتمع وخصوصا في ظل التحولات الجديدة،وسترى فيها ما يسرك،ويكون إجابة لقصيدتك عن سرقة سيارتي،أردفها بضحكة قوية تجلى فيها شبابه الأدبي رغم تقدمه في السن.
وحكاية القصيدة تدور حول سيارته الخاصة التي سرقت منه عام 1992،وعندما راجع الجهات المسئولة جوبه طلبه بالإهمال والمماطلة والتسويف والروتين القاتل،فكان حادث السرقة محل تندر أخوانه وأصدقائه،وذات يوم دندنت بكلمات لا أدري كيف انتقلت إلى سيارة الوردي،فكانت بداية لقصيدة شعبية قرأتها له وأحتفظ بنسخة منها،عنوانها الوردي والسيارة،استندت فيها للكثير من آرائه حول الحضارة والبداوة والقصيدة هي:


الوردي حاير ما عرفله جاره أشلون منه أنباكت السيارة
أنباكت ومنها فلا بين خـــبر جنها زبدة وماعت وما ظل أثر
هالحرامي أشلون ما أدري جسر جنه طير وشالها بمنكاره
من جسر عالوردي وسواها بيه وباكها وما خاف من فعله وحجيه
بخت ما عنده الجسر والله عليه وخله هالورده تظل محتاره
شلون ينباك الدرس طبع الشعب وعرف نفسيته ودرس سره وكتب
وحلل اوضاعه وكتب عنه العجب تالي مكلوبي طلعت أفكاره
حيل ويه الوردي والله والف حيل ما عرف طبع الشعب ثابت أصيل
عالغنايم عايش وأحسن سبيل عنده ناموس النهب والغاره
غاره ليلية عله الوردي أجت وحالف الغازي الف حظ وبخت
وراحت السياره وأبدن ما أجت والسره النوب على كتبه وداره
الف عفرم والله ذوله اولاد ليل باكو الوردي الذي عليهم يعيل
ما كتب عنهم ولا جن ذوله جيل تفرد بطبعه واله هم كاره
خله يقره ويدرس وعينه تشوف أشلون طبع الناس مو يمنه ويلوف
النه طلبه وياه وأبدن ما نعوف الثار والشاطر الياخذ ثاره
على الوردي أجتماعي ويفتهم ودارس أخلاق الشعوب وكل علم
“يفسر الواقع وتأويل الحلم ” ويقره كل ممحي ويفك أسراره
“أزدواجيه وخوارق لا شعور” وأنفعاليه وبداوه بالجذور
والكبت داعي أساسي للفجور والبشر غامض غريبه أسراره
درس عادات الشعوب وما عرف شنهو مقياس الرذيلة والشرف
كلها موروثه سلف خله الخلف والوراثه بالكلب نغاره
أسألك بالله كلي ما قريت أشكد حراميه أبلدنه وما دريت
تعوف سيارة ولا تقفل البيت وتالي تعير الحرامي بعاره
كلها منك ما شلت سيارتك بجيبك وشد يتها بكل قوتك
الحرامي أنته وخسارة بوكتك منك وصارت عليك خساره
هذه قانون الخليقه من زمان ما كو شي أسمه أمانه لو أمان
القوي اللي يبلع الف واحد جبان غابه والأقوى ظهر شنياره
باجتماعك بينت النه الدليل وكلت لا عايل أكو ولحد يعيل
أرد أكلك والأكوله آنه الأصيل من أبو راس الحار هاي الشاره
ألله ما يضرب أبد بحجاره يسلط وتسليطه ماله جاره
دكها ممشه راحت السياره لا بعد طلعه ولا تسياره



والآن بعد أن أصبح في ذمة التاريخ،ورحل عن هذا العالم،بعد أن تعب وأتعب الناس في مساجلات ومعارك كانت مثار اهتمام الشارع العربي،أليس حريا بالحكومة العراقية،ووزارة الثقافة بالذات،السعي لنشر آثاره بطبعات زهيدة الثمن لتكون بمتناول الجيل الجديد،وأن تشكل لجنة من ذوي الاختصاص للعناية بتحقيق آثاره المخطوطة التي تحتفظ بها أسرته،وجمع ما تناثر من مقالاته،ومعاركه الفكرية الكثيرة،ففيها الكثير من الإجابات عن تساؤلات مشروعة لمن يهمهم مصير العراق ووحدته،وإعادة