الرئيسية » الملف الشهري » من ذكريات ثورة 14 تموز 1958

من ذكريات ثورة 14 تموز 1958

( ليس هذا المقال دراسة أو بحثاً في ثورة 14 تموز أو قائدها الزعيم عبد الكريم قاسم. إنه بعض من الذكريات التي عشت أحداثها، أسردها كما حدثتْ ومرَّتْ بتعليق بسيط بعض الأحيان هو أكثر قرباً إلى الإيضاح، أينما وجدتُـه ضرورةً. ربما لا يتفق معي بعض الكتاب أو القراء، وهذا من حقهم. ولكني أذكر ما شاهدتُ وعشتُ، فقد تكون الحقيقة مرّة، ولكنَّ إخفاءَها أو عدمَ ذكرِها لا يُلغي حدوثَها، وإنّ إخفاء المريض مرضَه أو إصرارَه على أنْ لا مرضَ لديه لا يشفيه بل يزيده سوءً. وقد قال ابن الرومي قبل اثنيْ عشرَ قرناً:

إنَّ كشفَ الطّبيب عن داء ذي الدّاء لأسُّ الشّفاء قبل الشّّفاءِ

فالظروف التي كانت حينذاك تختلف عن الظروف الحالية، وإن كان بعضُ تشابهٍ بينهما، وأخطاء الماضي أنجبت كوارثَ الحاضر، وما أذكر هنا هو غيض من فيض ربّما يأتي أوانه.)

صباح 13 تموز 1958

**************
مرتين في حياتي رأيت نوري السعيد، مرة حياً ومرة ميتاً والفترة بين الرؤيتين يومان! كانت الأولى يوم الأحد 13 تموز 1958 في وزارة الدفاع، رأيته هابطاً درجاتِ سـلَّـمِها الطويلةَ العريضة إلى أسفلها حيث كانت بانتظاره سيارة ستيشن، وكنت في الوقت عينه مُرتـقـياً السُّـلَّـمَ لمراجعة الوزارة لأمر يتعلق بتأجيلي من خدمة ضباط الإحتياط. كنت على بضعة أمتار منه، وتوقفتُ في منتصفـها متطلعاً في الرجل الذي أرهب العراقيين ما يزيد عن ثلاثة عقود، فلم يُعِـرْ لي اهتماماً وكأني لم أكنْ. فتح الإنضباط العسكريّ بابَ السيارة بعد أن أدّى التحية العسكرية له، فدخل السيارة، ولم أغادر موقفي إلا بعد أن انطلقتْ به. ولم يأتِ أيّ ُ واحد يسألني عن سرِّ وقوفي ونظراتي الفضوليّة إلى الرجل الرهيب. والحقيقة لم يوجد هناك أيّ ُ شخص يحميه. كان الحرّ شديداً والنهار في أولِّـه ( الساعة التاسعة حسبما أتذكر ). كنت تخرجت من كلية الصيدلة قبل شهرين من ذلك اليوم وكان المفروض أن ألتحق بدورة ضباط الإحتياط التي بدأت في 12 تموز 1958، ولكني أ ُجِّـلتُ منها سنة كاملة، لوجود (فتق) لديَّ. ولكون نتيجة الفحص لم تصل وزارة الدفاع حتى اليومَ الموعودَ، اعتُـبِـرتُ مُـتَخلِّـفاً، ولذا كانت المراجعة ذلك اليوم. والمرة الثانية كانت يومَ الخامس عشر من تموز، عندما راجعتُ وزارة الدفاع طالباً منها إلغاء التأجيل لخدمة الجمهورية الفتيِّة. رفض العقيد مدير الإدارة طلبي، ولكنه كان ودوداً ولطيفاً وقدّم لي كرسياً وشاياً واتصل بمستشفى الرشيد العسكري طالباً إرسال أوراق الفحص إليه فوراً، وهو الذي كان قبل يومين فقط فظاً غليظاً معي وحسبني متخلفاً عن أداء الواجب العسكري حيث اتهمني بالتهرّب من الخدمة وعدم الذهاب إلى مستشفى الرشيد العسكري للفحص وإلا، حسبما قال، كانت نتيجة الفحص الطبي بين يديه! ولكنْ في خلال نصف الساعة التي كنت جالساً معه أتحدث كمواطن / صديق استلم أوراقَ الفحص! وأخبرني بلطف غير معهود بأنه لا يستطيع إلغاء التأجيل، إذ كيف أكون صالحاً للخدمة اليومَ وقد كنت غيرَ صالح أمسِ! فهذا يجلب له وللأطباء في المستشفى متاعبَ ومشاكلَ هم في غنى عنها، وعليَّ أن أخدم الجمهورية، حسبما قال، بالدفاع عنها بطرق أخرى إلى أن تنتهيَ سنة التأجيل. ولما لم يكن في الأمر حيلة، ودعته وأخذت أمشي الهوينى في شارع الرشيد وفي جيبي خمسون فلساً فقط. ولما وصلت رأس القرية، مرقت سيارة بصخب غير طبيعي، ولما تطلعتُ إليها وجدت جثة نوري السعيد مسجّـاةً ومربوطة على سطحها وخلفَها سيارات عدّة، أصابني الهلع وقفلت راجعاً إلى سوق السراي، المُحبَّبِ لديَّ بمكتباته وكنوزه الثقافية، وقد أخذ العطش مني مأخذاً فروِيت غليلي بقنينة ببسي كولا كلفتني عشرين فلساً وتبقَّـى لديَّ ثلاثون فلساً كانت أجرة السيارة الذاهبة إلى الكاظمية التي وصلتها خاويَ الوفاض. ومن هناك علمت أنَّ جثة نوري السعيد وُضِعت على الطريق العام لتمرَّ السيارات عليها حيث لم يبقَ منها شيء يُذكر.

