الرئيسية » الملف الشهري » ثورة 14 تموز في ذكراها الثامنة والأربعين

ثورة 14 تموز في ذكراها الثامنة والأربعين

كثيرة هي الثورات التي غيرت مسار التاريخ بما أحدثته من تغييرات جذرية طالت مختلف مناحي الحياة في البلد الذي وقعت فيه ، وأثرت إيجابياً على المحيط الجغرافي الملاصق لها والبعيد عنها ، واحتلت حيزها المناسب

في صفحات التاريخ قياساً بالمدد الزمنية طويلة كانت أم قصيرة ، نذكر من هذه الثورات ثورة تموز المجيدة التي وقعت في العراق صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958والتي لم تعمر سوى أربعة أعوام وبضعة أشهر .
لقد اشترك في هذه الثورة الجماهيرية الشعبية من مختلف التنظيمات ، والأحزاب التي كانت تتصدر المشهد السياسي العراقي في ذلك الوقت والتي تمثلت في الحزب الشيوعي العراقي ، والحزب الوطني الديمقراطي ، والحزب الديمقراطي الكردستاني ، وحزب الاستقلال القومي ، وقد استطاعت هذه الأحزاب مجتمعة أن تشكل جبهة سميت ( جبهة الاتحاد الوطني ) ولتنضم فيما بعد إلى ( اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار ) فتمكنت الكتلتان السياسية والعسكرية من إنجاح ثورة 14 تموز والقضاء على النظام الملكي .
لقد استطاعت هذه الثورة الشعبية أن تحقق إنجازات عظيمة في الفترة القصيرة من عمرها لصالح الشعب العراقي المقموع على مر التاريخ ، ومنذ أيام الأمويين والعباسيين وحتى يومنا هذا ، يأتي في صدارة هذه الإنجازات قانون الإصلاح الزراعي الذي كان ثورة اجتماعية في ذلك الوقت ، إذ حرر أكثر من ثلثي أبناء الشعب العراقي من العبودية ، وأحدث تغيراً جذرياً في علاقات الإنتاج التي كانت سائدة في ذلك الوقت ، ثم كان القانون العملاق رقم 80 على المستوى الاقتصادي الذي حرر الاقتصاد العراقي برمته من هيمنة شركات النفط بما استحوذ عليه من المكامن النفطية التي بلغت أكثر من 90% ، وهذا القانون هو الذي سارع بالقضاء على هذه الثورة وقصر عمرها ، فكانت عرضة للمؤامرات والانقلابات التي استطاعت النيل من الثورة يوم 8 شباط 1963 ، كما لم تنس هذه الثورة المرأة العراقية ، فأصدرت قانون الأحوال الشخصية الذي كان بحق ثورة اجتماعية رديفة لثورة تموز ومتممة لها ، حيث حرر نصف المجتمع العراقي من عبودية المجتمع الذكوري ، كما أنشأت الثورة آلاف المجمعات السكنية لإيواء الفقراء وذوي الدخول المحدودة على مستوى الوطن العراقي .
