الرئيسية » الملف الشهري » لن تخبو موضوعية ثورة 14 تموز 1958: وستبقى خالدة

لن تخبو موضوعية ثورة 14 تموز 1958: وستبقى خالدة

يحاول البعض التقليل من شأن تجذير متغيرات ومشاريع ثورة تموز وبدوافع ومديات مختلفة ومهما بلغت من الذروة لا يمكن لها ان تمحو لمعان واضاءات التأسيسات الكبيرة التي مازالت تزهو وتتلألأ في موضوعات الحياة العامة للبلاد وعلى كل الصعد رغم قصر الثورة زمنياً الذي لا يتعدى الاربع سنوات والنصف لكن التطورات المطردة على المستويين الوطني والبناء الديمقراطي تسمو وتتعالى في اطار استقلالية البلاد لمعانقة الشعب وارادته الحرة مما جعل الاعداء والاصدقاء في كثير من الاحيان يتباهون في الرسو الايجابي وتجلياته متناسيين البغضاء لها حيث ان الثورة حدث مهم وبارز في التاريخ المعاصر العراقي والاقليمي من خلال موضوعية وتوازن نشاطاتها في النواحي السياسية والاقتصادي والقانونية والنافذة معظمها حتى يومنا الحاضر.
كما مازال ابناء العراق النجباء يعتدون بكفاءة وقدرة ونزاهة زعيمها الاول المرحوم عبد الكريم قاسم ومن بينهم ما يعتبره مصدر التوازن الموضوعي والذاتي للثورة من خلال ترسيخ معالمها وسماتها التحررية في فكرة التفاعل الحي نحو تطلعات الشعب ومرامي قواه الفاعلة التي لا تشوبها شائبة غير ان المساواة الحقيقية للمواطن العراقي في الحقوق والواجبات مما ابعد الثورة تماماً عن كل التمايزات والفوارق الطائفية والاقتصادية او السياسية كما اعطاها ثوب الشعب بحق وحقيقة ولتمازج الجيش والشعب في خندق واحد وكل حسب اختصاصه وتطلعاته وصولاً الى ايجاد احوال نوعية جديدة عن طريق المشاركات الاجتماعية المشروعة وحتمية ارتقاء المؤسسة الاجتماعية في منهجية الثورة وتوجهاتها التحريرية الوطنية من اجل مكافحة اساليب الاستغلال بكل اشكاله في ضوء المنعطفات اللازمة للمسألتين الزراعية الشبه اقطاعية والاخرى الصناعية بجانب النشاطات الخدمية الاخرى.
والعمل على تطور القاعدة الصناعية تكنولوجياً بهدف القضاء المبرم على الاستغلال بكل اشكاله لبلوغ مجتمع حضاري على اسس ديمقراطية عادلة بعيداً عن الامتيازات الاحتكارية وتفضيل المصالح الاجنبية وفي اطار هذه الاطلاقات نشأت المحددات التالية:
1- ولدت الثورة في رحم الشعب: رحمية ولادة الثورة: لم تكن حالة عابرة او بمحض من صدفة او ترادف لمراد افكار المخططين والمنفذين لها فحسب بل ناتج حي وطبيعي نابع من شدة انهيارات واضمحلال اجهزة النظام الملكي من جراء سوء ادارتها مما اتاح السبل وتوافر الشروط الموضوعية الداخلية والخارجية لنجاح الثورة ومن هنا فان طبيعة النظام الملكي المحافظة على المصالح الاجنبية الاحتكارية النفطية.
فصارت ابواق المصطفين مع النظام الملكي وبالاً عليه والديمقراطية التي يتمشدقون بها صورة من الزيف والبهتان ودعوة صريحة لزيف وتزوير الانتخابات وعدم مشروعية النواب لان حكم الاحتكارات الاجنبية وشركات النفط المهيمنة كان هو السائد في التسلط على اقتصاديات البلاد ومزاولة الممارسات المفضوحة في نهب الثروات النفطية بابخس الاثمان والبلاد سوق لتصريف البضائع والسلع الاجنبية باسعار عالية ليس بمستطاع فقرائه اقتنائها لانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين لسوء عوائد النفط وتردي الاوضاع الاقتصادي والمالية العامة المتلازمة وتراكمية التجاوزات على حقوق الشعب وحرياته ومع اراداته الحرة وتصاعد اعمال العنف والارهاب المنظم من قبل الاجهزة الامنية ضد العمال والفلاحين والطلبة وسائر مكونات المجتمع بذرائع حفظ النظام وتطبيق الاحكام العرفية لكن الدسائس والصراعات الشخصية من صفات البلاط الملكي ولاعتبارات شخصية بسبب الخلافات القائمة بين الوصي ورئيس الوزراء نوري السعيد وهذا ما جعل كثرة الوزارات التي تعاقب على سدة الحكم والبالغة 59 وزارة ضمت 175 وزيراً و21 رئيس وزارة بدءاً بنوري السعيد وانتهاءاً به لما يتمتع به من ولاء مطلق للبلاط الملكي ولارتباطه شخصياً بالاحلاف الاجنبية ودوره في ترتيب حلف بغداد سيئ الصيت الذي ضم العراق وتركيا وايران وباكستان وبريطانيا لربط البلاد بالمصالح الاجنبية اقليمياً ودولياً. وتوظيف الموقع الستراتيجي للعراق في الصراعات الدولية ضد حلف وارشو والمعسكر الاشتراكي دون اية مصلحة وطنية تذكر ناهيك عن المنافسة الشرسة بين مصالح الشركات الاجنبية ذاتها. لكن اذرع الثورة وبسط ارادتها امتدت فوق كل هذه الاوضاع المترهلة وتصدت لها بعزم وشجاعة وطنية وبتوازن عقلاني نير وهادف ومدروس لاقتلاع مواطن تلك الاحوال واثارها السلبية وتأسيس المبادئ والمقومات الاساسية لخلق ركائز الوطنية التحولات الديمقراطي مما جعل دنياميكية حركتها قائمة في الظرف الراهن.