ثورة 14 تموز
كُـتِب عن هذه الثورة أو الانقلاب، كما يحلو للبعض تسميتها، كثيراً، قرأت بعضاً منها ولم تتسـنَّ لي الفرصة لقراءة البعض الآخر. وصف الثورةَ بعضُهم بالتقديس ووصفها آخرون بالكارثة، وقد اعتمد هذا على عاطفة الكاتب وأفكاره وميوله السياسية، كما هو شأن تأريخنا الطافح بالمتناقضات والكذب والخرافات أحياناً، نتيجة آراء الكاتب ومعتقداته والتأثيرات القومية والدينية والقبلية على ما يكتب. وكذا كان الرأي في الزعيم عبد الكريم قاسم أيضاً. ولما كنت عشتُ الثورةَ وعاصرتُ أحداثَها وقرأت كثيراً مما كُـتب عنها، وجدت تطرفاً في تقييمها وفي الحكم على الزعيم عبد الكريم قاسم. وإني هنا لا أناقش من كتب عنها، فقد يكون لهذا حديث آخَـرُ. ولكني أذكر بعض ذكرياتي عن بعض الأحداث التي مرّت عليّ، ولا سيّما الوجهِ الآخر (السَّـلبيِّ) الذي تحاشى ذكرَه أو دافع عنه الأنصار بتطرّف. وإنّي إذ أركِّز عليه ليكون القارئ الذي لم يعاصر تلك الأحداث على بيِّـنة من الأمر، فيعرف أسبابَ الكارثة. ولمّـا لم أكنْ ولست منتمياً إلى أيِّ حزب يصبّ العقل في قالب نحاس فيحجب الرؤيةَ إلى الأشياء التي لا يريد، ويهيض الجناحين من التحليق في الفضاء الرحيب، سأذكر بعضَ ما عاينتُ وسمعتُ وعشتُ بحياد تام. أما ذكرُ ما مرَّ بتفصيل أكثرَ وتحليلٍ وافٍ، فيحتاج إلى مقالات أُخَـر قد تأتي في وقت آخَـرَ.

وكما ذكرتُ من قبل، كنت مهموماً جداً بعد مغادرتي وزارة الدفاع في الثالث عشر من تموز 1958، خوفاً من اعتباري متخلفاً عن الخدمة والعواقب الوخيمة التي ستعصف بما خطّطتُ له فيما إذا لو أ ُلغِـيَ التأجيلُ، حيث كان في حسباني العملُ مدةَ سنةٍ أو تزيد لادّخار ما يُـمكن، لتمويل دراستي العليا خارج الوطن والتخلص من الخدمة العسكرية، ربَّـما أبديّـاً، في الوقت ذاته. فبعد انقضاء تلك الليلة المَشـوبة بالقلق والسَّـهَـر والخوف من اليوم القادم، كان الصباح مختلفاً. فقد أيقظني والدي، وكنت نائماً على سطح دارنا المتواضع في الكاظمية في الساعة السادسة والنصف صباحاً قائلاً إنَّ انقلاباً حدث والحكومة تغيّـرتْ. لم أُصدِّق أولَّ الأمر، ولكنَّ البيان رقم 1 الذي نادى المواطنين (نتوجَّه إليكم بالنداء للإفادة إلى السّلطات عن كلِّ المنتهكين والخونة والفاسدين لكي يتمَّ اقتلاعهم)، كان البرهان على الثورة/الإنقلاب وربما كان بداية القسوة والعنف والفوضى في الوقت عينه. في السّاعة الثامنة صباحاً خرج الناس هاتفين بالموت للخونة وعملاء الإمبريالية. كان الهتاف في الكاظمية (حيث كنت فيها) لجمال عبد الناصر صباحاً حتى الظّهرَ، تحوَّلَ إلى عبد الكريم قاسم بعد الظهر.