تبقى هذه الإنجازات ثانوية وصغيرة إذا ما قيست بالإنجاز الأهم والأكبر والذي كان سيجعل العراق حاضنة للديمقراطية وأمثولة في التعددية ، وتجربة يحتذى بها في المنطقة والعالم لو كتب لهذه الثورة العظيمة البقاء والاستمرارية حيث نص الدستور العراقي المؤقت وفي مادته الثالثة تحديداً على أن ( العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية ) وذلك بفضل مساهمة الضباط الأكراد في ثورة تموز حيث مثلوا في ذلك الوقت في ( مجلس السيادة ) العراقي المكون من ثلاثة أعضاء بعضو كردي وهو العقيد خالد النقشبندي ، وبوزير واحد في وزارة ضممت عشرة وزراء وهو بابا علي الشيخ محمود الحفيد ، كما حققت الثورة مزيداً من الإنجازات للشعب الكردي فجعلت العرب والكرد شركاء في الوطن مع الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكردي ضمن العراق ، كما أجازت الحزب الديمقراطي الكردستاني ، واعترفت ( بنورز ) عيداً قومياً للكرد لأول مرة في تاريخ العراق ، كما أصدرت الثورة ذلك القرار التاريخي وهو قرار العفو عن البار زانيين ودعوتهم للعودة إلى الوطن من الغربة حيث عاد البارزاني الخالد ومعه شقيقه الشيخ أحمد البارزاني وعدد كبير ممن رافقهم في رحلتهم الأسطورية تلك إلى الاتحاد السوفييتي ، واستقبلوا عند مصب شط العرب بهذا الهتاف الجماهيري ( أهلاً بإخواننا الأكراد، وعلى صخرة إتحاد العرب والأكراد والقوميات الأخرى تتحطم المؤامرات الاستعمارية ضد جمهوريتنا الفتية).
لم ترق هذه الإنجازات لأعداء الثورة فبدؤوا بالتآمر عليها في الداخل والخارج وتقاطعت الأطماع الخارجية مع الحقد الداخلي لأولئك الظلاميين الذين تربوا في مدارس القتل وتشربوا ثقافة الموت فكان التآمر الذي بلغ ذروته في ردة شباط 1963 ، ولنا في حديث المرحوم الملك حسين خير شاهد على دور المخابرات الأمريكية في انقلاب شباط ، وتصرح أمين سر حزب البعث السيد ( علي صالح السعدي ) الذي قال بصراحة ( أنهم قد جاؤوا إلى الحكم بقطار أمريكي ) ، كما يعزز هذه الناحية تصريح السيد عبد الرزاق النايف أحد المشاركين في انقلاب تموز 1968 الذي جاء بصدام ( إنني لا أنكر علاقتي بالأمريكان ، لكن الأمريكان هم الذين فرضوا عليّ التعاون مع البعثيين ) .
لم تستمر العلاقة جيدة مع الثورة الكردية حيث استطاع أعداء الشعب العراقي بعربه وكرده وسائر أقلياته ، في ذلك الوقت والممثلين بالقوى الأجنبية التي وقفت منذ البداية بالضد من الثورة لأنها قضت على مصالحهم فتوحدت تلك القوى التي استقطبت تيارات رجعية ورأسمالية وقومية وظلامية في جبهة واحدة هدفها إسقاط ثورة تموز، وتمكنت من توسيع الثغرات بين الطرفين ، والإساءة إلى العلاقة المتميزة بين قيادة الثورة والكرد ، وبين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي ، إلى أن استطاع هؤلاء إشعال النار بين الكرد وعبد الكريم قاسم ، مما أضعف من قوة الثورة وقوّى من جبهة الأعداء ، يقول الدكتور محمود عثمان بصراحة ووضوح : (أدى التصعيد في الوضع إلى الاقتتال المؤسف بين الطرفين والذي كان له دور في إضعاف الثورة وتهيئة الأرضية للمزيد من التآمر لإسقاطها، إضافة إلى أضراره البالغة بالكرد وبكردستان وبالعلاقات العربية-الكردية والوضع في العراق بشكل عام ) ، وفي نفس الاتجاه وبتحليل يقترب كثيراً من تحليل السيد محمود عثمان يقول السيد مسعود البارزاني : ( كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبدا لكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبدا لكريم قاسم. فمهما يقال عن هذا الرجل فإنه كان قائداً فذاً له فضل كبير يجب أن لا ننساه نحن الكرد أبداً. لا شك أنه كان منحازاً إلى طبقة الفقراء والكادحين وكان يكن كل الحب والتقدير للشعب الكردي وكان وطنياً يحب العراق والعراقيين وكان التعامل معه ممكناً لو أحسن التقدير) .
