الرئيسية » مقالات » الجواهري في سجن نوري السعيد

الجواهري في سجن نوري السعيد

فيما يلي قصة يرويها جهاد فاضل عن لسان شاعر العرب الأكبر . محمد مهدي الجواهري لواقعة كان هو بطلها في العهد الملكي العراقي مما جعل رئيس الوزراء آنذاك ( نوري السعيد ) أن يصدر أمر توقيفه في دائرة الأمن العامة .
من جانبي حورت بعض الجمل التي وردت في مقدمة الأستاذ جهاد فاضل. إذ وجدت فيها إساءة لحزب مناضل كان أعضاءه فقط همُ هَم نوري السعيد وتمنى عدم إنتشار أفكارهم وهو الحزب الشيوعي العراقي .
حسن أسد

الآن إلى المقدمة ومن ثم القصة ..

عندما كان أباؤنا يتحدثون قبل حوالي نصف قرن عن السجون العراقية زمن نوري السعيد، كنا ونحن صغار، نستحضر صورة عصرية للجحيم. فسجون نوري السعيد كانت، حسبما دأب الناس على تصويره، ملأى بالمناضلين الأحرار الذين يذوقون أبشع أنواع التنكيل والتعذيب على أيدي جلادين بلا رحمة. ولكن ما عرفه العراق والعراقيون بعد زوال عصر نوري السعيد، ومن بعده زمن ( عفى الله عما سلف ) للشهيد عبدالكريم قاسم. يجعل من سجون العهد الملكي نوعاً من فنادق بخمس نجوم إزاء السجون التي شهدها العراق في عصر صدام حسين..
وقد روى لي الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري مراراً حكاية دخوله السجن في العراق، عقب القائه قصيدة قالها في مهرجان تكريم هاشم الوتري تؤكد فعلاً أن الإعلام يشوه الحقائق أحياناً، وأن سجون نوري السعيد كانت فعلاً من نوع الفنادق الفخمة إذا ما جرى مقابلتها مع سجون صدام حسين التي يصح فيها قول الشاعر وهو هنا الفيلسوف الاشراقي ابن سينا:

دخولي باليقين كما تراه

وكل الشك في أمر الخروج!

قال الجواهري انه لم يتوقع السلامة أبداً بعد كل ما قاله في تلك القصيدة في حفل عام وأمام كبار رجال الدولة. وما قاله في تلك القصيدة:

ايه عميد الدار! شكوى صاحب

طفحت لواعجه فناجى صاحبا

خبرت انك لست تبرح سائلاً

عني، تناشد ذاهباً أو آيبا

وتقول كيف يظل “نجم” ساطع

ملء العيون عن المحافل غائبا

الآن انبيك اليقين كما جلا

وضح الصباح عن العيون غياهبا

فلقد سكت مخاطباً إذ لم أجد

من يستحق صدى الشكاة مخاطبا

انبيك عن شر الطغام مفاجزا

ومفاخرا، ومساعيا ومكاسبا

الشاربين دم الشباب لأنه

لو نال من دمهم لكان الشاربا

والحاقدين على البلاد لأنها

حقرتهم حقر السليب السالبا

ولأنها ابدا تدوس افاعيا

منهم تمج سمومها، وعقاربا

سفّلت يد المستعمرين وفرضها

هذي العلوق على الدماء ضرائبا

انا حتفهم الج البيوت عليهم

اغري الوليد بسبهم والحاجبا
عندما انتهى الجواهري من تلاوة قصيدته مزق أوراقها اربا اربا ورماها أمام الحشد الحاشد في الساحة الخضراء. ولما انتهى الحفل وقف ينتظر إحدى الحافلات لنقله إلى منزله في حين انطلقت قصيدته كالاعصار تجوب كل بيت من بيوت العراق..

في اليوم التالي افاق الجوهري من نومه متعجباً انهم “لم يأتوا بعد”.. في اليوم الثالث، وقد ازداد عجبه، قال لشخص كان يعمل في بيته وكان يعتبره واحداً من أفراد الأسرة:

– قف وراء النافذة واخبر كل من يسأل عني بأنني غير موجود.. وكان ذلك تفادياً لوعد كان الجواهري قد قطعه لبعض أصدقائه بمراجعة وزارة المعارف لأمر يخصهم..

في الصباح الباكر، وفي وقت غير متوقع، بين السابعة والثامنة، والجواهري يتناول فطوره، جاء هذا الشخص وقال له:

– عمي! اجوي (اي لقد جاؤوا)..