ثم عرفنا بعد سويعات أنَّ هناك رئيسيْـن للثورة، هما الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، الذي تقلّـد مناصبَ القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء ووزير الدفاع، والعقيد الركن عبد السلام عارف متقلداً مناصبَ نائب القائد العام، نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. ولم ندرِ بادئَ الأمر أنَّـهما كانا يسيـران في اتجاهين متضادّيْـن. أما الوزراء الآخرون، فكانوا تشكيلةً من رأسمالي وإقطاعي وماركسي ونازي وعروبي إسلامي وبعثي وكردي، مما جعل الفكرَ في حَيْـرةٍ كيف يكون الإنسجام، والمشارب مختلفة والتيارات متناقضة، ولأنَّ الخلافاتِ العميقةَ الكامنةَ في القعر قد تطفو على السطح قريباً، وهكذا كان. ومما يُـلفت النظرَ أنَّ الطائفيةَ الدينية لم تلعب دوراً في السنة الأولى على الأقلّ، وكأنَّـها لم تـوجد أو لم يُحسَب لها أيّ ُ حساب. والغريب أنَّ التشكيلة الوزارية لم تضمَّ فرداً واحداً من الحزب الشيوعي ذي القاعدة الشعبية العريضة حينذاك، والذي لعب دوراً هاماً قبل ذلك بتهيئة الرأي العام والتمهيد لإشعال فـتـيلِ الثورة وتأجيج نارها، ولكنّـا فهمنـا حساسيةَ الأمر. ورغم هذا، كان الحزب الشيوعي أولَّ المتحمسين والمساندين، وبخاصة لقاسم الذي لم يكن معروفاً لدى العامة من الناس لولاه. وبعد أسابيعَ قلائلَ بدأت الخلافات بين الرئيسين تتصاعد. فبينما كان عبد الكريم قاسم يُصرِّح في 27 تموز ( ليست الوَحدةُ شيئاً يقرِّره إنسان بمفرده، بل يجب أن تُـقرِّرَه شعوب الدول العربية )، أخذ عبد السلام عارف في 5 آب يدعـو (إلى جمهورية ضمن الجمهورية العربية المتحدة). وفي 7 آب نزل مئات الآلاف من الشيوعيين وأنصارهم ومؤيديهم وكذلك من الأكراد الديمقراطيين والوطنيين الديمقراطيين لتأييد قاسم إلى الشارع بهتاف ( اِتحاد فيدرالي وصداقة سوفييتية ). وفي بداية أيلول أخذ الشيوعيون ينتقدون الوحدة ودَعَـوْا إلى تقييمها. وفي 12 أيلول بدأ العد التنازلي لعبد السلام عارف حيث أ ُعفِـيَ من بعض مناصبه، ومنها جمعاءَ في 30 أيلول 1958، وهو اليوم الذي صدر فيه قانون الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية، ثم عُـيِّن سفيراً في بون في 12 تشرين الأول من السنة عينها بعد محاولتِه قتلَ الزعيمِ عبد الكريم قاسم بمسدسه الخاص، وأ ُودعَ السّجنَ بعد عودته ” غيرِ المأذون بها ” في 4 نوفمبر وتمَّ إغلاق جريدة البعث بعد ثلاثة أيام. ثم كانت مؤامرة رشيد عالي الكيلاني في كانون الأول 1958 بدعم الرئيس جمال عبد الناصر وفشلها. وهكذا بدأت القلاقل والفتن والدسائس تلعب أدورَاها، تغذّيها أطماع شخصية وحسد. وكان الصّراع على أشدّه بين هذه الفئات في السنة التالية، حيث كان دامياً قاسياً ذهب كثير من الضحايا الأبرياء جـرّاءه، وهي السنة عينها التي غيّر الزعيم عبد الكريم قاسم (سياسته) وجاء بفكرة (توازن) القوى. وكان أهمّ الحوادث عام 1959 هو تمرُّد العقيد الشواف في 8 آذار في الموصل، ومجزرة كركوك في 14-16 تموز، وخطاب عبد الكريم قاسم في كنيسة مار يوسف في 19 تموز واصفاً ما حدث حينذاك بأبشع من أعمال هولاكو، والاعتداء المسلح عليه في رأس القرية في 7 تشرين الأول الذي أدّت إصابته البليغة فيه إلى البقاء في المستشفى ما يقارب الشهرين.


