الرئيسية » الآداب » قصص الأطفال وتجارب كوردية

قصص الأطفال وتجارب كوردية

تعدُّ مرحلة الطفولة أهم المراحل في تكوين الشخصية الإنسانية , حيث تتبلور فيها السمات الأساسية لما ستكون عليه هذه الشخصية مستقبلاً , لذا فقد أزداد الاهتمام بتربية الطفل تربية متكاملة من جميع النواحي “العقلية والاجتماعية والانفعالية ..وبرزت القصة الطفلية كأحد أهم الأساليب المهمة ضمن إطار التربية الثقافية للطفل , وذلك لانفرادها بصفات مميزة عن سائر أنواع الفنون الأدبية الأخرى , فالقصة تمتلك المقدرة الفاعلة للتأثير في مشاعر وأفكار الطفل ، وتحمل الكثير من عناصر الإثارة والإغراء له , كما إنها تنسجم بسهولة مع الطبيعة التي يولد بها , فالطفولة كتلة من الحيوية والحركة ، وعالم مليء بالخيال والأحلام ومجموعة من الرغبات في البحث والاكتشاف ، والانبهار بالحكايات والقصص والشخصيات المثالية ، والوله بالمغامرة والرحلات وحكايا الحيوانات ، وحبٍ للتقليد والمحاكاة، وتحمل القصة الكثير من تلك الخصائص التي تستطيع بها تلبية رغائب ونزعات الطفل والتآلف مع خصوصية الطفولة وانفعالاتها المختلفة ، ولذلك فقد كانت القصة أقرب أنواع أدب الأطفال إلى نفوسهم , واستأثرت نسبة التأليف القصصي بالمرتبة الأولى بين الأنواع الأدبية الموجّهة للطفل ويمكن تعريف قصة الأطفال بأنها : وسيلة تربوية , تعليمية , أخلاقية , تعمل على تطوير مهارات الطفل في القراءة والملاحظة والمقدرة على التعبير وتساهم في ترسيخ القيم الإيجابية لديه , وتأتي لإشباع العديد من حاجاته الفكرية والنفسية ، فتستجيب لميوله في المغامرة والمعرفة , وتعمل على توسيع آفاق خياله ومدارات تفكيره وفي إثراء حصيلته اللغوية , وإكسابه المعارف والخبرات في الكثير من ميادين العلوم الإنسانية…

كما أنها تهدف إلى تهذيب انفعالات الطفل ومشاعره ، وفي رفع مستوى ذائقته الفنية وتنمية شخصيته المستقلة .وتتمثل عناصر القصة في الموضوع والشخصيات والحبكة القصصية ومن أنواعها : القصة الواقعية والخيالية “قصص الخيال العلمي والرحلات الخيالية” وهناك أيضاً القصة البطولية والتاريخية والتراثية وقصص الأساطير , ولكي تحقق القصة الطفلية أهدافها كان لابدّ لها من تحقّيق معايير محدّدة تصوغ القصة الناجحة وبالتالي تُبلّغ الغاية المرجوّة منها .فالقصة شكلٌ ومضمون , قيمة وتذوّق , المهم فيها أن تتغلب صفاتها الجوهرية على الصفات الشكلية , والقصة الجيدة هي التي تحمل قيمةً إنسانية وتُرسخ في ذهن الطفل مبادئ إيجابية تدعو إلى المحبة والخير والجمال ، عبر إيحاءات ضمنية , مناسبة لمستوى النضج العقلي والمعرفي والانفعالي للأطفال . ويأتي التشويق كأحد أهم خصائص القصة الناجحة بحيث تُدار أحداثها بطرقٍ تشوّق الأطفال لمتابعة قراءتها , وتستطيع مقاومة الملل الذي يسطو على نفوسهم سريعاً من خلال الحبكة المُحكمة , وتنوّع الأحداث والشخصيات فيها , فتمتزج فيها الواقعية