الرئيسية » مقالات » القوى السياسية العراقية لما بعد التغيير

القوى السياسية العراقية لما بعد التغيير

يعد هذا ” الموضوع ” من الموضوعات المعقدة جدا ليس في معرفة مجرد اسماء نثبتها على خارطة العراق السياسية ، بل للوضعيات المبهمة التي وجدت عليها القوى السياسية في العراق اليوم ، وفي ظل الفراغ السياسي الهائل الذي تركه النظام الراحل بعد حرب جيوش التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية واحتلال العراق في 2003 . لقد كان العراق بيد قوة حزبية سياسية واحدة على امتداد عهد صدام حسين ، هي التي هيمنت على مقاليد العراق قرابة 35 سنة ، ولقد افرغ العراق من كل القوى السياسية السابقة التي عاشت بعد ان ولدت وتبلورت في العراق في ازمان مختلفة من القرن العشرين .. وبالرغم من وجود قوى سياسية عراقية في الخارج واغلبها كان يمّثل مكونات المعارضة السياسية ومنذ زمن بعيد ، الا انها جميعا لم تستطع النجاح ابدا والانتصار بتغيير النظام والوصول الى السلطة .. ولما كانت الدواخل محرومة تماما من اية قوى سياسية ، ولن يكن النظام السابق ليسمح حتى باصدار جريدة مستقلة ، فان من المحّرم على العراقيين تأسيس حزب او جمعية او حتى جماعة ..

وعليه ، فان العراقيين سرعان ما انتشرت بينهم عدة انواع من الاحزاب وخلقت قوى سياسية متنوعة بالرغم من بدائيتها السياسية .. لقد استعادت الاحزاب القديمة نشاطها ، وانتشرت المراكز الحزبية في عموم العراق .. بل وبدأت تتشكل المؤتمرات والمجالس والندوات وانبثقت جملة هائلة من الاحزاب وانفردت بعض التيارات لتغدو كتلة سياسية تفرض قوتها من رصيد الشارع العراقي .. وعليه ، فان القوى السياسية في العراق تتشكّل من مجموعة من الأحزاب والقوى السياسية والكتل الطائفية والهيئات الدينية .. وكلها متباينة الأهمية والامتداد والعمق، ان بعض هذه القوى يمتد في تاريخه الزاخر إلى عدة عقود من الزمن ، لكنه اضطر إلى تجميد عمله أو نقل نشاطه إلى المنفى، وبعضها نشأ وترعرع ونما في الخارج، واغلب بل كل تلك ” الاحزاب ” تلقّت مساعدات مالية ومن اطراف متعددة ومن دول كثيرة والثالث ظهر في المرحلة التي تلت الغزو مشكلا ظاهرة غير طبيعية ، بل واستثنائية من التعددية السياسية ، والتي لم يعرفها العراق أو المنطقة من قبل وذلك بغض النظر عما فيها من فوائد أو ما يوجه إليها من نقد. ان من الاهمية بمكان رصد هذه ” الخارطة ” العجيبة ، ولكن من الاهم معرفة طبيعة كل التناقضات التي انتجها التغيير التاريخي الذي حدث في العراق .. وان في غاية الاهمية دراسة تجربة العراق لخدمة اغراضه ومجالاته الحيوية ( راجع : دراستي المطولة عن ” خارطة القوى السياسية في العراق : رؤية لما بعد التغيير ” التي ستنشر قريبا عن مؤسسة الاهرام ، القاهرة ) .

استطيع ان اشبه العراقيين بعد رحيل النظام السابق بالمحرومين من كل ما يتعّلق بالعمل السياسي ، فكانت ان تكّونت خلال ايام جملة احزاب عراقية لا حصر لها ، ولكن في ظل فراغ سياسي مهول مع غياب المؤسسات الطبيعية وسحق المؤسسات القديمة ، اذ تحدثت المصادر الاعلامية عن ولادة اكثر من مائتي حزب سياسي .. انه رقم ضخم نكاد لا نجده في اي دولة اخرى ، ولكن يبدو حقيقيا نتيجة رد فعل تاريخي ازاء الحرمان السياسي الذي عانى منه العراقيون زمنا طويلا ، ناهيكم عن ان العراق شهد مشاركة اكثر من مائة حزب بصفة مستقلة وتسعة ائتلافات تتكون من احزاب وقوى سياسية عديدة فازت ثلاثة منها فقط باغلبية المقاعد ، فضلا عن نحو سبعين حزبا وتنظيما سياسيا اعلنوا عن مقاطعة الانتخابات .. اضافة الى احزاب وقوى انسحبت من الانتخابات والعملية السياسية .. اعتقد ان العراق وحده يشهد مثل هذه ” الحالة ” الاستثناء ، فليس الحرمان السياسي قد اتصف العراق به سابقا ، بل ان اغلب المجتمعات العربية تعاني من حرمان سياسي ويبوسة في التعددية .

