الرئيسية » بيستون » عملية تفريس للكورد الفيلية أم تهميشهم ؟

عملية تفريس للكورد الفيلية أم تهميشهم ؟

لا يختلف اثنان على ان الكورد الفيلية اكبر شريحة من بين شرائح كورد العراق فيما إذا قارناهم مع بقية شرائح الشعب الكوردي في العراق من حيث عدد النفوس ، صحيح ان العراق لم يشهد على مر التأريخ أي تعداد سكاني سليم وكل ما حدث من إحصاء سواء في العهد الملكي او الجمهوري يكتنفه الشك والتزوير والتلاعب الفظيع من شأنه تفريغ العملية من المبتغى والهدف الأصلي والقيمة العلمية لها ، الا ان المرء بامكانه تقدير نفوس الكورد الفيلية بما لا يقل عن ثلاثة ملايين نسمة كحد وسط بين من يبالغ في العدد ومن يناقص العدد لأسباب سياسية بحتة .والكورد الفيلية هم الشريحة الوحيدة التي يشاركون معظم العراقيين في العيش في مدن كوردستان الى محافظة البصرة في أقصى الجنوب العراقي مع كثافة ملحوظة في مدن خانقين ومندلي وبدرة وجصان والحي والكوت وعلي الشرقي والعمارة وبعض أحياء بغداد القديمة…

والكورد الفيلية هي الشريحة الوحيدة التي طعمت كافة الأحزاب الوطنية من أقصى اليسار الى أقصى اليمين بخيرة مناضليه ومفكريه وكوادره السياسية التي ساهمت في تأسيس العديد من الأحزاب الكبيرة والعريقة في العراق منها الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي وأخرى . وإذا كانت شرائح الشعب العراقي جميعها تعتبر مضطهدة وحقوقهم مهضومة من قبل الأنظمة السابقة وخاصة النظام الدكتاتوري السابق فشريحة الكورد الفيلية قد نالت حصة الأسد من هذا الاضطهاد وهي خبرة المقابر الجماعية وعمليات اختبار المواد الجرثومية والغازات السامة والكيمياوية على آلاف من شبابها المحتجزين لدى السلطة بدون اي ذنب اقترفوه ، بل كان اغلب هؤلاء جنودا في جيش السلطة في جبها ت القتال ضد إيران القي القبض عليهم بامر رئاسي ارتجالي بعد ما تم تجريد ذويهم من الأوراق الثبوتية وحجز أموالهم المنقولة وغير المنقولة وثم تهجيرهم الى ايران ، فقط عدد المهجرين منهم يعادل عدد نفوس دول مستقلة بذاتها تعتبر عضوة في منظمة الامم المتحدة . أما السجون والمعتقلات العراقية فقد كانت مليئة منذ القدم بمناضلي هذه الشريحة .والكورد الفيلية هي الشريحة التي كانت وعلى الدوام داينمو التجارة في العراق , وهي الشريحة التي يجب ان يسجل بحقها حقيقة عدم انخراط أبنائها وبناتها بشكل مفرط الى الأحزاب الرسمية التي كانت تقود وتحكم العراق الا القليل الذي لا يكوّن أية نسبة مئوية وهي بذلك الشريحة الأكثر نقائا بين جميع الشرائح الاخرى التي انخرطت أعداد من أبنائها الى صفوف حزب البعث ومنظماتها الرديفة طواعية او كرها او تماشيا مع المنافع الشخصية .والكورد الفيلية هي الشريحة الوحيدة التي ابتعدت عن التقوقع في قوقعة الطائفة او القومية دون إنكار انتمائها الكوردي والشيعي ، تلك الاصالة التي ركزت مطرقة النظام عليها دوما ولعل مقولة احد قضاة الحكم القراقوشي تعد طريفة أكثر من شائعة تتداولها السن العراقيين عندما كان يحاكم كورديا فيليا قائلا : ( انت هم كوردي ، هم شيعي وهم شيوعي ) والانتماءات الثلاثة تلك كانت كفيلة بان تجلب تهم العمالة والخيانة لأصحابها في العراق السابق .والكورد الفيلية هي الشريحة التي عاشت منذ أجيال كثيرة في أوساط ذات أكثرية عربية دون ان تنصهر لغتهم الكوردية في بودقة الأكثرية ، فقد بقوا محافظين لها الى جانب تمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم الكوردية الأصيلة رغم ابتعاد أبنائهم وبناتهم من الدراسة الكوردية في أكثر مناطق العراق . هذه الشريحة المناضلة والمضحية ابدآ ، لا زالت معرضة الى نفس المخاطر التي حدقت بهم في ظل الأنظمة السابقة وها تخرج مسودة الدستور الى العلن وهي أهم بالون اختبار للنظام الجديد وفيه علامات إجحاف ظالمة بحقهم ، فمن جهة يصفه احدهم بالفرس ومن جهة أخرى تخلو هذه الوثيقة من ذكرهم كواقع ملموس في العراق بعد ما تمت الإشارة الى أقليات دينية وأثنية لا ترتقي الى عدد الكورد الفيليين بأي حال من الأحوال .مهما كانت النية والهدف من هذا القصور الذي ينم عن الجهل والعداء المركب ، فان واضعي هذه المسودة قد حكموا على الدستور بالموت وهو في الجنين فلا يمكن ان تكون هذه المسودة التي تخترقها ثقوب وعيوب قانونية عديدة معبرة عن إرادة الشعب العراقي الذي انتخب هؤلاء الأعضاء ، وبالتالي لا يعقل ان يصوت العراقيين على دستور لا خير فيه يهضم حق أهم شريحة منهم .فاذا كان تهميش الكورد الفيلية ذنب قبيح ، فاعتبارهم من الفرس عذر أقبح بكثير من الذنب , النتيجة شهور أخرى أهدرت من عمر البدء بعملية بناء الدولة العراقية.