الرئيسية » مقالات » هل من سبيل إلى تغيير التصور بامتلاك الحقيقة المطلقة لدى بعض الناس؟

هل من سبيل إلى تغيير التصور بامتلاك الحقيقة المطلقة لدى بعض الناس؟

“مناقشة لبعض ما ورد في رسالة السيد طلال شاكر حول رسالتي لرئيس إقليم كُردستان العراق

لغة الحوار الهادئ والموضوعي أو قل الحضاري والبعيد عن الإساءات وفتل العضلات بالكلمات لا يزال بعيداً عن أجواء العراق, فالقسوة والرغبة في التجريح واستخدام الكلمات الأكثر إيذاءً تبقى تهيمن على الخطاب السياسي والأجواء السياسية وفي الكتابة. وسنحتاج إلى وقت طويل إلى حين يتسنى لنا تبادل وجهات النظر من منطلق الاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر وبعيداً عن تصور امتلاك الحقيقة المطلقة كلها وكأن الآخر لا يمتلك أي شيء منها بأي حال, إضافة إلى محاولة تسفيه الآراء وكأن التسفيه سيكون مقنعاً للطرف الأخر أو للقراء, وأن النباهة مكثفة في هذا الكاتب بعينه وليس أي نباهة عند الآخر لملاحظة مضمون ووجهة تطور الأحداث.
قرأت بعناية مقال السيد طلال شاكر الموسوم “رسالة الدكتور كاظم حبيب المفتوحة إلى السيد مسعود البارزاني.. استرجاع.. لجدب ثقافة الوعظ وسقمها” التي نشرت في الحوار المتمدن في العدد: 1953 بتاريخ 21/6/2007. ومن عنوانها يدرك القارئ النتيجة والحكم المسبق دون أن يحتاج إلى الخوض بأفكار المقال. سأحاول في هذا المقال مناقشة مجموعة من الأفكار والقضايا الواردة في مقال السيد طلال شاكر.
حين أكتب رسائلي المفتوحة إلى الأخوة والأصدقاء أو إلى السادة المسئولين أو إلى رجال الدين يفترض بي أن أكون ملتزماً بخلق وأدب الكتابة رغم اختلافي مع هذا الأخ أو المسئول أو رجل الدين, وأن استخدم ما اعتاد المسئولون التسمية بألقابهم الرسمية وفق المواقع الحكومية أو الدينية أو العلمية. فلو كان السيد طلال شاكر قد قرأ رسالتي الموجهة إلى السيد عبد العزيز الحكيم لوجد فيها كلمة “سماحة السيد”, بسبب استخدام رجال الدين لهذه التسمية. ولو كان قد اطلع على رسالتي إلى السيد رئيس الوزراء لوجد فيها تسمية “دولة السيد رئيس الوزراء”, وبالتالي فاستخدام فخامة لرؤساء الدول أو الفيدراليات ليس غريباً ولا يحط من قدر الإنسان ولا يرفعه, بل يعبر عن احترام لا ضرورة من تجاوزه. إلا أنه ربما كان قد اطلع على استخدامي هذه الألقاب ولم يعترض عليها, ولكنه استفز محتجاً ومشككاً, وكأن وراء القضية أشياء أخرى, بسبب استخدامي لهذا اللقب الرسمي في رسالتي إلى السيد رئيس إقليم كُردستان, الذي هو كردي بالطبع. كان الراحل يوسف سلمان يوسف فهد, سكرتير عام الحزب الشيوعي العراقي, حين يوجه رسالة ما إلى الملك فيصل كان يكتب في مقدمتها: إلى جلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق المحترم, أو إلى سمو الوصي عبد الإله المحترم, وحين كان يوجه رسالته إلى رئيس الوزراء, بمن فيهم نوري السعيد, فكان يكتب إلى فخامة رئيس