الرئيسية » الملف الشهري » في ذكرى قمرٍ عراقي لم يعرف الأفول

في ذكرى قمرٍ عراقي لم يعرف الأفول






قمرٌ عراقيٌ شقَّ بنورهِ الفضّي جيوب الظّلام،عندما فتحَ مَغالقَ اللسّان والقلوب المكلومة حيّا بثغره الباسم في يومٍ قائظٍ تموزي أطفال الأكواخ والصرائف َوبمثله ردّ على هلاهل أبناء تخوم الصحراء والجبال. قالوا إنه آتٍ حتماً مِن رحمٍ نقيٍ وِمنْ صُلب مرؤة الرجال. وفي بحرأربعة أعوم ونيف أزال الفاتح بلا ملل أو كللٍ أنقاض مأساة ماضي سحيق من العبودية والمثقلة بالبؤس والحرمان وقالوا له صدقاً أنه ِنعمَ الملهم والقائد الذي ركب المخاطر مِن أجل أفواه الجياع وكم مسح ببزته العسكرية تواضعاً أدمع الثكالى والفقراء. زعيمٌ أحَبّ شعبه وأحبّه الجماهير، وزَادَه كانَ من زادِ الكسبة والبُسطاء.ومثلهم كان لا يملك من حطام الدنيا غير بدلته، وبين يديه كنوز النفط، ورغم قدرته كان مفترشا لقيلولته أرضية مكتبه وحسبه من سبقه في الرياش أنه ليس الاّ من بقايا سلالة الزهاد. وكان في زمن أقرانه يكدسون رزم الدينار والذهب بأسم الشعب وتحت مسميات الخداع، وأنه سوفَ يقاتل بها أعداء الثورة ويقضي على الأنفصاليين وبقايا من زمر الأشرار. هذا الذي مّر بالأمس ذكراه على خجلٍ وفي عهده عمَّ الأمان والسّلام والرخاء، والعرب والكرد وكذلك بقية طوائف العراق كانوا يشربون من معين الفراتين دون تمييز على اللون واللسان. ولم تشهد مدن العراق يومه مشاهد الذبّح بإسم الدين والهوية. وهوية الكل كانت العيش بحرية ورفاهية وفي ظل راية العراق. هذا الذي عرفه عراقه الجمهوري بشقائقه من العرب والكرد والتركمان وآشورييه،و لم يرضَ يوما أن يبني قصوره الفخمة بأسم قصور الشعب وقوله عفا الله عما سَلف ولا يضمر لأحد عداء أو بغضاء. هو الذي نذر أن لا يحضر موائد الموسرين اذا لم يحضر معه أفواج الكادحين وسرايا الفقراء. هذا الذي زّين بعمره القصير وحكمه العادل صَدرَ وثغرَ العراق بمئات المآثر ولم تخاصمه يوماٍ في عَدله عراقي أصيل وشهد له حتى من كانَ يكن له العداء. وفي ذكراه وفي مثل هذا التاريخ المشؤوم وفي ضمير كل منصِف عرفَ الحقَ وَميّز بينه وبين الباطل، بأن خفافيش شباط الظلام دفنوا منذ أمد بمزابل لعنة التاريخ بلا أحياء. هذا الذي سَكنَ قلوب محبيه يوم مقتله صائماً ومن فرط عشق الشعب قالوا أنه حلّ بمنازل العلى بصفائه وصَدقنا بطفولتنا البريئة أنه فعلا حلّ مع القمر ومن الشوق أهداه البدر حُزم الضياء.أرادت فئة ضالة كي يمحو أسمه ورَسمه وظنوا أنهم يفلحون في طمس تاريخه،وياتُرى أيقدر الليل من طمس القمر لو أستعان بحبائل الخفاء والفتن. كم كان سهل قتل امرئ عند الجناة ولكن هيهات من قتل تاريخ العراق الجمهوري بملايينه وكيف يمحى خلود الأسماء.هذا هو القاسم الكريم الذي أحبّه الناس بلا طمعٍ في مغنمٍ أو الهُتافَ له مخافة الدفن في المقابر الجماعية ومِن مصير الفناء. أليس هو القائل لجلاديه ساعةَ رَمْيه أنكم تستطيعونَ قتلي، غيرَ أن إسمي سيظل خالدا في تاريخ الشعب العراقي ومكانه هو في الذرى والعلياء. نعم ذاكَ الذي صَدقَ في قوله خلّده الشعب من بعدهِ بالتبجيل والحسرة وخلود الطيبين يكون بالمهج والمُقلِ وهذا يليق بمقام العظماء .عندما رموا الجناة بجسمه في قعر الماء أهابوه في مماته وكيف لاتتعجبوا من فعل الجبناء. ومَنْ قالَ بعد رحيله قصائد وكلمات ومَن نَدمَ على صَمت الجُناة لعقودٍ ومَن لمْ يتكف في ذلك وقال في نَدبِه بعد سنين قصائد وخُطب عَصْماء. هذا القاسم الذي أحبه الغني والفقير، أبكاه الشعب لطهره ولم يسطو يوما قوت شعبه كآل فرهود ويذرف دموع الخداع في تابين رفاقه عند ساعات المساء. وهوالذي خدم الملايين دون تطبيلٍ ونعم القول قوله الخالد فخدمة الشعب غاية بحد ذاتها، وكذا يكون الرجل الصّادق ويكونَ رمز للثورة وعنواناً في البطولة والوفاء .

14/7/2007