عبد الكريم قاسم

أجمع معظم الكتّاب الذين كتبوا عن ثورة 14 تموز على أنَّ عبد الكريم قاسم كان وطنياً عفّـاً نزيهاً مخلصاً للعراق محباً لشعب العراق، ولا سيَّما الفقراءُ منهم، وكلّ من عاصر حكمَه لا ينكر ذلك. ولكنَّ هذا ليس بكافٍ، إذ أنَّ تفاعلَـه مع الأحداث يلعب دوراً في نجاح الحكم أو فشله. كان الزعيم عبد الكريم قاسم عنيداً وذا دهاء ولكنْ محدوداً. ولما لم يكن حزبياً أو عشائرياً ولم يكن له أصدقاءُ كـثـرٌ في الجيش، وجد ضالّته في الحزب الشيوعي ووجد الأخير فيه خيرَ سند وعون. فقد كانت مصلحة مشتركة من حيث نظرتُـهما إلى الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة والعناصر القومية والبعثية وبعض الضباط (الأحرار) ذوي النزعة العدائية التقليدية للشيوعية. كان الشيوعيون مخلصين لقاسم، وكان قاسم حذراً، اِستغلَّهم بادئَ الأمر ضدَّ هجمات ناصر الإذاعية ومؤامراته المتكررة لتثبيت أقدامه، فأبلوا بلاءً حسناً. ولما استتبَّ له الأمر، وحَـلِـيَ الحكـمُ في عينيه، قلب لهم ظهر المِـجَـنّ. والواقع إنَّ ناقوسَ الخطر أخذ يدقّ بعد تظاهرة الأول من مايس العمالية 1959، حيث حشد الشيوعيون ما قُـدِّرَ عدده بنصف مليون متظاهر جاءوا إلى بغداد من كلّ أنحاء العراق، مما دعا ممثلَ الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة المستر هنري كابوت لودج إلى القول ” إنَّ عددَ أعضاءِ الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفييتي 6 ملايين ولكنه في العراق 8 ملايين “. ( كانت نفوس العراق حينذاك ثمانية مليون نسمة ). بدأ عبد الكريم قاسم يضغط عليهم في نهاية ذلك الشهر. ولما حدثت مجزرة كركوك في 14-16 تموز، خطب قاسم في كنيسة مار يوسف في 19 تموز ناعتاً مَنْ قام بها بالبرابرة والفوضويين وشبّههم بأسوأَ من هولاكو، وكان صوته مرتعشاً، ربما من الغضب أو خشية الفتنة أو الاثنين معاً، وأخذ يغمز قناة الشيوعيين، مما أعطى جُـرَعاً قويةً للجِّـهات المضادّة المعادية وشدّ أُزرَهم. ولما كانت المنظمات والإتحادات العمالية والفلاحية والطلابية بيد الشيوعيين، أخذ الزعيم عبد الكريم قاسم يحطِّـم تلك الشبكة، وبدأها بإلغاء ما سُمِّي بلجان صيانة الجمهورية، التي كانت مُنظَّماتٍ شيوعيةً متوغلةً في دوائر الدولة تراقب الموظفين، ثمَّ أكملها بانتخابات جديدة وأخذ يأتي بالجماعات المعارضة كبدائل، بشتّى الأشكال والفنون، وكان يساعده عن طيب خاطر الزعيم أحمد محمد يحيى وزير الداخلية. فهذا الأخير كان لا يُجيز جمعيةً فلاحية ( شيوعية) بحجة تافهة، مثلاً، أنْ يكون الطابع الملصق على الطلب مائلاً أو منحرفاً أو أنَّ التوقيعَ عليه تخطّى إلى الجانب الأيسر منه…إلخ، يجعل الطلب مرفوضاً! وما شابه هذا كان كثيراً. ولعلّ المهزلة الكبرى كانت في إجازة حزب داود الصائغ (الشيوعي) وتمويله بدلاً من الحزب الشيوعي الحقيقي! فبينما كان الحزب الشيوعي (الحقيقي) يحافظ على الحكومة التي ليس فيها أيّ عضو منه ولم يُعترَفْ به (رسمياً)، ويسند قاسم بكل الطرق، كان قاسم يعقد اجتماعاً مع داود الصائغ، في المستشفى الذي يرقد فيه في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) 1959 ويخصّه بحديث لينشره في جريدته (المبدأ) التي أجازها قبل أيام قلائل من الإجتماع! والواقع أنَّ الحزب الشيوعي ربط مصيره بقاسم، فما يحدث لقاسم من سوء، يحدث له أيضاً. ولم تكن محكمة العقيد (شمس الدين عبد الله) العرفية التى كانت تحاكم المخلصين للزعيم والشيوعيين، وأصدرتْ أحكاماً اِعتباطية عليهم، بأقلَّ غرابةً، فوجود شاهدين ( أيّـاً كانا )، يحلفان بالقرآن الكريم، كافٍ ليضعَ المُتَّـهمَ (الشيوعيَّ) بين قضبان السّجن. و قد يكون ما ذكره الأستاذ حسن العلوي في هذا الصدد في كتابه (عبد الكريم قاسم رؤية بعد العشرين) وافياً: ” إنَّ شمس الدين ظاهرة فريدة في الحكومات والأنظمة … معارض كبير يقاضي أنصار الحكومة، ويحكم على محبّي زعيمها بالسجن.”

فالزعيم عبد الكريم قاسم يعرف هذا جيداً، بل هو من خطّط له، ليُضعفَ فئة ويقـوِّيَ أخرى، وقد قال أيضاً ” القطار يسير والركاب يتخاصمون ولكنه سيواصل السير وسيصل “، ولكن مع الأسف لم يواصل القطار سيرَه ولم يصل!

كان قاسم يعتقد ويريد الناس أن يعتقدوا أن الجيش هو من حرَّرهم، ولكونه قائدَ الجيش، فهو إذاً ذو مِنَّـةٍ كبيرة عليهم، ولذا وجبَ على الناس تمجيدُه واللهجُ بفضله مدى الحياة. وإني لأتذكر احتفالاً أُقيم في عام 1961 (على أغلب الإحتمال) بذكرى وثبة تشرين، وكان ثمة حشد كبير من الناس، فأخذ الزعيم يمجِّـد ثورة تموز كثيراً، ويقلل من وثبة تشرين، فقاطعه المحامي الشاعر علي جليل الوردي، وكان شيوعيا،ً مردّداً هذا البيت :

واللهِ ما تشرينُ إلاّ مِـعبَـر ٌ يزهو به تمّـوزُ وَهْـوَ مُظَـفَّـرُ

فأجابه الزعيم عبد الكريم قاسم، وكان يُعجبه مثلُ هذا التحـدّي، بقوله: إن الشاعر صادق، فهو يعني ” وريش الخوافي قـوَّة ٌ للقـوادم ِ” – القوادم هي ريش جناح الطائر ويكون كبيراً وقوياً، وريش الخوافي هو الريش الناعم الذي يسند الريش الكبير – . ولما صرح الأستاذ كامل الجادرحي، زعيم الحزب الوطني الدمقراطي، بأنَّ على الجيش الرجوعَ إلى الثكنات وتسليمَ مقاليدِ الأمور إلى سلطة مدنية مُنتخبة ديقراطياً من قبل الشعب، أثار القولُ حفيظَـتَه. وفي اليوم التالي خطب غامزاً قناة السياسيين القدامى متَّـهمَهم بالعجز وناعِـتَهم بـ (ساسة الصّالونات) ومتسائلاً ( أين كانوا يومَ فجَّـرنا ثورة تمّـوز؟).