الوزراء, أو إلى وزير ما فيكتب معالي الوزير الفلاني, أو سعادة النائب أو سعادة المتصرف …الخ. وليس في هذا تزلفاً أو تقرباً أو أي مما دار في بال الكاتب وهو يشكك في الأسباب التي دعت الدكتور كاظم حبيب إلى ذكر فخامة في الرسالة الموجهة إلى رئيس إقليم كُردستان. وكان فهد مثلاً يخاطب الأستاذ كامل الجادرجي بمعالي الأستاذ كامل الجادرجي بسبب كونه كان وزيراً سابقاً أو معالي الوزير سعد صالح وهلمجرا. ولم يكن هناك من يعترض على ذلك أو يفكر بالاعتراض. ولكن لغة العنف والقسوة وعدم الاحترام بدأت تسود في المجتمع واتخذت وجهة أخرى, وبالتالي فأصبح استخدام كلمات “فخامة ودولة ومعالي وسعادة” تعتبر تزلفاً أو طلب مكرمة أو الحصول على منفعة. كم هو مؤسف ومحزن هذه الوجهة في التفكير. لقد كان هؤلاء الناس يناضلون معنا ونستطيع أن نتحدث معهم ببساطة, إذ لي مع الكثيرين منهم, ومنهم السيد مسعود البارزاني والسيد جلال الطالباني وغيريهما من العرب والكُرد, علاقات نضالية طيبة وطويلة, إذ يمكن في العلاقات اليومية واللقاءات الخاصة استخدام لغة أخرى, إلا أن الخطاب الرسمي يفترض أن يحافظ الإنسان على ما بدأ الاعتياد عليه أو استخدامه رسمياً في العراق. وليس في هذا أي عيب, بل هو ضروري.
حين أكتب مقالاتي أو رسائلي أو كتبي فأنا أعبر عن رأيي الشخصي ولا أعبر عن رأي آخرين, ولا أريد أن أريح أو أغضب أحدا, بالتالي يمكن أن أكون مخطئاً أو مصيباً , وبالتالي أتحمل تبعات ما أكتب. حين أكتب رسالة أو مقالاً أنظر إلى القضية التي ابحث فيها من ثلاثة منطلقات أساسية:
• المبادئ التي اعتمدها وأستند إليها في عملي الفكري والسياسي اليومي.
• تقديري الشخصي بأن هذا الرأي أو الموقف يخدم مصالح الشعب والوطن في هذه المرحلة أو تلك, وبالتالي أفكر بالأسلوب الذي يفترض أن يمارس والذي يبقى في كل الأحوال مؤدباً وبعيداً عن الاستفزاز, إذ أني لا امتلك الحقيقة المطلقة, بل امتلك رأياً يمكن أن يكون صحيحاً ويحتمل الخطأ.
• وأخيراً مقدار تأثير هذا الموقف أو الرأي على توسيع الرؤية التنويرية والديمقراطية والعلمانية في المجتمع, ولهذا لا بد أن يكون الرأي واقعياً وموضوعياً في آن.
وهذا لا يعني بأي حال أني أسعى للحصول على تأييد الناس لرأيي أو أي موقف اتخذه, فأنا لا أخوض انتخابات لأكسب أو استجدي أصواتاً, ولا أسعى للحصول إلى مغانم أو منصب سياسي أو حكومي أو غيره. فإذا كانت بعض مواقفي تصطدم برؤية واسعة من جانب المجتمع, فهذا لا يعني بأي حال خطأ الرأي الذي أحمله أو الموقف الذي اتخذه. وما يجري في العراق اليوم يؤكد عدم صواب الكثير من الآراء والمواقف التي تؤيدها الناس, وهي على خطأ كبير, ومنها الاصطفافات والاستقطابات الطائفية أو المواقف الشوفينية للبعض الآخر. ولكن يهمني طرح رأيي وموقفي بصراحة ووضوح وشفافية وأسعى لإقناع الناس به قدر الإمكان, مع الاستعداد لتعديل الموقف أو تغييره إن كانت هناك موجبات لذلك.
