الرئيسية » التاريخ » بين العمادية والبصرة دراسة في وثائق جديدة

بين العمادية والبصرة دراسة في وثائق جديدة

على الرغم من الغموض الذي يحيط بالحقبة الأولى من تاريخ إمارة بهدينان، فإن من المؤكد أن هذه الإمارة استطاعت، خلال وقت قصير نسبياً، يبلغ مدة قرن واحد، أن تشكل إحدى القوى السياسية والعسكرية المهمة في المنطقة، فمناعة جبالها، والموقع الفريد لعاصمتها العمادية، وقوة التحالفات القبلية الساندة لها، والحكمة السياسية التي تحلى بها أمراؤها، جعلتها تحوز احترام الدول المجاورة، فحافظت من ثم على استقلالها، على الرغم من وجودها بين قوى سياسية وعسكرية قوية، وليس أدل على هذا الاستقلال من اتخاذ أمرائها لقب (سلطان)، وهو لقب سياسي له مدلولاته التاريخية التي ترقى إلى عهد استخدامه أول مرة في عصر الدولة السلجوقية، وكان ضرب النقود باسم هؤلاء السلاطين يمثل رمزاً آخر على سيادتها. وفي القرن العاشر للهجرة (16م) بلغت الإمارة أقصى اتساعها وقوتها، ففي عهد السلطان حسن، وابنه السلطان حسين، تم بسط سيادتها على مجموعة القلاع المنيعة في إقليمها، ومن أبرزها عقره والشوش ودهوك وزاخو، وأُنهي حُكم الأسر الصغيرة الحاكمة في تلك القلاع، وتولاها أمراء من البيت الحاكم البهديناني، ودعم استقلال الإمارة بجيش قوى قوامه تحالف قبلي متين، وكان انضمام الإمارة إلى الدولة العثمانية، يقوم على أساس أن تحتفظ بكل ما حققته من انجازات سياسية، مع تقديم الدعم العسكري للجانب العثماني في صراعه مع خصومه. وهو ما يشبه أن يكون تحالفاً بين كيانين سياسيين أكثر منه أن يكون مجرد اندماج، أو ذوبان، في الكيان الجديد. ولقد اعتمد العثمانيون على قوة الإمارة في ترتيب أوضاع العراق، بعد أن فرضوا هيمنتهم عليه، ومن ثم كان دورهم في السياسة العثمانية في العراق دوراً بارزاً ومؤثراً.وكان العراق، على الرغم من دخوله في نطاق السيطرة العثمانية في عصر السلطان سليمان القانوني، يعيش في مرحلة انتقال حرجة من عهد تسوده الفوضى إلى عهد الإدارة المنظمة، وكانت المدن، حيث تستقر السلطة ومؤسساتها، غير قادرة، في ظل تلك الظروف، في أن تؤدي دورها في السيطرة على مناطقها، وظلت القبائل تشكل الخطر الأكبر في محاصرتها وقطع طرقها والسيطرة على مقدراتها…

ويحفل الأرشيف العثماني الملحق برئاسة الوزراء، بوثائق مهمة تكشف عن جسامة المتغيرات التي كانت تمر بالعراق في ذلك العهد، ولقد وقفنا على وثائق من هذا الأرشيف الثر تكشف عن الدور العسكري الذي أداه أمراء بهدينان في توطيد الأمور المضطرة في البصرة، وفي الواقع فإن هذه الوثائق مهمة من جانبين، فهي توضح ما كان يجري في البصرة من حوادث لا نجد بين أيدينا من المصادر الأخرى ما يشير إليها، فضلاً عن أن يقدم تفصيلات عنها، وهي من ناحية أخرى تلقي ضوءاً فريداً عن دور إمارة بهدينان في الحوادث، وتوجد هذه الوثائق في الدفاتر المسماة (دفاتر مهمة)، وهي سجلات كانت تدون فيها نصوص الأوامر الرسمية الصادرة إلى المسؤولين في الولايات العثمانية، فالوثيقة المؤرخة في 13 ذي القعدة سنة 972 هـ/1564م (الدفتر 6 الرقم 1269) تشير إلى كتاب من أمير أمراء بغداد إلى السلطان جاء فيه أن اتفاقاً قد جرى بين الأعراب المحاصرين لقلعة البصرة والفرنك، وأن عساكر بغداد تسهم في الدفاع عنها، ولا مجال لإرسال قوات عسكرية أخرى إليها، وحركات الأعراب هذه هي المعروفة في تاريخ العراق بثورة ابن عليان، وكان يتخذ من منطقة الأهوار قاعدة لعملياته. وتفاجئنا الوثيقة المؤرخة في 13 ذي القعدة (الدفتر 6 الرقم 1270) بأول ظهور لقوات أمير بهدينان في هذه الأحداث السريعة، فهي تتضمن أمراً سلطانياً إلى من تسميه (حاكم العمادية سلطان حسين بك) ، فضلاً عن أمير أمراء كل من ديار بكر وشهرزو (وهي تسمية