مع الخيال بنسب مدروسة وتُستثار فيها ملكات الطفل العقلية . وبعد عنصر التشويق يأتي الاهتمام بالشخصية في القصة كشرط آخر من شروط نجاحها ، حيث إنها تلعب دوراً كبيراً في التأثير على الطفل , لأن طبيعته تهوى تقمص وتقليد الشخصيات وفي ذلك إرضاء لميوله , وإشباع لأهوائه ، وقد تكون شخصية البطل “الشخصية الأهم في القصة الطفلية” طفلاً , أو حيواناً أو أن تكون إحدى مظاهر الطبيعة , كأن تكون “حمامة أو قطة أو سلحفاة أو نهراً أو شجرة أو سحابة” ، المهم أن يكون هاجسها القيمة السامية التي تحققها بعد البحث والمغامرة , والغاية الإيجابية التي تبلغها في النهاية ، وللقصص التي تستخدم الأنسنة “أي أنسنة إحدى الحيوانات أو أخذ مظاهر الطبيعة , حيث تتحرك في بيئة حيّة تؤثرّ وتتأثر ضمن محيطها” إقبالاً كبيراً من قبل جموع الأطفال حيث يجدوا فيها متعة كبيرة وسعادة بالغة ، ولا ننسى إن تنوّع الشخصيات في القصة يعطيها تشويقاً أكثر ويبدّد السكون والرتابة في حياة الطفل ، ويبقى من شروط القصة أن تكون لغتها مناسبة ومبسطة , وقريبة من الطفل وأن يكون أسلوبها نقيّاً واضحاً , خالياً من الشوائب , وأن تكون الأفكار مترابطة والعبارات رشيقة , والتراكيب سلسلة , وأن تحتوي مجموعة من الصور البديعة , تجذب الطفل للقراءة وتدفعه للاستعانة بخياله , وأن تكون بعيدةً عن التعقيد والغموض , لا تعتمد الخطابة المباشرة والتوجيه المقصود . كما لا ننسى أن الرسوم المرافقة للقصة تلعب دوراً أساسياً في إعطائها مساحة تعبير أوضح , وفي إضفاء التكامل على عناصرها . أما الموضوعات التي يمكن أن تتناولها قصة الطفل فتشمل جميع اهتمامات الطفل ، وتصوّر مجمل العناصر التي تحتويها بيئته ، ويعدُّ الخيال من أهم الموضوعات التي تشغل هذا النوع من القصص حيث أن الخيال يمنح الطفل مساحات أوسع وفضاءات أكثر رحابة ، يحلّق فيها ويتنقل بين العوالم المختلفة وهو جالس في مكانه , وأهم أشكال الخيال في القصة : الخيال العلمي الذي ينمي القدرات العقلية للطفل ويسمح بنبوغ ملكاته الفكرية وتروي لديه المقدرة على التفكير والمحاكمة والاستنتاج . إلا أنه يتوجب الحذر في استخدام الخيال كونه سلاحٌ ذو حدّين ، تقول الكاتبة عفاف لطف الله في ذلك: ( ولكن ما يحذر منه المبالغة الشديدة في الأحداث أو تضخيم الشخصيات على نحو يبعد الطفل عن الواقع فيصبح عاجزاً عن تمييز الحقائق من الخرافة ….. وتتابع قائلةً: كما يُحذر أيضاً من استخدام العنف ألبدني والرعب والجريمة , بل من المفيد احتضان دافئ للشخصيات وإيجاد خلفية حنونة للأحداث ، مما يسهل دخول العبرة ووصول الرسالة إلى قلب الطفل ) ولا ضير في الاعتماد على مصادر مناسبة في كتابة قصص الأطفال , كقصص الأدب الشعبي وقصص التراث والأساطير وسير الأبطال والأدباء وكتب التاريخ وقصص وتمثيليات الكبار بعد تحويلها وإعادة صياغتها كي تصبح أكثر مواءمة للأطفال , كما يمكن للكاتب أن يعتمد مبدأ التحويل , ويصلح لذلك ( التحويل عن خبر أو عن مثل أو عن حدث تاريخي أو عن مقالة أو شعر , ويستطيع هنا أن يحذف أو يضيف بحيث تصبح القصة أكثر مناسبة للأطفال , جميلة بأسلوبها ورشيقة بكلماتها , مميزة بالنكهة اللطيفة من غير تطويل أو قطع) ، وليس بالضرورة ذكر تفاصيل قد لا تهم الطفل كثيراً أثناء التحويل كذكر التاريخ أو الزمان والمكان أو الأسماء .