لم تكن مضامين رسائلي المفتوحة مواعظ سقيمة وباهتة ولا هي خارج السياق, كما أرى, ومن حق غيري أن يراها كما يشاء, بل هي تصب باتجاهات ثلاثة:
• إنها تسعى إلى إيصال الرأي بوضوح, ولكن بكل أدب ومسئولية, إلى المسئول الذي أريد مخاطبته, إذ أن الذي أراسله له رأيه ومواقفه وبالتالي فهي محاولة للحوار وليس لفرض الرأي, كما أننا كنا نناضل سوية ومع كثيرين من اجل قضايا مشتركة, ما يزال فيها الكثير المشترك بيننا جميعاً, مع وجود وجهات نظر متباينة, فنحن رفاق درب طويل وشائك ولم نصل بعد إلى شاطئ السلام والعدل والاستقرار.
• كما أنها تتضمن نقداً مباشراً أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى لمواقف فكرية وسياسية مختلفة وفق الحاجة إلى ذلك. ويمكن للإنسان أن يختلف في أسلوب التناول , إذ يمكن أن تكون الحقيقة واحدة ولكن من أي زاوية ينظر إليها وكيف يتناولها هذا الكاتب أو ذاك.
• وهي تسعى للوصول إلى كثرة من الناس الذين يقرأون تلك الرسائل بهدف التوعية أو التثقيف أو التنبيه بما هو مختلف عليه أو متفق عليه والمخاطر المحتملة دون تطير.
فالرسالة والحالة هذه ذات أهداف عديدة وراغبة في التنبيه إلى أمور معينة ولا تهدف إلى توبيخ أحد أو الإساءة لأحد أو المزايدة عليه.
لا شك في وجود اختلاف واضح بين بعض أفكاري ومواقفي وبعض أفكار ومواقف السيد طلال شاكر, ولا شك في وجود تلاقي في بعضها الآخر. وهو أمر طبيعي وحق مشروع لكل منا, والحوار حولها مفيد إن حافظ كل منا على ما هو ضروري في الحوارات الفكرية والسياسية, وهي قضايا غالباً ما تكون معقدة ومتشابكة. فما هي المسائل التي تستوجب النقاش؟ سأحاول معالجتها في النقاط التالية:
حول مبدأ تقرير المصير للشعب الكردي
لم ابدأ بالكتابة عن هذا الحق في هذه الرسالة الموجهة إلى السيد رئيس إقليم كُردستان, بل كانت إحدى ابرز القضايا التي كتب عنها وثقف بها الحزب الشيوعي العراقي منطلقاً من موقف ماركسي سليم وعقلاني ومن موقف دولي مثبت في وثائق الأمم المتحدة يقر للشعوب كلها, كبيرها وصغيرها, بحقها في تقرير المصير, والذي يفترض أن نذكر به باستمرار بسبب تجاوز حكام البلاد على هذا الحق عقوداً طويلة وبسبب وجود استعداد للتجاوز عليه من قوى ذات فكر وسياسة لا تختلفان كثيراً عن فكر وسياسة وممارسات صدام حسين. ولو كان السيد طلال شاكر قد اطلع على مقالاتي التي كتبتها في فترات مختلفة, ومنها في فترة الثمانينات أو التسعينات من القرن الماضي, بما فيها كتابي الموسوم “الفاشية التابعة في العراق”, الذي صدر في العام 1982 وفي فترة وجودي في حركة الأنصار, لوجد أني لم ابدأ الآن بالكتابة عن حق تقرير المصير, علماً بأن الراحل عزيز شريف كتب عن هذا الموضوع في أواخر الأربعينات من القرن العشرين وفي حواره مع فهد. وفي أثناء تدريسي في الجامعة المستنصرية في النصف الأول من العقد الثامن كنت أتحدث عن هذا الموضوع حين يرد موضوع الكُرد وكُردستان أثناء التدريس , بل كلما كانت تطرح القضية الكردية أو الحديث عن شمال العراق كنت أتحدث عن الشعب الكردي وعن كُردستان العراق وحق تقرير المصير وليس ابتداءً من الرسالة التي وجهتها إلى السيد رئيس الإقليم.