أخرى لشهرزور، وكانت ولاية عثمانية عهد ذاك)، بتزويد البصرة بالعساكر والعتاد من خيرة قواتهم لرد عدوان الأعراب المتمردين عنها. وحسين هذا هو السلطان حسين بن السلطان حسن أمير بهدينان (940- 981هـ/1533-1573م) الذي بلغت الإمارة في عهده ذروة قوتها واتساعها وحضارتها. وإشارة بلقب (سلطان) تدل على اعتراف السلطان العثماني بوجود سلطان آخر في دولته، وهو أمر لم يحدث لغير السلطان حسين البهديناني مطلقاً، ووصف السلطان له في وثائق أخرى (الدفتر 7 الرقم 2053) بعبارة (دامت معاليه) يشير إلى أهمية موقعه في الدولة العثمانية، وتميزه عن سائر الأمراء والولاة. وإمارة بهدينان هي الإمارة الوحيدة ذات الاستقلال الذاتي التي كان تكلف بمثل هذا الأمر العسكري. ففي الوثيقة المؤرخة في غرة ذي الحجة 972هـ (الدفتر 5 الرقم 1967) نقرأ أن أمراً قد صدر إلى (حاكم العمادية سلطان حسين بك) يطلب منه أن يتوجه بنفسه مع رجاله إلى شهرزول، ليكون في حراستها والدفاع عنها وتدوير شؤونها ريثما يعود إليها أميرها الموجود في البصرة. وهكذا صار على الإمارة أن تحرك قواتها باتجاهين معاً، فجيش يتجه إلى البصرة للحرب هناك، وجيش آخر يتقدم إلى مركز ولاية شهرزور(وهي في هذا العصر كالعنبر) ليسيطر عليها. وكانت الوثيقة المؤرخة في 15 محرم سنة 973هـ (الدفتر رقم 5 الرقم 66) قد أوضحت جانباً من مشاكل البصرة في ذلك الظرف الدقيق الذي قدر لها أن تعيشه، فهي، كما تصرح الوثيقة، تعاني من مظالم سابقة للولاة العثمانيين الذين تولوها في الحقبة المبكرة من عهد الدولة العثمانية فيها، فالأمر الذي تتضمنه الوثيقة، الموجه إلى أمير أمراء البصرة، وهو واليها، يشير إلى أن الأمراء في الولاية قبله ظلموا الناس واعتدوا على حقوقهم، ومن أجل ذلك أشرفت الولاية على الخراب والدمار، ومن ثم فإن على الجميع الاهتمام بأعمالهم، وإزالة جميع البدع المستحدثة في تحصيل الرسوم والضرائب التي تنطوي على الظلم والاعتداء. ويظهر أن تدهور أحوال البصرة، كما تعترف به الوثيقة، هو الذي أدى إلى هجوم قبائل من منطقة الجزائر (الأهوار) عليها، ومحاصرتهم إياها، وجاءت الوثيقة المؤرخة في19 محرم سنة 973هـ/ لتتضمن معلومات مصدرها تقرير رفعه بعض الرجال المكلفين باستطلاع الأمور(وهم رجال الاستخبارات العسكرية في يومنا هذا) يفيد (بهزيمة الأعراب وتراجعهم عن البصرة، واندفع بذلك الخوف والخطر). وبعد أربعة أيام فقط، ينوه الأمر الصادر في 20 محرم سنة 973هـ بمحاصرة فاشلة سعى إلى فرضها على البصرة (الأعراب المتمردون) ويدعو أمير أمراء بغداد هذه المرة، وأمير أمراء البصرة وشهرزول إلى اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على تمردهم. وتشير الوثيقة المؤرخة في محرم 973هـ إلى أن كتاباً صدر من أمير أمراء شهرزور إلى السلطان الوالي يفيد بأنه توجه إلى البصرة وأرسل بعض رجاله للاستطلاع فعادوا ليخبروا بهزيمة الأعراب وتراجعهم عن البصرة، وتتضمن الوثيقة أمر السلطان بوجوب اتخاذ الحيطة والحذر من العدو (لئلا تؤخذ الممالك المحروسة على حين غفلة)، ويظهر أن الدولة العثمانية كانت تخشى من تعاون الموظفين والجنود العرب في البصرة مع قوى القبائل التي سبق لها الاستيلاء عليها، ويحذر الأمر الصادر في التاريخ نفسه (دفتر رقم 5 رقم 25) من مغبة (بيع الحديد والرصاص وآلات الحرب والذخائر لجزائر العراق والبرد الخارجة من البصرة) وواضح أن سبب هذا التغيير هو الحيلولة دون إفادة القبائل هناك من تلك الذخائر في سعيها للاستيلاء على المدينة المتعبة. وفي الوثيقة المؤرخة في 19 ربيع الأول من السنة نفسها تفصيلات جديدة، فهي تتضمن معلومات من أمير أمراء البصرة يفيد بأن ألد أعداء الدولة العلية هم (طائفة مغاوير من أعراب جزائر العراق) وأنه (لا يتم