وكان لا يحبّ أن يرى شخصاً قويّـاً محبوباً لدى الشعب غيرَه. فمثلاً عندما كان العقيد فاضل عباس المهداوي، رئيس محكمة الشعب، يحاكم أحد المتهمين في تمرد الشواف في الموصل (8 آذار 1959)، ذكر أحدُ الجنود الشهود العقيدَ حسن عبود، آمرَ حامية الموصل الذي قمع التمرد، واصفاً إياه بالرجل الحديدي، إختلجتْ عضلات وجه المهداوي ولم يعلق، وكان من عادته التعليق. وفي اليوم التالي ذكر جندي آخر العقيدَ حسن عبود ووصفه بالرجل (الحديدي) أيضاً، وهنا صرخ المهداوي فيه بحدة، أنْ لا يوجد رجل (حديدي) إلاّ الزعيم عبد الكريم، فضجّت القاعة بالتصفيق والهتاف للزّعيم الأوحد!

وربما كان هذا السَّببَ أيضاً في إبعاده الزعيمَ الركن هاشم عبد الجبار (أخاه في الرضاعة) قائدَ الفرقة الخامسة التي كانت تحمي بغداد، والذي غادر العراق إلى تشيكوسلوفاكيا ومات في أحد قطارات براغ مخموراً.

ولذا كان يُبعد المخلصين ولا سيَّما العقائديّين منهم ويقرِّب المصفّقين والطبّالين والانتهازيين والأعداء لإحداث ( موازنة ) يبقى بواسطتها في الحكم، ربما ليس طمعاً أو رغبةً في السلطة، ولكنّه يريد أن يُسعِدَ الفقراءَ من الشعب، فهو يحبهم ويحتاج إلى حبِّهم أيضاً، بل إنَّ حبَّهم دواء له. والحقيقة إنَّ ثورةَ 14 تموز كانت ثورةَ الفقراء أو جاءت لأجلهم. فهو لا(يثق) بأحد وحسب، بل لا يريد أيّـاً من رفاقه أو حاشيته أن يشاركه في هذا الحُـبِّ.

أما إذا لمع نجمُ أحدِ حاشيته أوكسب ثقةً وحباً، ولو محدوداً، من الشعب، فسرعان ما يهمشَّه (يجمّـده) أو يعفيه من المنصب. والواقع أنه، بسياسته غير الحكيمة هذه، أصبح في عزلة واقعياً. وقد أصاب عبد الكريم فرحان عندما تساءل في كتابه -حصاد ثورة ص 232- ” كيف يستطيع قاسم بعزلته وصراعه مع الشيوعيين، وحربه مع الأكراد، وتلاشي ولاء أجهزته أن يكسرَ شوكة الحزب (البعث- الكاتب) ويذله”. لذا كانت الدائرة الواحدة مزيجاً من طوائف عدة أو أحزاب متنافرة أو آراء متناقضة، لتتخاصم وليبقى هو فوق التيار. وكذا كانت الحال في كركوك.

من ذكريات كركوك 1960

بعد أن انقضت سنة التأجيل من الخدمة العسكرية، وقد وفّـرتُ خلالها من عملي في الصيدلة مبلغاً كافياً للدراسة خارج العراق، حصلت على قبول من أربع جامعات في دول مختلفة. والمكسب الكبير الذي حصل الشعب عليه من الثورة هو فتح الأبواب التي كان العهد الملكي قد أغلقها على العالم، وخصوصاً الدول الإشتراكية، فتنفس الناس نسيمَ الحرية.

وكان التنافس بين الدول غربيةً وشرقيةً في منح العراق المساعدات الاقتصادية والثقافية، من بينها الزمالات الدراسية. ولما قدمت طلباً للسفر، رُفض الطلب ومُنعتُ من السفر، ما لم أ ُؤَدّ خدمةَ الإحتياط. لذا كان عليّ الإنخراطُ في دورة الإحتياط التي بدأت في 15 تشرين الأول 1959 وشملت التدريب كجندي مدة أربعة أشهر والعمل سنة كملازم إحتياط. كانت الدورة تجمع خريجي كليات متنوعة. وكان في دورتنا الأستاذ جلال الطالباني ( رئيس الجمهورية حالياً )الذي كان عائداً من تشيكوسلوفاكيا (حسبما أتذكر) وكان سكرتيراً للزعيم الكردي الملا مصطفى البرزاني. ولما كانت أسِـرَّتُـنا في الثكنة مرتبةً حسب الحروف الهجائية، كان يفصل بيني وبينه الزميل (ثابت). وكان يقص علينا قصصاً مشوقة عن الدول الإشتراكية. بعد الإنتهاء من الدورة، حصلت القرعة، وكان حظّي الفرقةَ الثانية في المدينة الملتهبة حينذاك كركوك التي لم يمض على مجزرة كركوك المؤسفة فيها سوى أشهر معدودات. كركوك كانت مقرَّ الفرقة الثانية التي تشمل الشّـمال كُـلَّه. كان فيها مستشفى عسكري (مركز المدينة) ووحدة ميدان طبية فعالة خارج المدينة نُسِّبتُ إليها.