أرى بأن من الضروري والواجب على القوميات الكبيرة أن تبادر للاعتراف للقوميات الأقل عدداً بحقها في تقرير مصيرها, وهي مسألة مهمة من النواحي الفكرية و السياسية والنفسية وتساهم في التقريب بين الشعوب ولا تشجع التباعد. إن حق تقرير المصير يعني أن من حق هذا الشعب أو ذاك أن يقرر مصيره بنفسه بعيداً عن أي وصاية أو وكالة من أحد. وممارسة حق تقرير المصير لا تنحصر في صيغة واحدة, بل يمكن أن تتخذ صيغاً مختلفة, إذ أنها يمكن أن تكون على شكل حكم ذاتي أو فيدرالية أو كونفيدرالية أو انفصال وتشكيل الدولة المستقلة في حالة أن هذا الشعب أو ذاك يعيش مع شعب أو شعوب أخرى في دولة واحدة. ومن واجبنا نحن العرب, كما أرى, أن نعترف للشعب الكردي بهذا الحق وان نترك له أن يقرر الصيغة التي تناسبه. وليس في هذا الموقف أي منة أو فضل منا نحن العرب في العراق على الشعب الكردي, بل هو حق مطلق يفترض فيه أن يمارسه. وحين اختار الفيدرالية في إطار الدولة العراقية واقرها الدستور الكردستاني قبل ذاك في العام 1992 ومن ثم الدستور العراقي في العام 2006, فهو أمر جيد لأنه حصل ضمن اختياره وفي ضوء ممارسته الحرة لحق تقرير المصير وفي ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي يعيش فيها. وبهذا المعنى ليس هناك أي تناقض بين ذكر حق تقرير المصير للشعب الكُردي وبين إقامة الفيدرالية في كُردستان العراق, إذ أن قيام الفيدرالية لا تعني سوى ممارسة فعلية لحق تقرر المصير, وهو الشكل الذي فضله الشعب الكردي وقواه السياسية. ولهذا لا بد من تكريس هذا الحق وتطويره وإغناء هذا الإنجاز.
هل الشعب الكردي يشكل جزءاً من أمة كردية واحدة؟ نعم الشعب الكردي في العراق وكذا الشعوب الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان هي أجزاء من أمة كردية واحدة تعيش في أرض اسمها كُردستان وتمتد في أربع دول هي تركيا وسوريا والعراق وإيران. كما أن العرب في المشرق العربي هم أمة عربية مكونة من عدة شعوب عربية تمتد على عدد كبير من الدول. وحديثي هنا لا يطرح موضوع الدول المغاربية والشعب الأمازيغي والشعب العربي فيها, إذ أن لها قصة أخرى كتبت عنها أيضاً. إن وجود أقاليم عربية أو كردية لا يعني بالضرورة أنها تستطيع أن تحقق وحدة أراضيها في دولة واحدة, بل يمكن أن تنشا عدة دول , كما هو حال الدول العربية حالياً, أو أن تشكل فيدراليات في دولة اتحادية واحدة مستقبلاً. وبغض النظر عن مدى قدرة أو عدم قدرة تحقيق حلم القوميات المختلفة في الوحدة, فأن من حق كل القوميات أن تفكر وتحلم وتأمل بذلك ولكن بصورة عقلانية وبما ينسجم مع الواقع, إذ أن السياسة علم وفن من جهة , وهي فن الممكنات من جهة أخرى , ووحدة الدول الشعوب أو اتحادها هي علم وفكر وفن وسياسة. حين نقول أن الشعب الكردي جزء من الأمة الكردية لا يعني أن شعوب هذه الأمة ستكون قادرة على تحقيق وحدتها في دولة واحدة أو إقامة اتحاد مع الأقاليم والشعوب الكردية الأخرى, ولكن من حق الشعب الكردي أن يفكر ويحلم ويأمل بتحقيق ذلك, على أن لا يتحول كل ذلك إلى هاجس ضاغط باستمرار باتجاه شوفيني يعيق تطور أي قسم أو جزء منها, كما وقعت فيه القوى القومية العربية على مدى عدة عقود منصرمة, خاصة وأن بين الكُرد من هم خاضعون لهذا الهاجس والضاغط على واقعهم الفكري والسياسي الراهن وعلى بعض ممارساتهم.