وكما هي مكانة القصة من أدب الأطفال عند سائر الشعوب , كذلك هي بالنسبة لهذا التخصص عند الكورد , فقد استأثرت بالموقع الريادي فيه سواءً في نتاج الأدب الشعبي أو من خلال التجارب المنهجية التي تمثلت بشكل خاص في الصحافة الطفلية , رغم أن التجارب الشعرية المنجزة تجاوزت التجارب القصصية كإصدارات , وهو أمر يعكس قلة الاهتمام بالنوع الأكثر انسجاماً مع طبيعة الطفل وبأدب الأطفال عموماً , وقد كان الأمير جلادت بدرخان أحد أهم روّاد الكتابة في مجال القصة وكان ” çîrok bêj القاص” أحد ألقابه , ورغم أن في عهده كان الاهتمام بأدب الأطفال في بداياته إلا أنه أدرك تلك الأهمية مبكراً وكتب للطفل قصصاً في غاية الروعة والجمال , من حيث المضمون والأسلوب , حيث المغزى الإنساني , والحبكة الرائعة , واللغة النقية والصور الواضحة , كما قدم الكثير من الكتّاب قصصاً رائعة للأطفال في الكثير من الدوريات التي كانت تصدر آنذاك أمثال الدكتور “كاميران بدرخان , ومصطفى أحمد بوطي وبريندار وغيرهم” كما يعدُّ الكاتب “شاكر فتاح” من روّاد القصة الطفلية الكردية ومن أهم التربويين الكورد الذين أولوا جلَّ , اهتمامهم لتربية الأطفال وسعوا إلى تطوير الأدب الخاص بهم حتى أنه شبه “بالكيلاني” عند العرب له : “صديق الأطفال” مجموعة قصصية عن العربية , و”تحت الشمس” الصادر عام 1947 الذي ينتقد فيه النظام الأبوي والديني القديم في المجتمع الكردي , وله أيضاً “الأعلام البارزة” عام 1948 , يصوُر فيه شخصيات علمية وفنية متميزة ساهموا في إثراء الحضارة الإنسانية , مصاغة على شكل مقالات أدبية رائعة , امتازت لغته بالبساطة والعذوبة والخروج عن أساليب التعبير التقليدية إن معرفتنا بالأنواع التي تعاني من النقص , لابد أن يدفع للمزيد من العمل في ميادينها فإذا أردنا طفولة سليمة علينا الاهتمام بالأدب الذي يتناولها , وإن أردنا أدب الأطفال يفي بأغراضه علينا الاستثمار جيداً في القصة .كما يمكن الاستفادة من مبدأ التوظيف ومبدأ التحويل أكثر ما يمكن في القصة , فهناك الحوادث التاريخية والأمثال والنوادر بشكل غزير يمكن توظيفها , كما أن هناك قصصاً تراثية كثيرة التي يمكن تحويلها إلى قصص مبسطة تناسب الأطفال , وقد قمت بترجمة إحدى القصص المنشورة في مجلة “هوار”العدد /24 ص 8/ وهي بعنوان ( `ûk û fîl العصفور والفيل ) للكاتب “مصطفى أحمد بوطي” , وهذا نص الترجمة : يحكى أنه كان يعيش في غابةٍ بعيدة , عصفورً ودودً , محبً لكل حيوانات الغابة , وكان يُمضي معظم يومه في