الرئيسية » مقالات » الحاجة الى الاتصال من طبائع البشر… فهم النفس يجري من خلال الاخرين

الحاجة الى الاتصال من طبائع البشر… فهم النفس يجري من خلال الاخرين

إذا أراد الإنسان أن يكونَ متوازناً في حياتهِ، فلا بدّ لهُ من أن يربط بين الواقع والمخيلة، فالواقع مؤلم إذا لم تسندهُ المخيلة، وتنقلهُ الى عالمٍ بعيد عن الأصوات الصاخبة والأحداث المؤلمة. وإذا كانت المخيلة تحتلّ المكانةُ الاولى لدى الإنسان من غير أن يكون لهُ نظرة واقعية على مجريات الأعمال اليومية، والأحداث، والعلاقات الإنسانية، ومعاني الإتصال.. سيقع الإنسان هنا في الوهم والمثاليات البعيدة عن خبرة الواقع مع الآخر. فالربط بين (الواقع والمخيلة)، ضروري ومهم في تكوين صورة مقبولة عن الحياة وعن العالم، لكي يفهم الإنسان ذاتهُ ويعرفُ مغزى علاقاتهِ، وتنظيم برنامج خاص منهجي يعتمدُ عليه، فالخلل كل الخلل هو الوقوع في الغموض واللامعنى الذي دمّر ويدمّر حياتنا ويحوّلها إلى جحيم قاس عديمة الدهشة… فعندما يفقدُ الإنسان طعمَ الدهشة يقعُ في دوامة الشعور بالذنب والنقص المؤلمين ويُصاب بجفاف فكري وكسل وجودي، فيصبح مثل القنفذ يلدغ كل مَن يقتربُ منهُ… أي يُغلق على نفسهِ الجدران، والأبواب ويصدّ كل حركة موجّهٌ اليهِ…. وهنا ماذا يحصل…؟ ستتراكم حولهُ الشكوك والظنون، والأفكار اللامعقولة واللامنطقية مثل الخيوط المعقدة، ويتسرّب شريان الحياة لديه، فيشيخُ قبل وقتهِ، وهذا ما نلمسهُ في شباب اليوم الذين ما أن يبلغوا سنّ العشرين فما فوق؛ حتى يصيروا مثل هذا الشخص الذي يمسكُ عكازة بيديه، سيصيرُ مثل الشبح الذي يمشي في الشارع لا ركيزة لها يستندُ عليها.. أو جسم يسيرُ في الشارع لا روح له. يفقدُ هذا الإنسان الإتصال مع ذاتهِ أولاً، ثمّ مع الآخر ثانياً، ثمّ مع الخالق ثالثاً فيقع في العدمية وفي الخواء؛ لإنّ إتصالهُ سيكون محدوداً بما يسمعهُ ويشاهدهُ ويُنقل له من الأصدقاء والأقارب، فسيخلقُ له مبدأ وفكرة يؤمن بهما… أو بالأحرى مبادئ وأفكار مستهلكة لا جدوى منها سوى أنها تأتي بالكوارث والويلات عليه وعلى من هم من حولهِ، هذه الأفكار المستهلكة هي مثل الأغذية المستهلكة التي عفى عنها الزمن وشرب (غير صالحة للإستعمال البشري)، وسيسير في تعاملهِ مع الآخرين على حسب مبادئه المسبّقة المستهلكة المريضة، فلا يكوّن له علاقة خاصة جيدة ذو قيمة، فيظنّ أن المشكلة هي في الآخر، أو في الزمن المر، أو في المجتمع… صحيح أن المجتمع له دور أيضاً في إعطاء بعض الأفكار والنظريات والمفاهيم المغلوطة والمشوّهة، وإعطاء معنى معاكس للحقيقة لا تخدم الصالح العام. لكن الأمر يختلفُ هنا، لإنّ هذا الشخص هو مَنْ بدأ بإدخال الفايروس بالعلاقة وليس المجتمع…قد يكون المجتمع قادر أن يُصلح ما أفسدهُ هو. إذاً ما هو الواقع وما هي المخيلة….؟!. وكيف يتمّ الحوار والإتصال الحقيقي..