هل الفيدرالية الكردستانية تعتبر نموذجاً يحتذى به؟ ضمن أسئلة وجهت لي حول فيدرالية كُردستان, كان بينها سؤال عن مدى إمكانية اعتبار فيدرالية كُردستان نموذجاً لبناء العراق الجديد؟ فأجبت السائل, وكان أحد مراسلي الصحف والمجلات الكردية منذ ما يقرب من عام, بما لا يقبل الشك أو الإبهام بما يلي :
ينبغي أن لا نبالغ بواقع فيدرالية كُردستان وما حققته من منجزات , فهي في بداية طريق طويل لبناء الفيدرالية , وتحتاج إلى الكثير لكي تمارس مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية التي تعيش في إقليم كُردستان, أي أن الإقليم بحاجة ماسة إلى إقامة المجتمع المدني الحديث, وأن هذه القيم: الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني, هي عملية معقدة وطويلة تستوجب الكثير من التغيير في الإقليم والمنطقة وليست صبغة أو دهان. ولكن فيدرالية كُردستان تشكل نموذجاً حياً في قدرة الشعب الكردي في أقاليمه الأخرى على النضال من أجل إقامة فيدرالياته في إطار الدول التي تقع فيها أقاليم كُردستان الأخرى. وفي هذا مكسب كبير للشعب الكردي. أي أن بناء وتطوير فيدرالية كُردستان العراق وإشباع شعبها بالحقوق والواجبات والمساواة بين المواطنين وتعزيز دور ومكانة المرأة ومساواتها بالرجل والكفاح ضد البطالة والعوز …الخ يمكن أن تصبح نموذجاً لنضال الشعب الكردي في أقاليمه الأخرى. وإذا ما تمكن الشعب الكردي بناء القاعدة المادية للمجتمع المدني سيكون قادراً أيضاً أن يبني المؤسسات الديمقراطية الحرة ويفصل بين السلطات ويزيل النواقص والأخطاء الراهنة. ماذا يعني إقامة المجتمع المدني؟ يعني إزالة العلاقات العشائرية وإزالة بقايا فكر وممارسات العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في بعض مناطق ريف كُردستان وتجلياته في المدن وإقامة الصناعة الوطنية وتطوير البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة والمثقفين لكي تصبح هذه الفئات الحامل الفعلي للمجتمع المدني في إقليم كُردستان, عندها سنجد تركيبة جديدة للمجتمع الكردستاني وسيزداد دور العمال في مختلف مجالات الحياة.