تقول المقولة الفرنسية : (يقوم بالثورة الشجعان ويموت فيها المجانين ويقطف ثمارها الجبناء ) ، نعم لقد كان عبد الكريم قاسم شجاعاً ، كما كان رجلاً مسالماً في نفس الوقت ، فقد بشر بمبادئ التسامح وهو في موقف القوي حيث كان يردد دائماً (عفا الله عما سلف ) و ( الرحمة فوق القانون ) ويشهد له أنه عفا حتى عن أولئك الذين حكموا بالإعدام وأدينوا باغتياله كعبد السلام عارف ، عندما كانت الجماهير الغاضبة تردد بعصبية ( اعدم ، اعدم ) كان يقول لهم ( اطلبوا أي شيء إلا هذا ، اطلبوا مني بناء المستشفيات والمدارس ) .
أجل لقد قطف ثمارها الجبناء ثم أعدموا الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه في مبنى الإذاعة والتلفزيون وفي محاكمة صورية استغرقت ساعات ، ولم يتجرؤوأ على تسليم جثته إلى أهله خوفاً من الجماهير الغاضبة وهي تهتف ( ماكو زعيم إلا كريم ) وألقوا بجثته في نهر دجلة حيث لم يمنوا عليه بمترين فقط من مساحة الوطن العراقي الشاسع ليوارى الثرى فيهما ، وهو واحد من ثلاثة ليست لهم قبور في العراق .
بقي أن نعلم أنهم عندما فتشوا جيوبه بعد إعدامه وجدوا في جيبه وصلاً بآخر إيجار شهري دفعه ثمناً لأجرة البيت الذي يسكنه .
لم يجمع عبد الكريم قاسم مالاً ، ولم يملك عقارات وقصوراً ، كما لم يملك قبراً ، ولم يحظ بمحاكمة عادلة كما عومل صدام وعلى مدى أربعين جلسة ، وآثر أن يسلم البلد للانقلابيين دون قتال ، على عكس الذين جاؤوا بعده مفضلاً التضحية بنفسه على قيام حرب أهلية طاحنة بين المتظاهرين والانقلابيين ، وهم الذين يقولون الآن ( لن نسلم العراق إلا خراباً ) .
في محاكمة عبد الكريم قاسم وإعدامه ، يقول القيادي البعثي هاني الفكيكي في كتابه ( أوكار الهزيمة – تجربتي في حزب البعث العراقي :
( … بعد دقائق اختلى أعضاء المكتب العسكري وممثلو القيادة القطرية وعارف ، فأصدروا دون ظهور أي رأي مخالف حكماً بإعدام قاسم ورفاقه وتنفيذه فوراً ، وعندما أبلغ قاسم بالقرار أعاد مطالبته بمحاكمة أصولية طاعناً في الحكم … ) ، وعندما كرر قاسم المطالبة بمحكمة أصولية وللمرة الثانية ( بلغ بأن محاكمته تمت وأن ( المجلس الوطني لقيادة الثورة حكم عليه بالإعدام ) (…) عندها أيقن أنه مواجه الموت ، ويئس من محاولاته كسب الوقت أو محاولات إنقاذه ، فقال : ( إن التاريخ سيخلد اسمي ، إنني قاومت الاستعمار ، وبنيت للفقراء خمسة وثلاثين ألف دار خلال عمر الثورة ، وإنني ذاهب ولكنني لا أدري ماذا سيحصل من بعدي ) وعندما حاول الضباط أن يعصبوا عينيه وعيون رفاقه ، رفض ذلك قائلاً : ( بدون جفية (منديل) أنا قابل بدون جفية ) أجل لقد أراد عبد الكريم قاسم أن يشاهد الجريمة الممسرحة إلى نهايتها ، ثم انطلق الرصاص فأسدل الستار على نهاية ثورة وطنية شعبية ، وزعيم حاول أن يتفانى في خدمة شعبه ووطنه .

باخرة الكورد