كان تشكيل وحدة الميدان الطبية موزائيكاً حقاً، فقد كان آمر الوحدة الرائد الطبيب كمال خاور (كردي)، وكان الملازمون الإحتياط : الدكتور غازي قطان (مسيحي عربي من الموصل)، الدكتور يوسف عبو (كلداني من بغداد)، طبيب الأسنان شامل عزيز (أرمني من كركوك)، الصيدلي بهجت عباس (عربي من الكاظمية)، ملازم أول قحطان – مدرّب (عربي/تركماني من كركوك)، ملازم أول طبيب دائم مظفر الحصاري (كردي من كركوك)، والرئيس (النقيب) عبد الكريم أحمد- استخبارات (غير معروف، فهو يتكلم العربية والكردية والتركية كأبنائها – من كركوك). ورغم الميول السياسية المتنافرة والقوميات المتباعدة والديانات المختلفة، كنا منسجمين جداً كأصدقاء وزملاء لم يحدث بيننا أي شقاق أو خصام. فكنا نجتمع في صيدلية الوحدة في فترات الراحة أثناء الدوام ونطلق النكات و(التصنيف) والأشعار السّـاخرة على من هم برتبة عسكرية عليا، فقد وجدنا زيادة الرتب يصحبها نقص في العقل، لأنهم لا يقرأون، فاستنتجنا ( التناسب العكسي) بينهما! فإذا رأينا ضابطاً ذا رتبة عالية يهرف، نقول إنه (تناسب عكسي). أما الجنود الذين يتجاوز عددهم المائتين فهم خليط من كرد وتركمان وعرب. وفي الأشهر الأخيرة إلتحق جنود عرب من جنوب العراق للخدمة في الوحدة، وكان بعضهم مصاباً بالبلهارزيا (البول الدموي)، ولذا عملتُ طلباً إلى مديرية الطبابة الرئيسية في بغداد لتجهيزي بقناني (فؤادين) المعروفة في علاج البلهارزيا، وكان هذا أول طلب لهذه المادة في تأريخ كركوك.

كنا نسكن في النادي العسكري، الملاصق لمستشفى كركوك العسكري، التي يتواجد فيها أطباء احتياط وثابتون، عرب، أكراد وتركمان وآشوريون وأرمن وغيرهم، ومن مختلف مدن العراق بمختلف الإتجاهات والميول. وفي المساء حيث تكون مدينة كركوك خالية من المارة، وحيث خطر الإغتيالات يسودها بعد حوادث كركوك المحزنة. نجلس في النادي العسكري، فرادى وجماعات، حول الموائد التي تنتصب عليها قناني المشروبات وأقداحها وصحون المزّة والطعام. ويشرع الضباط بالشَّراب حتى ساعة متأخرة من الليل، وعذرهم أنهم لا يستطيعون النوم إن لم يشربوا، وكنت أجلس مع جماعتي أشاركهم في أكل المزة دون الشراب، والواقع أنَّ عدم مشاركتي إياهم الشرابَ الذي يذهب بالعقول كان عدم استساغتي له، كما كان هذان البيتان في يرنّـان في خاطري دوماً:

يا سـيِّدي وأمـيرَ الـناسِ كـلِّـهمُ
قد جـار في حكمه من كان يسقيـني
إنّي سهـوتُ عن السّـاقي فصيَّرني
كما تـراني سليـبَ العـقل والدّيـن ِ

وكذلك

ولمّـا شربـناها ودبَّ دبـيـبُـها
إلى موضع الأسرار، قلتُ لها قفي
وقد يهفو اللسان بما يكون فيه حتفُ الإنسان.