الاعتداء على البصرة إلاّ بهم وبمساعدتهم). وتقرر الوثيقة صعوبة العمل على التخلص من خطرهم بسبب أن بلادهم (محاصرة بالماء من كل جانب). . وبلغ من خطورة الوضع في البصرة أننا نقرأ في الوثيقة المؤرخة 26 ربيع الأول من السنة نفسها، أن السلطان وجه أمره بإنشاء السفن في بيره جك، في أعلى الفرات ، من أجل استخدامها في الحرب على أعراب الجزائر. وينص الأمر المؤرخ في 28 جمادى الآخرة من سنة 973هـ (الدفتر 5 الرقم 831) على تلبية بعض طلبات أمير أمراء البصرة بشأن (تزويد البصرة بالعساكر والمهمات)، ومن المتيقن أنه يشير إلى أولئك الجنود الذين كان أغلبهم من شهرزور، ومنهم جنود (كردستانيون) كما أشارت الوثيقة السابقة. وواضح أن مشكلة البصرة استمرت قائمة لعدة أشهر من تلك السنة، فالوثيقة المؤرخة في 19 رجب (دفتر5 الرقم 348) تتضمن تقريراً من أمير أمراء البصرة يشير إلى أن الأعراب (يعدون العدة للاعتداء على البصرة) ولذا فإن أمراً صدر إلى (أمير أمراء شهرزول) بدعمه. وفي 28 رجب صدر أمر سلطاني (دفتر 5 الرقم 1024) يطلب فيه أمير أمراء بغداد (باتخاذ التدابير العسكرية الواجب اتباعها) لرد هجوم الأعراب على البصرة. وهنا يبرز دور قوات إمارة بهدينان مرة أخرى في القضاء على هذه الاضطرابات، فنحن نقرأ في وثيقة أخرى مؤرخة في 28 رجب نفسه (دفتر 5 الرقم1025) أن أمراً صدر إلى كل من أمير أمراء شهرزول وديار بكر والبصرة و(سلطان حسين بك حاكم العمادية) يقضي (باتخاذ التدابير العسكرية) لرد (عدوان أعراب الجزائر)، مما يؤكد أن دور أمير بهدينان لم يعد يقتصر على المحافظة على ولاية شهرزور في مدة غياب أمير أمرائها بقواته عنها للمشاركة في العمليات العسكرية في البصرة، وإنما أصبح أكثر اقتراباً وأشد فاعلية في الحوادث، فهي هنا في البصرة نفسها، وصار يتوجب عليها أن تفرض ثقلها في الدفاع عن المدينة مباشرة. وتشير الوثيقة المؤرخة في 15 رمضان من السنة نفسها (الدفتر 5 الرقم 1361) إلى أن تقريراً من البصرة ينوه بمن سماهم (فتيان الكورد) بوصفهم من القوات الموجودة في البصرة آنذاك، ويشير الأمر الذي تتضمنه تلك الوثيقة إلى ضرورة (متابعة الجهود والمساعي من أجل إعمار البلاد وترفيه العباد). ويظهر أن قوات إمارة بهدينان اكتسبت من الخبرة في حروب الاهوار في جنوب العراق، ما دفع السلطان العثماني إلى الاعتماد عليها مرة أخرى في حرب مماثلة في المنطقة نفسها، ففي سنة 1001هـ/ جمع حاكم ديسفول والحويزة السيد مبارك، وهو أحد أمراء المشعشعيين هناك، عدداً ممن تسميهم الوثيقة المؤرخة في الأول من محرم في تلك السنة (الدفتر 8 الرقم 60) (الأشقياء وقطاع الطرق) بهدف (الاعتداء على التجار وأبناء السبيل في طرق بغداد والبصرة) وتتضمن الوثيقة طلباً إلى (حاكم العمادية) بـ(الاشتراك في الحملة العسكرية على المفسد مبارك) التي كان يعدها والي بغداد، وأن عليه (الحضور إليه مع رجاله وأتباعه وعشائره) والعمل تحت قيادته في القضاء على مبارك المذكور. ولا تسمي الوثيقة حاكم العمادية هذا، ولاشك في أنه سعيد خان بك بن يوسف خان بك (1093-1111هـ/1682- 1699م)، ولابد لنا أن نتصور صعوبة مشاركة قوات أكثرها من فرسان مدربين على حروب جبلية، وفي جو بارد غالباً، جاف، في حروب تجري في منطقة أهوار ومستنقعات، حيث يكثر القصب، وترتفع درجة الحرارة، وتزداد نسبة الرطوبة إلى حد كبير، ولا شك في تلك القوات كانت قد اكتسبت من حروب البصرة التي أشرنا إليها خبرات قتالية جعلها تتمكن من التكيف مع البيئة الجديدة المختلفة عن بيئتها طبيعة ومناخاً. وهكذا تكشف الوثائق العثمانية عن جوانب مهمة من تاريخ الإمارات الكوردية، وتفصيلات جديدة عن العلاقات التي وصلت بينها وأجزاء من العراق، مما بدأت تنسج خيوطها ظروف ذلك العصر ومستجداته.
شفق