الرئيسية » مقالات » الديانات السماوية وتحريم إراقة الدماء

الديانات السماوية وتحريم إراقة الدماء

– ستوكهولم –

لا أظن أن هنالك ديناً سماوياً يحلل سفك دم إنسان لمجرد الأختلاف بالمعتقد أو الرأي، وما نراه اليوم من إجرام على أرض الرافدين وهي مهد الرسل والأنبياء والأولياء لا يمت بأيةِ صلةٍ من قريب أو بعيد إلى الإسلام ولا لأية ديانة أو معتقد، بل هو شذوذ وبعيد عن كل ما هو إنساني أو له علاقة بالبشر وطباعهم، أنها وحشية ما بعدها وحشية أن يذبح إنسان بالسكين من الوريد إلى الوريد لا لجرمٍ أرتكبه أو لذنبٍ أرتكبه.
في محاضرة للترميذا الدكتور عصام الزهيري عن تاريخ الديانة المندائية ومعتقداتها وأهم ما تمتاز به عن الديانات الأخرى و واقع أبناء الطائفة اليوم في العراق والمهجر.
تحدث الترميذا الزهيري عن منشأ وبدايات وجذور ومعتقدات وطقوس وتقاليد ولغة الديانة المندائية حيث هي أقدم وأعرق الديانات المعروفة وكتابهم المقدس الكنزا هو الكتاب الأول، كما تحدث عن نبيهم الأول آدم وعن مفهوم وفلسفة الحياة والموت لديهم، ونشأة الكون والمراحل التي تعرضت فيها البشرية للفناء جراء الطاعون والفيضان والحرائق، كما تطرق إلى النكبات والكوارث والإضطهاد الذي تعرض لها أبناء هذه الطائفة وهذه الديانة عبر التاريخ. يحدثنا عن السفر العظيم ليس عن الديانة المندائية وحدها بل عن تاريخ البشرية بأجمعه، كما تطرقت المحاضرة إلى مواضيع عدة والتي كانت بحاجة إلى وقت أطول للأستفاضة فيها، كالماء هذا السر الكبير في حياة المندائي والتطهر والتعميد به والذي يستمد منه المتعمد طاقته، وأرتباطهم العظيم ببلاد الرافدين فقد ذكرت أسماء دجلة والفرات في كتبهم، ففي طقوس التعميد يوجد الترتيل بالعبارة التالية (( الصغيرُ أنا بين الأثير بين الكائنات السماوية، وطفلٌ أنا بين شعاعات الضوء، كبرتُ ونميتُ وأصبحتُ عظيماً لأنني شربتُ من ماء الفرات))، وهذا ما يفسر حبهم وتعلقهم بوطنهم العراق حيث أرض الحضارات ومسقط رأس الأنبياء والرسل والأولياء. كما تطرق إلى فكرة نشوء الحياة والكون في دينهم والتي هي قريبة من النظرية العلمية عن نشؤ الكون من الأنفجار الأول، وحتى نشوء الأرض ومراحلها من الغازية وتحولها إلى السائلة ومن ثم الصلبة فهي مذكورة في كتبهم منذ القديم.

ما لفت نظرنا هو تحريم الذبح حتى للحيوانات، وعلى من يقوم بذبح دجاجة من أجل الغذاءمثلاً عليه أن يكون مطهراً نظيفاً يستغفر ربه عشرات المرات ويؤدي طقوسا عديدة قبل وبعد عملية الذبح ويشترط أن تكون السكينة حادة وأن تمرر مرة واحدة وبسرعة على رقبة الدجاجة رأفةً بها وكي لا تتعرض إلى الآلام لفترة طويلة، وبعد الذبح علية أن يتطهر ويؤدي المناسك الخاصة. أما الإنسان فله منزلة مبجلة وعظيمة وروحه مقدسة، لقد أطلعنا على أمور تثير الدهشة من ديانة تعتبر من أقدم وأعرق الديانات وتحترم الروح البشرية وحتى الحيوانية بهذهِ الدرجة الغريبة، وأظن أن الأديان التي جاءت بعدها كانت أكثر أحتراماً وتقديساً للروح البشرية، فالإسلام حرم قتلها إلا بالحق والديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية كذلك تحرم قتل الإنسان بدون سبب.

فمن أين جاءت هذهِ الجماعات المجرمة التي حللت سفك دماء البشر بهذه البساطة وبهذا البرود الإجرامي، وعلى أية أسس أستندت…أسئلة تثير الدهشة والأستغراب، لكن مدرسة البعث العفلقي الإجرامية خَرَجت ونظمت الآلاف ممن لا يعرفوا غير روح الإجرام وأنتهاك المقدسات وكل ما نراه اليوم هو من تلك المدرسة، وهؤلاء تلامذتها النجباء الذين أنضووا للأسف تحت عباءة أحزاب دينية وغير دينية لتكون ستراً لنزواتهم وجرائمهم وليعملوا براحتهم وينفذوا ما يخططون له، ووراء كل منهم أناس يحمونه هنا وهناك فشبكات النظام المقبور متنوعة ولازالت تعمل ، بل وجدت أرضاً خصبة وهناك من يدعمها من دول الجوار ومخابرات الدول الأخرى ولكل منهم أهدافه ونواياه التي يعمل لأجلها والضحايا هم أبناء بلادي من الفقراء والبسطاء والمخلصين من أطباء فضلوا البقاء لإداءِ عملهم الإنساني وصحفيين وكوادر علمية مخلصة لوطنها وشعبها، تركتهم الحكومة يواجهون المخاطر لوحدهم وأحتمت هي بالمنطقة “السوداء” تحيط بها قوات الاحتلال والحمايات الخاصة كي يحافظوا على مقاعدهم من أن يحتلها أحد غيرهم، ولينتفعوا بمزايا السلطة والجاه، أما الشعب العراقي فها هي دماؤه تسيل غزيرةً في الشوارع وفي المنازل، فليس هنالك مكان آمن، فقط في المنطقة “السوداء”، ولا أدري إلى متى سيظل الأمن مفقوداً والحكومات تتوالى ولا أعرف ما هي أولى مهامها، وأين وعودها، أليس الذين يسقطون كل يوم ببشر ومواطنون عراقيون، أم أنهم لعب أو دمى. الجثث المغدورة تلم وتحصى أعدادها يومياً وبشكل مفزع ومؤلم، والحكومة تحصي الأعداد فقط دون تحقيق دقيق ومتابعة جدية ولو كانت هنالك تحقيقات جدية لتابعت الخيوط المشتركة لهذه الجرائم والتي تتكرر كل يوم وبنفس الأسلوب وبنفس الأماكن وبالتالي من السهل التوصل إلى الجناة إذا لم تكن مجموعات من السلطة نفسها مشتركة في هذه الجرائم، ولا أدري هل أن مجلس النواب يسمع بهؤلاء الذين يموتون غدراً وترمى جثثهم في الشوارع أم لا…؟ الأسئلة المحيرة كثيرة والناس تعبوا بل سيصيبهم اليأس إن لم يصبهم بعد، فهل هنالك من سينقذهم من هذه المحنة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1الترميذا الزهيري حاصل على شهادة الهندسة المدنية ودبلوم في البناء والإنشاءات من العراق، وشهادة اختصاص من المنظمة الدولية في الإدارة من لندن. وحاصل على شهادة الماجستير في الأديان واللغات القديمة من جامعة مانشستر، وشهادة الدكتوراه في الفلسفة والدين المندائي وأديان بلاد الرافدين القديمة، كما له ثلاثة بحوث حول الدين المندائي منشورة باللغات العربية والإنكليزية والدنماركية.