اما العدد الكبير من انبثاق الاحزاب والتيارات والقوى والتكتلات والائتلافات السياسية العراقية ، فهو لا يمّثل كل الشعب العراقي ، فثمة قوى خفية لا تريد ان تظهر على الملأ ، وثمة جماعات متشرذمة لا يجمعها اي هدف الا هدف واحد ممثلا باخراج المحتل الامريكي من العراق ، وهذه القوى تعمل تحت الارض .. ولها قوتها اللوجستية وتمويلاتها الخفية ، والتي يحسب لها الف حساب ليس من الناحية السياسية ، بل من النواحي الامنية . هناك قوى سياسية صغرى مجهرية وهامشية لها مواقفها المحددة وهي التي اريد تصنيفها كنخب وجماعات تضم مثقفين ومتخصصين ومهنيين وحرفيين وساسة قدامى .. وفي المقابل ، فان هناك قوى قبلية وعشائرية ودينية وطائفية وعرقية وقومية تتمتع بشبكة من العلاقات الداخلية العامة التي تؤهلها للهيمنة على الحياة . لقد تبلور عن حالة الفراغ السياسي وفي ظل سياسات امريكية خاطئة جملة من الاستقطابات المقيتة التي غّيبت المشروع الوطني العراقي منذ اللحظة التاريخية التي جرى فيها التغيير .. كما واختفت من فوق الساحة عدة قوى سياسية او انها غدت رخوة لا تقوى على الحياة ومقارعة الحيتان الكبيرة التي اعتمدت الولاءات الدينية والطائفية والقومية بديلا عن اي مشروع وطني او اي برنامج سياسي ..

لقد وجد العراقيون انفسهم بعد سقوط النظام السابق عام 2003 انهم امام مرحلة تاريخية جديدة ولكنها مليئة بالتحديات التي يقف على رأسها الاحتلال وهي تهتز على قاعدة رخوة من التمزقات ، وتنهض ثم تقع في مساحة واسعة من حفريات.. وهنا بالرغم من ان التحالفات والقوى السياسية العراقية قد اعادت ترتيب نفسها واوضاعها لمرحلة جديدة ، ولكنها تمسرحت باسم شعارات غير مؤهلة لتطبيق مضامينها ، فقد تبّنت ـ مثلا ـ شعارات ” الديمقراطية ” سريعا من دون اي دراسة معمقة لفشل التجربة ، ولا منحت المجتمع السياسي العراقي فرصته السياسية بمرحلة نقاهة يجدد فيها تفكيره ، ويحرر فيها ارادته .. لقد كانت العملية السياسية والدستورية سريعة جدا ، وفي ظل اوضاع سيئة للغاية من الناحية الامنية ، ولم تنفع نداءاتنا المستمرة بتهدئة العجلة .. فتبلورت لأول مرة اصطفافات على أساس الدين أو الطائفة أو العرق أو العشيرة والاصطفاف مع الاحزاب والتيارات مع مناورات استعراض العضلات الدينية والطائفية ، .. وغدت التجربة تنتقل من فشل الى فشل من نوع آخر حتى وصلت الامور الى وضعية سيئة فتحولت الاصفافات الى تخندقات ، وتحول التنافسات السياسية الى صراعات دموية .. وتمحورت حول الاحزاب الكبيرة ميليشيات اوليغارية مسلحة وبدأت الصراعات مكشوفة على العلن في صراع دام على المصالح والسلطة والنفوذ والمال .. كما غدت التخندقات الطائفية تكّرس نفسها مع شرور الاعلام المحلي والاقليمي متأججة الى درجة لم تعد القوى السياسية تتفاهم على حدود دنيا وقواسم مشتركة يتلاقى عليها الجميع ويتفاهم عليها الجميع .. ولقد انتظمت القوى السياسية على هذا الاساس، مع الإشارة الى وجود بعض الاستثناءات التي لم تعتمد الانتماء الديني أو العرقي أو القبلي معيارا ، ولكنها لم تكن مقبولة ولم تستطع ان تجد لها مجالا وسط تلك الصراعات .

www.sayyaraljamil.com

الصباح الجديد 11 يوليو 2007