بنائه على أسس متينة،والنهوض به من كبوته،ولعل القارئ المنصف سيجد الكثير من التحليلات التي أثبتت الأيام صحتها،رغم أنها صدمت وتصدم الكثيرين لما فيها من واقعية يحاول الآخرون التستر عليها،فقد نبه قبل أكثر من نصف قرن،إلى ترسخ البداوة في العقل الباطن للإنسان،رغم التظاهر بممارسة ما أفرزته الحضارة الحديثة،أو الالتزام بتعاليم الدين،وبين إن الكثير من العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية الجاهلية،لا زالت تطفوا على تفكير الفرد العراقي،ولم تستطع الأفكار الجديدة والحضارة الحديثة إزالتها،وقد ظهرت جلية واضحة بعد الزلزال الكبير،والانفلات الأمني،عندما عاد الأعاريب لعاداتهم القديمة في الغزو والمكسب والغنائم،وهيمنت شريعة الغاب على مفاصل المجتمع،وأصبح للقوي القادر التحكم بمصائر الآخرين،رغم خطل أرائه وتخلفها وعدم مواكبتها العصر،وظهر جيل من المتعصبين يعبرون عما في داخلهم من الرواسب الجاهلية المتحجرة،ويمارسون ما مارسه الأجداد العظام قبل آلاف السنين،غير مدركين لطبيعة العصر،وما وصل إليه الإنسان من تقدم في مجالات الحياة المختلفة.
فما يحاول تمريره البعض من أفكار غريبة على العصر،والعودة إلى عقلية القبيلة وأحكام القرون السالفة تحت واجهات عقائدية بعيدة عن روح الأديان السماوية الداعية إلى المحبة والتسامح والمساواة،والهادفة لنشر الفضيلة والكمال،يؤيد ما ذهب إليه المرحوم الوردي في كتبه العديدة،،بأن الكثير من النظريات والمبادئ الحديثة لم تأخذ طريقها إلى النفوس لتغيير ما فيها،فتظهر بين وقت وآخر آثار تلك النوازع في الفرد والمجتمع،وما نعانيه اليوم من انكفاء في المفاهيم والقيم يدعونا لدراسة كتبه مجددا،في محاولة لتشخيص الظواهر المدانة واستئصالها كما يستأصل المرض الخبيث.
ورغم ما جوبهت به كتبه من ردود فعل عنيفة،خرج فيها البعض عن جادة الصواب،فكان في ردودهم من التهجم ما يخرجه عن طبيعة البحث العلمي والرصانة الفكرية،إلا إن مخالفيه لو شاهدوا ما يجري هذه الأيام،لأحنو رؤوسهم خجلا لخطل أرائهم وعقمها،اتجاه آرائه التي شخصت علل المجتمع وتناقضاته بروح علمية محضة،كان فيها صريحا وجريئا كعادته،ولولا الأراجيف والطعون التي واجهه بها منتقديه لتجاوزت انطلاقته الحدود،بما يضع من تصورات سليمة لكثير مما سكت عنه،فقد سمعت منه شخصيا بعض الآراء التي لو أتيح له الإفصاح عنها لذبح من خلاف،وهاجمه الرعاع بالعصي والسكاكين،وهي في معظمها واقعية إلا أنها تدخل في الصميم،وتسفه الكثير من المسلمات التي تصافق عليها المجتمع،في تجاوز لحدود المقدسات ،بما يضعها موضع المحاكمة،في التفنيد والتشكيك والنقد.
ولو عاش الوردي هذه الأيام،وأفسح له في المجال بما تهيأ من وسائل حديثة للنشر لا تحدها رقابة،ولا يصدها منع،لكان في أفكاره ما يؤدي إلى تفجير قنبلة ،تثير الدنيا ولا تقعدها إلى يوم يبعثون،واحتاج العالم في تأمين حمايته،لبناء صومعة على سطح القمر أو المريخ،خشية على حياته من الناقمين والمخالفين،لما في لأفكاره من التطرف المنهجي الذي يناقض الكثير من المسلمات التي تصالح عليها الآخرين،واعتمدوها بديهيات لا تقبل النقض والتأويل.