كان الحديث دائماً يدور في السياسة والكوارث المتوقعة الذي ستجلبها سياسة عبد الكريم قاسم غير الحكيمة. فالفئات المضادّة ناشطة في كل أنحاء العراق، وهي تحظى بإسناد مباشر وغير مباشر منه. وكنا نسمع هنا في كركوك عن الاغتيالات التي تجري كل يوم مما جعل أحدنا، الدكتور سامي الحسني( حالياً في أميركا ) من مستشفى كركوك العسكري، وهو احتياط أيضاً وكان يشاركني غرفتي، أن يستنجد بأهله في بغداد ليتوسطوا في نقله إلى بغداد، وبعد أنْ تمَّ له ذلك، حسدناه كثيراً. وكمثل على الفوضى غيرِ المُسَيطَـرِ عليها، اغتيال مائة شخص وشخصين في مدينة الموصل وحدها في تموز 1960. ورغم كل شيء، لم يحرِّك الزعيم عبد الكريم قاسم ساكناً. كان الجو متوتراً جداً ومخيفاً حقاً. وفي أحد الأمسيات، حيث كان قائد الفرقة الزعيم محمود عبد الرزاق ( ابن خالة الزعيم، كما قيل) منعزلاً عن الضباط ويجلس وحيداً، وكان رجلاً بسيطاً ومسالماً، دخل الملازم الأول الطبيب مظفر الحصاري مرتعباً وتكلم مع القائد بضع دقائق وقفل عائداً إلى بيته، فهو من أهل كركوك. في اليوم التالي سألته عما جرى، فأخبرني، وكان يُسرّني في بعض الأمور، أنه بعد أن أغلق (عيادته أو مختبره) ركب سيارته المرسيدس الحمراء ذاهباً إلى بيته، وعند مروره بـ (القلعة) أ ُطلق عليه الرصاص، فداس دواسة البنزين بأكثر ما استطاع وهرب خارج المدينة. وعندما أخبر قائدَ الفرقة بالأمر، أخبره أنه لا يستطيع عملَ أيِّ شيء يحميه، وأنَّ لديه ثلاثة خيارات: أن يغيّر لون سيارته من حمراء إلى زرقاء مثلاً، أو أن يقدم طلباً لنقله من كركوك ويغادرها، أو أن يستقيل من الجيش فيريح ويستريح. في النهار كنت أعمل في صيدلية وحدة الميدان الطبية تتخللها فترات كثيرة من الراحة والثرثرة بين منتسبيها من الضباط، وكان يشاركنا بعض الأحيان بعض الضباط الكبار من الجيش الذين كانوا يجلسون معنا رغم الرتب العالية التي يحملونها على أكتافهم ويثرثرون معنا، وكان أبرزُهم وألطفُهم العقيد محمود الخفاف (كردي) آمـر الفوج الثاني الذي هو فوجنا، فقد كان إنساناً طيباً جداً ومثقفاً كنا نستثـنيه من (التناسب العكسي)، وكان يحسبنا إخواناً له ويحترمنا كذوي مهن طبية، وليس ضباطاً حقيقيين، وكان يقصّ علينا ذكرياتِه عن الاتحاد السوفييتي الذي زاره ضمن وفد عسكري حينذاك. كانت الفرقة الثانية تستقبل ضباطاً ذوي اتِّجاهات مختلفة يُرسَـلون إليها من بغداد للإلتحاق بها. فتجد البعثي والقومي والإسلامي والشيوعي. وهم أكثر تطرفاً، ربما لكثرة العدد، من ضباط وحدة الميدان الطبية. وكذلك كان يُنسَّب إليها ضباط بعثيون / قوميون من الموصل للـ (الموازنة)، فمثلاً، مرة كنّـا ثلاثةً نتناول طعام العشاء في النادي العسكري فجلس إلى مائدتنا ملازم أول مصلاوي، وفجأة قال بغضب ظاهر إنّ الستائر الموجودة تحمل نقوشاً حمراً فلو أستطيع تمزيقها لفعلتُ! فسأله واحد منّـا، إذا كنت لا تتحمّل اللونَ الأحمر، فلماذا تفضل الطماطا الحمراء؟ أجاب، آكلها بعد أن أقطعها تقطيعاً أو أطبخها وأهرسها. فتمتم آخر منا، وماذا عن دمك ؟ وأكمل ثالثنا بلطف، ربما دمه أزرق! فدمدم وغادرنا حانقاً. ومرة كنت في الصيدلية جالساً أتحدث مع بعض أطباء الوحدة، جاء نائب الضابط فيصل حمد (شيعي من الكوت)، ومسؤول استخبارات الوحدة، إلى الصيدلية هامساً في أذني بأن أستدعيَه عندما أكون وحيداً، وخرج. عندها علمت أنَّ وراء الأكمة ما وراءها. إعتذرت للأطباء وخرجت فوراً للقياه، فتمشينا في حديقة الوحدة، فأخذ يُخبرني بأنَّه كان يوم أمس لدى مدير الإستخبارات الذي بادره بالسؤال فيما إذا كان يعرفني، فأجبته، يقول فيصل، نعم. فأخرج قائمةً فيها أسماء ضباط ( شيوعيين) وكان اسمُك من بينهم مُـؤشَّراً عليه بكلمة ( أحمر خطر )، فوقف شعر رأسي لأني أعرفك مؤمناً وسيداً (علوياً)، والواقع أنني لم أكنْ، فأخبرته بأن هناك خطأ في الأمر وأنا أعرفه جيداً، يقول فيصل، فشطب اسمك من القائمة. فقلت لفيصل، أنت تعرف أني لست أحمرَ ولست خطراً، فكيف وصل اسمي لديه بهذا الشكل؟ قال لأنَّك (تمشي) مع شيوعيين. فسألته عن أسمائهم، فعدد بعضاً منها. فشكرته كثيراً على جميله. والواقع إنَّ الطائفية أفادتني، أو ربما كان كلامه زيفاً وأراد ( كشفي) أو التحبّب إليّ لكون الصيدلية تحت إمرتي أو لسبب آخرَ لا أعرفه. ومهما كان الأمر فقد كان مفيداً أنْ أخبرت الضباطَ المذكورةَ أسماؤهم ليأخذوا حذرهم، وعلمت أننا مراقَبون في عهد الجمهورية / الحرية التي لم تقض ِمن عمرها سوى عامين. والحقيقة أنّي كنت أشتري جريدة إتحاد الشعب ( الممنوعة ) بعد أوقات الدوام وأنا بلباس مدني من بائع صحف قرب (القلعة) وأ ُخفيها تحت الجاكيت وأدخل غرفتي في النادي العسكري وأدعو بعض الضباط لقراءتها، وكانت مقالات الكاتب السّـاخر الذي فقده العراق (أبو سعيد) العمودَ الفقري لها. ولم أكن شيوعياً. كانت كركـوك منفى الناشطين بمختلف ميولهم. فمنها يُوزَّعون على المناطق الشمالية ليكونوا (موزائيك) في صفوف الجيش، وهم بهذا، حسب تفكير القيادة في بغداد، يكونون (عيوناً) على بعضهم، فلا تُتاح لهم أيّ فرصة لتشكيل تكتلات (خطرة) على نظام بغداد، أو لزرع العناصر (المضادّة) بين صفوف أتباع الزعيم عبد الكريم قاسم للقيام بالمهام المطلوبة في اليوم الموعود. ولذا كانْ ثمة تمايز، فالمعارضة كانت في المناصب العليا والحساسة. ومن كان مع الزعيم تلقّى المصائب والويلات، وهذا شي غريب حقاً، فلم يحدث في تأريخ العراق أو العرب و لا يُمكن تصديقه أيضاً في تأريخ الدول الأخرى، أنَّ من يكون مع الحكومة ورئيسها يعاقب من قبل تلك الحكومة ورئيسها. فمثلاً، مدير الإستخبارات في الفرقة الثانية كان العقيد عبد الغني الراوي الذي ذكره هاني الفكيكي في كتابه (أوكار الهزيمة) بأنَّ (عبد السلام طلب إلى عبد الغني الراوي عند مغادرتنا القاعة التحضير لإعدام 150 ضابطاً شيوعياً، الأمر الذي رفضه الراوي بسبب قلة العدد وتواضعه). هذا الرجل الذي عيَّـنَـُه عبد الكريم قاسم في مناصب حسّـاسة رفيعة، هو الذي أمر بتنفيذ حكم الإعدام في عبد الكريم قاسم عندما كان رئيسَ المحكمة الصّورية التي حاكمته ورفاقَه (إعترافات عبد الغني الراوي المنشورة بخط يده في جريدة الوفاق اللندنية عدد 325 في 16 تموز 1998). فهل كان الزعيم عبد الكريم قاسم لا يعي ما كان يفعل ؟ أم الغرور، أم العناد أم قلة خبرة في السياسة أم مزيج من هؤلاء جميعاً؟ ومن المحتمل أنّـه شعر بالندم الشديد، ولاتَ حين مندمٍ، وهو يرى نفسَه مُحـاطاً بمنْ أتى لحفظ (التوازن)، وأعينهم تتطاير شرراً ونظرات الحقد منطلقة للفتك به. فقد كانت غلطةَ العمر المُمـيتة. وكيف يقول مثلاً من كان ذا خبرة ودهاء، حسبما ذكر عبد الكريم فرحان ” كلما اتفق المتآمرون جاءني واشٍ بأنبائهم ” – قالها قاسم يوم 6 كانون الثاني 1963 بمناسبة عيد الجيش في اللواء التاسع عشر- (حصاد ثورة ص 250)، مما جعل المتآمرين يفتحون أعينهم جيداً ويأخذون حذرهم.