جاؤوا إذن وانتهى الأمر وهذا ما توقع، فقال الجواهري: افتح لهم.. عندما سمع طرقاً خفيفاً على الباب، قال: تفضلوا.. فدخل شابان بلباس مدني وكانا في غاية التهذيب.. سلما، فقال لهما الجواهري:

– تفضلوا معي أولادي على الفطور!

قالا: بالعافية لقد سبقناك.. وطلب الجواهري لهما القهوة فاعتذرا ثم قالا له: نحن مستعجلان ونرجو ألا نكون قد ازعجناك.. اننا من مديرية الأمن ونريد القصيدة..

قال الجواهري: أولادي! القصيدة كما تعلمون مزقتها أمام الحاضرين وكعادتي لا توجد عندي نسخة غيرها حيث كنت وما زلت اعطي للجريدة أو المطبعة النسخة الوحيدة لنشرها وتبقى في الجريدة حيث يحتفظ بها من يحتفظ.. أما أنا وإلى الآن، فليس عندي أي مسودة من كل ما نظمت ولا جريدة من الجرائد..

وبعد تفتيش يسير في منزل الجواهري، لم يعثر رجلا الأمن على القصيدة، فقالا للجواهري: نحن مكلفان ان لم تكن القصيدة موجودة ان نصطحبك معنا..

وذهب الرجلان بالجواهري إلى وزارة الدفاع وبعد ذلك إلى مديرية الأمن العامة، حيث تلقاه فيها قاض مثقف (أصبح عضواً في محكمة التمييز لاحقاً) بالترحيب والتكريم. قال المحقق للجواهري انه معجب به وبشعره. ثم اخرج من درج في مكتبه رزمة اشعار جواهرية قال انه يعود إليها ليقرأها معجباً.. شكره الجواهري على لطفه.. وعاد القاضي ليسأله وليدور بينهما الحوار التالي:

– أنت فلان طبعاً..

– نعم.

– القيت القصيدة؟

– نعم.

– هل عندك نسخة منها؟

– لا. فقد مزقتها أمام الجماهير الموجودة..

– هل تحفظ شيئاً منها؟

– طبعاً احفظ مقاطع منها.

– ما هي..

فتلا عليه الجواهري القطعة الأولى منها مما هي في مورد التكريم للوتري والاشادة بخدماته، وأورد بيتاً واحداً كنموذج لغيره عن ذلك المقطع..

ومحشرج وقف الحمام ببابه

فدفعته عنه فزحزح خائبا

فقال.. كفاية.. شكراً.

ثم رفع سماعة الهاتف ووجده يخاطب الحاكم العسكري:

– الجواهري عندي وأنا شخصياً لم أجد عنده شيئاً يستوجب الحجز.

وعند سماعه الجواب بان على ملامحه الانزعاج ففهم الجواهري الأمر، ثم قال المحقق للجواهري: مع الأسف قالوا لي: خله عندك..

فقال الجواهري: أنا عندك بالطبع..

قال: هذه مديرية الأمن أمامك وأي غرفة تعجبك منها فسأوصي بها، الطابق الأسفل مشغول كله بموظفي المديرية لأنه بارد، ونحن في تموز والطابق الثاني مشمس..

فتش الجواهري الغرف فلم يجد له مقراً يعجبه لبرودته وانعزاله سوى دهليز صغير قرب المدخل فقال له: هذا ما يعجبني!

فأمر المحقق بوضع فراش على الدكتين الموجودتين فيه وقال:

– بهذه المناسبة، عندنا هذا الرجل الطيب أحمد الكردي سيخدمك ويلبي كل طلباتك ولو كانت من الخارج: رسالة، شراء، أو أية مراجعة كانت عندك..

يقول الجواهري ان كل ما طلبه هو احضار الطعام من السوق لأن أسرته كانت قد انتقلت إلى بلدة الكوت، وكذلك صندوق خشبي كان عنده في مقر جريدته يحفظ به الماء والمبردات.. وكذلك مروحة..

ويبدو من طلبات الجواهري هذه أن الثلاجة لم تكن شائعة في العراق في تلك الفترة، بل كان الشائع هو الواح الثلج يشتريها العراقيون من باعة متجولين أو غير متجولين ثم يضعونها في صناديق خشبية يبردون بها الماء ويضعون عليها آنية الطعام لحفظه من الفساد.. وربما كان عزت إبراهيم الدوري نائب الرئيس العراقي صدام حسين قد بدأ يبيع الثلج في تلك الفترة لأنه بدأ حياته يمارس هذه المهنة في العاصمة بغداد..