حول مسالة الحزبين الكرديين الحاكمين والسلطة السياسية في إقليم كُردستان
من المؤسف حقاً أن الكاتب لم يرجع إلى مقالاتي الكثيرة عن أوضاع كُردستان وعن نقدي الواضح لعدد من المسائل السلبية في الإقليم. وهذه المقالات كتبتها بعد كل زيارة لإقليم كُردستان في الأعوام 2004, و2005 و2006 وبعد أن تجمعت لدي ملاحظات على سير العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحياة اليومية للسكان في مختلف محافظات الإقليم, إذ كنت قد كونت لوحة واقعية, كما أرى, عن واقع الحال بإيجابياته وسلبياته في إطار المسيرة العراقية. إن الصراع الذي كان يدور حول السلطة بين الحزبين, الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني كان شديداً وشرساً ودموياً. ولم يبدأ هذا الصراع بعد انهيار النظام العراقي في العام 1991 وخروجه من كُردستان العراق, بل منذ العام 1976 على الأقل, دعْ عنك العلاقات المتوترة بين مجموعة المكتب السياسي بقيادة السيدين إبراهيم احمد وجلال الطالباني, وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني, الذي كان المكتب السياسي قبل ذاك جزءاً منه. وكان أشد تلك المعارك في العام 1995 حين استعان واستنجد الطرفان بدول وحكومات لا يمكن الاستنجاد بها بأي حال. ومنذ العام 1998 بدأت الصورة تتغير تدريجاً وبوساطة دولية معروفة ومهمة, وخاصة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية, بلغت إلى حد توحيد الحكومة وبعض المؤسسات, بما فيها المجلس النيابي, في العام 2006. وهي خطوات مهمة على طريق طويل, إذ لا تزال بعض المشكلات قائمة وهي التي تعيق تحقيق الوحدة الفعلية الكاملة في السلطة. وليس فينا من يجهل الأسباب والعوامل الكامنة وراء هذا الصراع, ولكنه لم يكن موضوع رسالتي طبعاً إلى السيد مسعود البارزاني, ولكن من يريد الإطلاع عليه يجده في كتابي الموسوم “لمحات من نضال حركة التحرر الوطني للشعب الكردي في كُردستان العراق” الذي صدر في العام 2006 وانتهيت من كتابته في العام 2002/2003 .
إن من أبرز النواقص الراهنة في إقليم كُردستان هي التوزيع الجاري للمقاعد في المجلس النيابي وفي الحكومة وفي أجهزة الدولة بين الحزبين الحاكمين وإعطاء الفتات للآخرين, إذ أنها لا تعكس أجواء انتخابية فعلية ومنافسة وقوى حاكمة وأخرى معارضة. وهو أمر سلبي, ولكن التآلف الراهن والتحالف الكردستاني يساعدهم على مواجهة مخاطر كثيرة تواجه كُردستان العراق والعراق عموماً. فالحزبية الضيقة والأسرية والمدينية والفساد المالي والإداري وغيرها كلها ظواهر سلبية مشخصة وكتبت عنها الشيء الكثير ولم أجد مناسباً أن أكررها في هذه الرسالة التي استهدفت قضايا أساسية أخرى, إذ أن المجتمع المدني ما زال غائباً إلى حدود غير قليلة ويحتاج إلى وقت غير قصير. إلا أن الفجوة بين الوضع في إقليم كُردستان العراق والوضع الراهن في العراق كبيرة لصالح الإقليم, وهو أمر لا يجوز نسيانه والذي يعود في الكثير منه إلى أجواء التصافي بين الحزبين والعمل المشترك مع بقية القوى السياسية.
إن غالبية الأحزاب السياسية العراقية لم تستطع الخروج من جلدها, بل أن من كان خارجه سقط فيه ثانية, وهي تعيش في مجتمع لا تزال علاقات الإنتاج فيه شبه إقطاعية وعشائرية, وبالتالي فأن العلاقات الأسرية التقليدية ستبقى تلعب دورها في العراق وفي كُردستان لفترة غير قصيرة قادمة. وهذا لا يعني عدم نقد هذه الظاهرة أو السكوت عنها, ولكن يفترض أن نفهم أسبابها, وخاصة بالنسبة لعائلة قائد الحركة التحررية الكردية الراحل مصطفى البارزاني خلال عقود غير قليلة ودورها في العملية السياسية الكردية خلال العقود السبعة الأخيرة من القرن العشرين. إلا أن هذا يفترض أن لا تسمح العائلة ذاتها بسيطرة أفراد من العائلة على غالبية المواقع الأساسية في الاقتصاد أو المجتمع وفي المراكز الأساسية في الإقليم أو في محافظتي أربيل ودهوك, وهو ما يمكن ملاحظته في مقالات أخرى كتبتها حيث أشرت فيها إلى ذلك والمضار الناشئة عنه على العائلة والمجتمع والتطور اللاحق. وهكذا كان نقدي بالنسبة لمحافظة السليمانية من جانب آخر, بما في ذلك الحزبية الضيقة.