تأمين ما تحتاجها صغاره من طعام , وكانوا يسكنون عشّاً صغيراً بجانب ينبوعٍ تتدفق منه المياه بغزارة , وأثناء انشغاله بعمله اليومي في إرضاء غريزة الجوع عند صغاره من الفراخ , مرّ بذلك العش فيلً ضخمً , كان يتردّد مراراً لنبع الماء ، فاستوقفته أصوات تلك الفراخ المتلهفة لقدوم الأمّ الرؤوم , ومن دون أن يلامس قلبه وازع شفقة , ما كان من الفيل إلا أن هوى بقدمه الكبيرة على العش بمن فيه , ثم تابع طريقه إلى النبع وكأنَّ شيئاً لم يكن , وبعد فترة قصيرة عاد العصفور ليتفقد فراخه , محمّلاً بما يُسكت به جوعهم ويسدَّ به رمقهم , لكن دهشته كانت كبيرة , وحزنه كان عميقاً عندما رأى آثار ما قامت به قدم الفيل , وبكى بكاءً طويلاً على ذلك , وما أن استعاد بعضاً من عزيمته حتى قصد الفيل , يملؤه الغضب والاحتجاج , فوقف على رأسه وأردف قائلاً : أيها الملك الجبار لماذا فعلت بصغاري ما فعلت ؟ لماذا تركت قلبي وحيداً يعاني قسوة الألم ولوعة الحرمان ؟ وهل كان إيذائي لك كبيراً حتى قمت بفعلتك وقد مضى لنا زمنٌ طويلٌ ونحن نعيش معاً في الغابة ؟ هل لأنك رأيتني ضعيفاً منكسراً حتى سوّلت لك نفسك بفعل ما فعلت . أجاب الفيل : متكبراً فخوراً بما صنع : نعم هو ما ذكرت , وقد أصبت في ذلك كبد الحقيقة , فرجع العصفور أكثر غضباً وإصراراً على الثأر لصغاره “برغم ضعفه” , وقصد جمهرة العصافير يشكو لهم هول مصابه , ويبثّ فيهم عِظم بلائه , ثم طلب مساعدته فيما عزم عليه من أمر , فأبدت الطيور مجتمعةً موافقتها على طلب العصفور المسكين , ثم حطّت جميعها على رأس الفيل , وبدأت تنقر في عينيه حتى أفقدته البصر , بقي الفيل على حالته متألماً متأوهاً , يلهو فوق رأسه النمل والذباب , حتى كاد الجوع والعطش أن يفتكا به لكن ذلك لم يشفِ غليل العصفور فطار إلى الوادي الذي تملؤه الضفادع , وراح يكرر سرد مأساته وما لاقته صغاره جراء فعل الفيل المغرور , أبدت الضفادع تعاطفها معه , ولكن ماذا بإمكانها فعله أمام ضخامة الفيل وكِبر جثته ؟ هكذا تساءلت الضفادع , فأشار عليهم العصفور أن يبدؤوا بالنقيق بمحاذاة الحفرة الكبيرة , وبالفعل قامت الضفادع بما طلب إليهم العصفور , ولما سمع الفيل تلك الأصوات التي استثارت فيه التوق إلى الماء حيث الأكل والشرب , تحرّك مسرعاً نحو مصدر الصوت ظاناً بوجود الماء والخضرة , إلا أنه كان مخطئاً في ظنه , فوقع في الحفرة على عقبيه ليلقى نتيجة سوء عمله , وهنا اتجه العصفور نحو الفيل , حطَّ فوق رأسه من جديد وخاطبه قائلاً : أيها الحيوان القويّ . . يا صاحب العزم والجلَد , أرأيت إلى أي هاوية قادك غرورك , أرأيت أيَّ مصير كان ينتظرك , حرّك جناحيه ثم تابع حديثه : لقد فعلت بي ما فعلت وأنا الضعيف الذي استقويت عليه يوماً , واعتديت على بيته متعمداً فهل تستطيع أن تجيبني على أسئلتي ؟ صمت العصفور قليلاً ثم طار باتجاه رفاقه , من دون أن يسمع أية إجابة من الفيل النادم .
شفق