ولما كان الجيش فوق الميول والإتجاهات، حسب قول الزعيم، كان كلّ من يقرأ جريدة (اتحاد الشعب) من العسكريين يعاقَب، والذي يقرأ الصحف المناوئة للشيوعيين، كالفجر الجديد والحرية والثورة وغيرها، لا يعاقَب! وشُكِّلت لجان لمحاكمة (المتهمين) بالقراءة، فكانت ازدواجية. و لكنَّ الحكم كان ازدواجياً أيضاً، فقد كان الحكم بيد الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه المغلوبين على أمرهم رسمياُ، ولكنَّ السيطرة كانت بيد البعثيين والقوميين وأنصارهم عملياً. فالإزدواجية كانت موجودة حتى في سياسة قاسم العسكرية، والجمهورية لما تُتِـمَّ سنتَها الثانية. فهي جزء من ذاتنا، فإذا فقدناها، ولسنا على فقدانها بقادرين، فكيف نحيا بدونها؟

ولكنَّ الخيالَ يجمح بي أحيانا،ً فأتصـوّر العراق بلا أحزاب تتصارع وتتفجر دماً، ولا ترى إلا مصلحتها الخاصة، بجيب مملوء وذات نرجسية، وأنَّ الجمهورية العربية و دول الجوار لم تتدخلْ في شؤون العراق، ولم تهبط فكرة القومية العربية وتُـلقي بظلالها الثقيلة القاتمة على أجواء العراق، وأنَّ عبد الكريم قاسم، وهو العفّ النزيه، تُـرك يعمل كما يهوى ويشاء لتعمير العراق وإسعاد شعبه، أو أنّ الزعيم قاسم أجرى الإنتخابات بعد السنة الأولى للثورة أو ما يقاربها، وأتتْ حكومة مدنية ديمقراطية يكون هو على رأسها، فهل سنكون الآن كما نحن عليه ؟ ولكنْ منْ يدري، فقد يكون انقلاب على تلك الحكومة الديمقراطية ما دام للجيش ذراع طويل وقوي متين.
عراق الكلمة