كان الجواهري في سجنه المريح هذا يستقبل زواره من سياسيين وأصدقاء. وعندما منع أحدهم زائراً عن زيارته خرج الجواهري شاتماً رجل الأمن دون أن يجرؤ هذا على رد الشتيمة بمثلها..

وفي ذلك السجن يستقبل بهجت العطية مدير الأمن الجواهري بكل ترحاب، قائلاً له: يا جواهري! يعز عليّ أن تكون هنا وأقول لك شيئاً لست مضطراً إلى قوله، وهو أنه لا دور لنا في اعتقالك، بل تلقينا الأمر من المجلس العرفي..

ثم يأتي قاضي التحقيق الذي حقق معه، وبعد أسبوعين من اعتقاله ليقول له:

– ابا فرات هل استطيع أن اطلب منك شيئاً؟

– نعم بالتأكيد!.

– نقوم بزيارة مهيأة لنوري باشا رئيس الوزراء لنشرب فنجان قهوة وينتهي كل شيء!

ضحك الجواهري وقال: كل شيء إلا هذا.. هل تضايقت مني وأنا في ضيافتك؟

في سجنه استأنس الجواهري بحكايات كثيرة كان يرويها له أحمد الكردي المكلف بخدمته في السجن. مما قال له ذات مرة بلكنته الكردية:

“يقولون لي راقب السفير السوفياتي ويعطونني دراجة السفير يركب المارسيدس ولا أدري كيف تستطيع الدراجة أن تلاحق المارسيدس!!..

وقال له مرة ثانية: “أنا ارتاح عندما يقولون لنا راقبوا حفلة رسمية أو مأدبة رسمية تجري عند كبار القوم. كنا نفرح لأننا سنشبع من الأكل والشرب دون أن نعرف شيئاً مما يدور هناك غير الوجوه المألوفة لدينا”..

في هذه الأثناء، يضيف الجواهري، كان العراقيون مشغولين بالحديث عن الأعوام التي سيحكم بها الجواهري: ست سنوات، أقل، أكثر..

بقي الجواهري مدة شهر رهن الاعتقال. اقترب شهر رمضان من أيامه الأخيرة، وأصبح عيد الفطر على الأبواب. وقبيل العيد بيوم، وقد أوشكت الدوائر الحكومية أن تغلق أبوابها بهذه المناسبة، جاءه معاون بهجت العطية وقال له: الباشا يطلبك..

ذهب الجواهري إليه. أعرب للجواهري عن اسفه العميق وألمه الشديد لأنه سيبقى قيد الاعتقال خلال عطلة العيد، علاوة على أن دائرة الأمن سوف تخلو إلا من المناوبين. ولكنه أوصى من يعمل هناك للاهتمام به خلال العطلة وهو يحب أن يعرف ما إذا كان له طلب أو حاجة في الخارج، أو مع البيت، وقال له:

– الهاتف بجانبك إذا كنت تريد الاتصال مع أحد..

تذكر الجواهري والدته العجوز، وهي أغلى ما عنده، وتسكن في النجف، قال للعطية:

– والله ذكرتني سأتصل إذا سمحت بوالدتي فيطمئن قلبها..

واعطاه الرقم المطلوب وهو رقم هاتف أحد جيران والدته لأن منزل والدته لم يكن فيه هاتف وتحدث معها.. ثم شكر العطية وعاد إلى غرفته “المبردة”..

وبعد عشر دقائق يستدعى الجواهري مرة أخرى إلى مكتب العطية فيقول له هذا الأخير:

– بشارة سارة! صدر الأمر باطلاق سراحك ولم يتبق سوى توثيقها برقياً.. (وكانت هذه من الشكليات المطلوبة لغرض التسجيل الرسمي فيها).

هيأ الجواهري نفسه للخروج، وليس معه سوى ملابسه، والمروحة الضيقة، وصندوق الثلج القديم.

وبعد دقائق دخل معاون العطية الذي قال له: وصلت البرقية وانتهى الأمر ولك أن تخرج حراً طليقاً..

خرج الجواهري والناس لا تصدق انه حي يرزق ومطلق السراح وانه لم يحكم عليه عدة سنوات سجناً..

وكان الجواهري يروي حكاية سجنه هذه من ضمن حكايات كثيرة عن عصر نوري السعيد، ليقارن بين ذاك العصر والعصور التي تلته، وليترحم على نوري السعيد ترحماً حقيقياً صادقاً يلمسه كل من قرأ ذكرياته في الجزءين اللذين أصدرهما قبل رحيله بعدة سنوات..