الدور الطليعي للتحالف الكردستاني في الواقع السياسي العراقي
ماذا أقصد بالدور الطليعي الذي يفترض ويمكن أن يلعبه التحالف الكردستاني في الواقع السياسي العراقي؟ المقصود هو أن التحالف الكردستاني الذي أقام الفيدرالية وفيه وجهة علمانية في الفكر والسياسة العامة وفي والموقف من نظام الحكم أو العلاقة بين الدين وسلطة الإقليم وحكومته يستطيع ويفترض أن يلعب الدور التالي على صعيد كُردستان والعراق:
1. التصدي لمحاولات فرض دولة دينية أو إسلامية سياسية في العراق, بل الضغط باتجاه التخفيف من هذا التوجه لدى قوى الإسلام السياسي المعتدلة والمتطرفة لصالح دولة علمانية أو شبه علمانية على اقل تقدير, كما يتجلى ذلك في الدستور العراقي الجديد, الذي يزحف بين مدينتي نعم ولا.
2. محاولة التخفيف من النهج الطائفي الذي تمارسه الحكومة العراقية بسبب قوة تمثيل الائتلاف العراقي الموحد في الحكومة الراهنة, إذ أن الكُرد يستطيعون تعديل الميزان نسبياً وتخفيف غلواء القوى الأكثر تطرفاً وغلواً في الطائفية السياسية.
3. الدفع باتجاه إقامة مؤسسات ديمقراطية وإشباعها بمهماتها في إقليم كُردستان بما يمكن الإقليم من تقديم النموذج الذي يدفع بالعرب في الجزء أو القسم العربي من العراق بالاتجاه ذاته. وهي مسألة لا تزال بحاجة إلى جهود شعبية, سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية, كبيرة ومديدة.
4. من الممكن والضروري أن يقدم التحالف الكردستاني دعماً سياسياً ضرورياً للقوى الديمقراطية واللبرالية والعلمانية في القسم أو الجزء العربي من العراق والذي لم يتحقق حتى الآن والذي حاولت الإشارة إليه في أكثر من ندوة ولقاء في الفترة الأخيرة. وهنا لا بد للإنسان أن يسترجع النضال الذي خاضته القوى الوطنية والديمقراطية العربية إلى جانب الشعب الكردي وقواه السياسية في سبيل “الديمقراطية للعراق والحقوق القومية للشعب الكردي” من جهة, وأن القوى الديمقراطية العربية في العراق هي الحليف الثابت والدائم للشعب الكردي من جهة ثانية.
ومن الممكن أن نختلف في وجهات النظر, ولكن يفترض أن يبقى الاحترام للرأي والرأي الآخر, وليس محاولة التسفيه غير العقلاني, إذ لا فائدة من ذلك ولا يضر سوى من يستخدمه.