الأتصال (communication):
إنّ الحياة البشرية تقومُ برمتها على الإتصال، أي على العلاقات الإنسانية بما في ذلك العلاقة العاطفية، والدينية، والفكرية، والسياسية، والتجارية، والعائلة، والمهنية. فالإنسان يتصّل يومياً بين زملاء في العمل ويتبادل الكلام، ويتقاسم معهم الحوار والآراء. وإذا كان الإتصال يدخل في صميم الحياة البشرية منذُ أن وجد الإنسان على الأرض وفي المجتمعات… فإنّ دراسة (موضوع الإتصال) لم تبدأ إلاّ في السنوات الأخيرة. وهذا يعني أنّ الإتصال من المواضيع الحديثة في علم النفس.. فخلال الأربعينيات بدأ علماء النفس يشعرونَ بأهمية الموضوع، لكن الأبحاث والتجارب لم تكنْ متوافرة قبل ظهور دراسات (شانون 1949). لا حياة بشرية وإجتماعية دون إتصال… ولا إتصال أو بالأحرى لا يحصلُ إتصال حقيقي دون واقع يهتمّ بما يعطيه هذا الإتصال من نتائج ويؤثّر عليه، فالوهم مرض وفراغ وكبت للروح، والفكر، والإتصال… والحقيقة، هي التي تعطي للإتصال سرية ومعنى جديد في نظرة الإنسان بما يدور في فلك العالم، وإذا كان الهدف من الإتصال هو تحقيق العلاقة الإنسانية والإجتماعية مع شخص آخر أو مع جماعة من الناس… فإنّ هذا الإتصال قد يتعدّى الإطار المذكور الى الناحية الدينية والروحية… أي علاقة الإنسان بالله. فليس كل إتصال هو إتصال بالمعنى الذي نريدهُ، قد يكون هناك إتصال سلبي، أي إتصال مع الذين يعتقدون بوجود الأرواح الشريرة والخبيثة… والإتصال بالأموات، أو ليس فقط إتصال… نقدر أن نقول انه إيمان بمعتقدات مرضية مثل، قراءة الكف، والفنجان والطالع… والمعتقدات الأخرى التي تملاً حياتنا مثل العين الحاسدة… إلخ. فهذا لا يجب أن نسميّه إتصال واقعي بل إتصال وهمي، لإنه لا يغيّر شيئاً من حياتنا.
مستويات الإتصال واللقاء الخمسة:
“قل لي كيف هي علاقتك مع الأخرين، أقول لكَ من أنتَ. والعلاقة تقاس بقوة تعبيرها، لإنها إتصال إمّا بشيء أو بشخص، وتبقى المسافة مخيفة إذا إقتربت أو إبتعدت… والمسافة هذه تبّين محبتي: أحقيقة هي أم للإستعمال فقط؟ فأقضي العمر دون أن أعيش حقاً، حياتي هي بمثابة جرعات تملك، وأسفار قصيرة، وهرب من الوحشة والغربة، فعلى الإنسان أن “يستعمل” الأشياء و”يحبّ” الأشخاص لا العكس، لإنّ في إنقلاب الامور شقاءنا”.
مستويات اللقاء:
1-الحديث العادي المبتذل، (كليشة: شكو ماكو، الخ…).
-2حديث سرد الوقائع: قال فلان، حدث كذا وكذا شيء….
-3أفكار وأحكام: أخاطر وأقول لكن أحاول أن أقول ما يعجبك انت..!.
-4أقول شعوري وأحساسي: خصوصيتي، سلباً وإيجابياً برغم أن الناس لا يتحملونها، فالصدق يجرح. أما أرجع إلى سجني أو أخطو إلى الإمام.