ب ـ مسارات البلاد الاقليمية والدولية: كان للتنامي والنهوض المحلي وعلى كل المستويات الوطنية والتوظيف العقلي والحريص للثروات المادية والبشرية امراً في غاية الاهمية في ترتيب سياسات الدولة وتعاظم هيبتها في العلاقات الدولية.
كما انعكس بجلاء على تعاظم حركة القوى السياسية والاجتماعية والدينية في رؤية تقدمية فاحتلت مصدرية الانبعاث الفكري التحرري على المستويين المحلي والاقليمي لشعوب المنطقة فثارت حفيظة الاعداء لايقاف مسيرة البلاد واجهاضها كما هو الحال اليوم لكن تباين اهم الاحداث وماهية الصراعات ومنابعها في حين قيام بعض الاحداث والتطورات مقرونة بحنكه الزعامة ومساعي قوى الشعب الخيرة تمكنت برؤية معافاة الثورة في استقرار الاوضاع العامة للبلاد عن طريق تحمل مخاطر وايجابيات ما كان يجري فعلاً لزيادة الحيوية والنشاط الى هيئات الدولة ومؤسساتها عن طريق تفعيل سائر مكونات المجتمع في استيعاب ما يلي:
1- قيام الوحدة بين مصر وسوريا: نجد هذه التجربة اباحت للثورة فسحة اوسع في معالجة الاوضاع بصورة شاملة وتركيز الايجابيات ونبذ كل مامن شأنه لا يعزز الاقدام على الخطوات الجريئة في الاداء الوطني والبناء الديمقراطي وانتعاش النشاطات الشعبية.
2- تفاقم الاستياء الجماهيري من دكتاتوريات النظام العربي وتفرد زعاماته وهيمناتها والاقدام على الوعي الديمقراطي الذي اصبح امراً مهماً ومطلوباً من سلطة دولة تموز والاستجابة البنوية له مما يسر لقيادة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم السير بثبات وعمق بهذا الاتجاه الصحيح لتسريع التحولات الديمقراطية على اسس وطنية ثابتة واعادة صياغات كل القوانين للمسألة الزراعية والصناعية والقطاع الخدمي بهذا الاتجاه رغم كل التعقيدات والصعوبات.
3- اثار تأميم قناة السويس في 26 تموز 1956 والعدوان الثلاثي على مصر وكيفية استثمار ذلك من قبل حركة التحرر العربي وقادة ثورة تموز في اشعال الحماس الوطني بين صفوف الشعب وتوقد وتيقظ الرؤى الوطنية الديمقراطية لتماسك والتفاف الجماهير حول الثورة مما افزع الاعداء علانية للنيل من الثورة وايقاف مدها الوطني الديمقراطي.
والجدير بالذكر ان اذناب ورجالات القوى والمصالح الغربية الاجنبية ومخابرات الدول الاقليمية المرتبطة بها على اسقاط الثورة والاطاحة بمشروعها التحرري للحفاظ على مراكز ومصالح القوى الاجنبية حيث عملت دسائس المخابرات الاجنبية ضد البلاد والتآمر على مكاسبها التحررية عن طريق:
1- حماية النظام الاردني وعزله من الانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة.
2- التحلل عن المفاهيم الوطنية التقدمية باستهداف وسحق الثورة والاحزاب السياسية اليسارية التي تعمل في تبني المفاهيم التقدمية واحلال وتقوية الحركات والاحزاب والتيارات القومية المتشددة والدفع بقياداتها لاستقطاب الجماهير تحت شعارات وخطابات منمقة وكاذبة لا تأخذ مكانة الاحزاب التقدمية الحقيقية.
3- تدعيم الاحلاف والاتفاقات المشبوهة الاقليمية والدولية التي تمثل امتداد لحلف بغداد والمعاهدة المركزية والعمل على ربط الاردن بحلف بغداد لحماية نظامه لكي يكون مصداً لتوجهات ثورة تموز وتحولاتها الوطنية.
غير ان تضحيات شعب تموز المجتزأه لم تتمكن من الحفاظ على نظام الحكم الوطني الديمقراطي مما ضيع على البلاد الانعطاف التاريخي للتقدم والازدهار نتيجة الانقسامات السياسية والاجتماعية ولكن التطورات الكبيرة التي حصلت في جميع ميادين الحياة كان لها المسعى الصريح في عودة نهضة القوى الوطنية والديمقراطية بعد 9/ 4/ 2003 اذا عملت على دراسة المشتركات بين ثورة تموز وما يريده العراقيون في ارادة وطنية ديمقراطية لخلق شرعية وقانونية دولة سيادة القانون الدولة الديمقراطية التعددية الاتحادية المزدهرة باستقلالها الوطني والسيادة الكاملة.
التآخي