مسألة كركوك
تشكل مسألة كركوك واحدة من أعقد المسائل التي شهدها العراق منذ نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي, وكانت سبباً في فشل الكثير من المشاريع الخاصة بكُردستان العراق والعراق. وقد ساهمت حكومات عديدة, سواء في العهد الملكي ومنذ الثلاثينات من القرن الماضي أم في الفترات اللاحقة, ولكن بشكل خاص حكومات القوى البعثية والقومية اليمينية التي هيمنت على السلطة منذ العام 1963 واستمرت حتى العام 2003, بسبب سياساتها الشوفينية التي سعت إلى تغيير البنية السكانية لمدينة ومحافظة كركوك وضواحيها وأقضيتها ونواحيها, إضافة إلى مدن أخرى من العراق, وخاصة في العقود الثلاثة التي سبقت سقوط النظام الدكتاتوري. وقد تعرض الكُرد والتركمان إلى تهجير قسري وتعريب تعسفي شوفيني وعنصري, كما جرى ترحيل عائلات وجماعات وعشائر عرب من مناطق مختلفة إلى كركوك وضواحيها لتحل محل الكُرد والتركمان أولاً, أو تسكن مناطق جديدة في كركوك ثانياً, كما قامت السلطة البعثية الصدامية بتوزيع مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة والعقارات على جماعة البعث ومن أهل الدكتاتور وسكان قريته العوجة. وقد ارتبطت هذه السياسة بارتكاب الكثير من المظالم والقهر والقتل. فكيف يفترض أن يعالج هذا الأمر؟
هل أحتاج حين أوضح رأيي أن أفرضه على الكُرد أو العرب أو التركمان, أم يفترض في أن أبين بأهمية وضرورة وأمل وهدف تجنب اقتتال الأخوة أو ارتكاب مظالم جديدة معاكسة أو تحول بعض الضحايا إلى جلادين أو السكوت عن الجلاد السابق أو عدم التحري عن حل مناسب للمشكلة, وبصور إنسانية بعيداً عن الأسلوب الذي مارسه صدام حسين في الترحيل. لقد توصل الدستور العراقي الجديد إلى وضع مادة دستورية لحل هذه المشكلة وعلينا ممارستها. وما نبهت إليه هو ضرورة العمل والتدخل من جانب المسئولين والعقلاء من الناس في كركوك من أجل منع وتجنب ارتكاب بعض الناس أو القوى السياسية أو المتشددين والمتطرفين من الكُرد أخطاء أو نشوء أجواء شوفينية غير مبررة تؤدي إلى نتائج سلبية. كما أن هذا الطلب يتوجه صوب العرب والتركمان أيضاً. فهل في هذا الطرح ما هو موعظة أم أحتاج إلى سوط لأضرب به الناس لكي افرض عليهم وجهة نظري؟ هل من طريق آخر غير طريق الحوار البناء والمساومة المعقولة وصياغة الرأي المعقول الذي اقتنعت به من اجل حل الإشكالية بدلاً من ممارسة العنف أو القسوة الكلامية التي لا تغني ولا تسمن بل توتر الأجواء المتوترة أصلاً.
لقد كانت رسالتي تتضمن جملة من الأفكار التي كنت راغباً في إثارة انتباه السيد رئيس إقليم كُردستان, وكذلك إلى الرأي العام الكردستاني, بضرورة التهدئة في المشكلة المثارة مع تركيا وعدم التسرع في التصريحات إذ أن لها عواقب غير مفيدة وضرورة التنسيق بين الحكومة العراقية وحكومة الإقليم. ولهذا أرى من الخطأ غير المبرر الإساءة إلى شخصيات وطنية بأي حال ولنا معها أفق نضالي لاحق من اجل بناء عراق ديمقراطي فيدرالي علماني مزدهر, ولكن هذا لا يحرم أحداً من ضرورة توجيه النقد الذي يلتزم بمعايير النقد البناء ويجسد الاحترام المتبادل ويساعد على قبوله والاستفادة منه وليس لفظه. فهل هي لغة سياسية تلك التي تستخدم كلمات مثل عنتريات, أم تقتضي اللياقة الكتابية والمخاطبة السياسية استخدام عبارات قادرة على التعبير بما يريد الإنسان أن يقوله دون أن يجرح الطرف الآخر أو يتجاوز عليه, الذي يقف أساساً في الصف النضالي ذاته مع وجود التباين في هذه المسألة أو تلك.
ليس فينا من يمتلك الحقيقة, ويفترض أن لا يكون بيننا من يدعي امتلاكها, وما عساها يمكن أن يكون خاضعاً للنقاش الهادئ والعقلاني والموضوعي الذي لا يفرق الصف بل يقرب بين وجهات النظر ويساعد على لحمة الصف الوطني والديمقراطي ويعالج المشكلات القائمة بروح الحرص والمسؤولية المشتركة.