-5 قمّة العلاقة: إنفتاح صعب، إندماج كامل، تجنّب المراوغة والمخادعة، والشخص ليس شيئاً. أشكال الإتصال غير اللغوية: إنّ اللغة هي أهم وسيلة للإتصال، ويذكر (تشيريcherry)،إن أهم أنظمة الإتصال هو بالطبع الكلام الإنساني واللغة، ولا إتصال دون نظام من الرموز.
1 – الوجه: تبدو تعابير الوجه ذات دلالة هامة، وقد تترجم عمّا في الداخل من أفكار ومشاعر قبل الكلام، أو أكثر في بعض الأحيان.. والوجه يمكن أن نعتبرهُ (نافذة الأنا على العالم الخارجي) … إنّه يلعب دوراًُ هاماً في تنشيط أو توجيه العلاقة. فقد تدفع إبتسامة ما بالشخص إلى متابعة الحديث بإرتياح، والتعبير عن مشاعرهِ دون خوف أو خجل.. وقد تُشير بعض النظرات الى الغضب والعدوان، أو إلى الإستعطاف.
-2الإيماءات: هناك الإيماءات أو الحركات التعبيرية التي قد تكشف عن مزاج الشخص، وقد تترافق تلك الحركات مع الكلام بحيث ينفعل الشخص عند الكلام وكأنهُ يمثّل على خشبة المسرح، ولا نشكّ بإنّ شخصاً من هذا النوع هو من أصحاب المزاج الإنفعالي أو الحركي، ومن جهة أخرى قد تحلّ الإشارات محل الكلام في بعض الأحيان… وهذا ما يفعله الشخص الذي يُحب صديق عزيز عليه، أو فتاة دخلت قلبهُ… وقد تعني أيضاً إعطاء الأوامر، أو التهديد، أو الإحترام وتبادل المشاعر، وقد تكون مدخلاً الى العلاقات الدبلوماسية والتجارية بحيث يقوم الشخص السياسي أو الدبلوماسي بحركات لطيفة جداً تدّل على الإحترام والإهتمام.
الحاجة الى الإتصال:
إن ظروف الحياة الحديثة وما فيها من ضغوط تقنيّة معقّدة بدأت تطرحُ مسألة الإتصال على بساط البحث. فالإنسان دائب في بحثهِ عن علاقات إجتماعية وعاطفية، وهذه الرغبةُ الشديدة في تحقيق العلاقات الإنسانية تصطدمُ بالجدار. إذ هناك صعوبة في تحقيق تلك الحاجة بسبب ظروف الحياة المعاصرة … فالإنسان يحاول الهروب من هذا الضغط التقني الرهيب، ومن الشعور بالقلق والإنفصال. والبحث عن الذات في الآخر يعني الخروج من الذات “الانا” أو الهرب منها… والانسان كائن هذا العالم ووجوده مرتبط بهذا العالم وهذه الأرض.. وقد كشفت بعض الأبحاث خلال السنوات العشر الاخيرة، عمّا يمكن تسميتهِ ((بالحاجة الى الإتصال)) إذ قام فرنان وهوفنان بدراسة عن “الحرمان الحسّي” حيث وضعا شخصاً في غرفة معزولة عن كل إحتكاك أو إتصال… وقد وجد العالمان إن الشخص قد أظهرَ رغبة شديدة في الإتصال أثناء الحرمان وبعدهُ، كما أن الشخص المذكور قد تعرّض للإضطراب النفسي والضجر والخلط الذهني.
“إنّ نمو الكائن البشري لا يتمّ بمعزل عن الوجود المادي والإنساني إنهُ ذو طابع إجتماعي، ليست فقط الحواس الخمس، وليست الحواس الروحية ولا العلمية ( الإرادة – الحب) وبكلمة واحدة، الحس الإنساني أي إنسانية الحواس لا تتشكّل إلا بفضل وجود موضوعها، وهذا يعني أن الذات والموضوع في علاقة دائمية مستمرة”.
المصادر
سيكولوجية الإتصال والعلاقات الإنسانية، د.غسان يعقوب، دار النهار للنشر، بيروت 1979.
التآخي