الرئيسية » مقالات » انتفاضة معسكر الرشيد مآثرة خالدة في تاريخ الشعب العراقي

انتفاضة معسكر الرشيد مآثرة خالدة في تاريخ الشعب العراقي

تحل علينا هذه الايام الذكرى الرابعة والاربعون لانتفاضة الجنود في معسكر الرشيد، المعروفة بـ (انتفاضة حسن سريع) في الثالث من تموز 1963
هذه الانتفاضة التي قامت كرد فعل ثوري على انقلاب الثامن من شباط الدموي الاسود بعد خمسة شهور من وقوعها وتحتل الانتفاضة مكانة مهمة في تاريخ العراق الحديث كواحدة من المآثر البطولية الخالدة لشعبنا العراقي في مقارعة الظلم والاضطهاد، وكحدث ثوري من اجل انقاذ الوطن من براثن الانقلابيين الذين اغرقوا البلاد في لجة بحر من الدماء…
دماء خيرة ابناء شعبنا من ضحايا غدر وحقد النفر الضال من الضباط وقادة البعث الذين باعوا انفسهم وبلادهم للاجنبي- وعلى حد وصف احد قياديي البعث (لقد جئنا بقطار ماكنته امريكية).
لقد كان من اهم اسباب قيام انقلاب شباط.. هو الاجهاز على ما حققته ثورة 14 تموز الوطنية من مكاسب وانجازات عظيمة على الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي تعد نقلة نوعية عملت على تطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في حياة الفرد والمجتمع العراقي، وتحقيق الاستقلال الناجز للبلاد بالانسحاب من حلف بغدادوالاحلاف والمواثيق العسكرية، وحررت الاقتصاد العراقي من خلال حرية التجارة وتحرير النقد العراقي من فك ارتباطه بكتلة الاسترليني، وتحرير الثروة النفطية من سيطرة الاحتكارات الاجنبية بالقانون (رقم 80).
فضلا عن اقامة قاعدة صناعية كبيرة في تاسيس عدد كبير من المصانع والمعامل التابعة للقطاع العام مابين صناعة ثقيلة وخفيفة موزعة توزيعا جغرافيا عادلا على جميع المدن العراقية فضلا الى تقيدم المساعدات والقروض للقطاع الصناعي الخاص من اجل النهوض بالصناعة الوطنية وصولا الى انتاج وتوفير السلع التي يستوردها القطاع التجاري الخاص للمواطنين.
فضلا عن اقامة مشاريع لتطوير السكك الحديدية، وانشاء شبكة متطورة من طرق المواصلات البرية، واقامة مشاريع لتوليد الطاقة الكهربائية ومصافي النفط ونصب بدلات للهاتف في جميع المحافظات كما احدثت ثورة في القطاع الزراعي من خلال تحديد الملكية الزراعية وتوزيع الفائض على الفلاحين الفقراء وادخال اساليب الزراعة الحديثة من مكائن واسمدة وبذور محسنة لزيادة الانتاج اذن لقد كان السبب الرئيس لانقلاب الثامن من شباط (القانون رقم 80) الذي حرر الثروات النفطية من سيطرة الاحتكارات التي كانت تتحكم في اقتصاد وسياسة البلاد، مداً وجزراً من خلال تقليص او زيادة الانتاج وبالتالي تقليص او زيادة العائدات النفطية. اما الانجازات التي تحققت على الصعيدين الاجتماعي والثقافي فقد شهدت البلاد ثورة حقيقية في حرية الرأي والفكر وحرية تأسيس وتشكيل منظمات المجتمع المدني، من نقابات مهنية وعمالية واتحادات وتشكيل الاحزاب، ومنح حقوق امتياز لاصدار العديد من الصحف الممثلة للقوى والاحزاب السياسية) فضلا عن التطور الكبير في انتشار المكتبات التي كانت تعرض نتاجات الكتاب والمفكرين والادباء من فلسفية وادبية ودواوين الشعراء وروائع مؤلفات خبرة الروائيين والمؤلفين والمؤرخين القدامى والمحدثين، كما شهدت جامعة بغداد هي الاخرى تطوراً نوعياً وتوسعاً من خلال افتتاح العديد من الكليات والمعاهد الجديدة التي شهدت اقبالاً واسعاً لمواصلة التعليم خاصة اقبال العنصر النسوي على مواصلة التعليم الجامعي في مختلف الفروع العلمية والادبية.
اذن ان التطورات التي حصلت في البلاد، قد اثارت حفيظة البلدان والحكومات التي لاتريد للعراق وشعب العراق ان يتطور ويشهد نموا اقتصاديا وبشرياً وحضارياً، لذلك فقد كان الثمن غالياً.. اغتيال الثورة واغتيال قائده الثورة والكوكبة المناضلة من الضباط الوطنيين الذين ضحوا حتى الرمق الاخير من حياتهم دفاعا عن الثورة وانجازاتها ومكاسبها وهم:
الشهداء (طه الشيخ احمد، جلال الاوقاتي، فاضل عباس المهداوي، وصفي طاهر، داود الجنابي، حسين خضر الدوري، عبد الكريم الجدة، كنعان الحداد) وآخرين غيرهم فضلا عن ضحايا غدر الهيئات التحقيقية الخاصة التابعة للحرس القومي وحزب البعث، الذين استشهدوا في اقبية وسجون تلك الهيئات في قصر النهاية، ومحكمة الشعب ومراكز الاعتقال التي ملأت السجون ودور السينما والقاعات والنوادي والملاعب الرياضية والذين تعرضوا الى ابشع وسائل التعذيب.
هذه هي الاسباب التي دعت تلك الكوكبة من الجنود وضباط الصف للقيام بانتفاضتهم الباسلة، لتخليص البلاد من براثن الطغمة الانقلابية، واستعادة المكاسب التي صادرها الانقلابيون كما اثبتت الانتفاضة وقادتها تمسكهم بالمبادئ السامية والاخلاق الرفيعة، لدى اعتقالهم لعدد من الوزراء والعسكريين وعدم قتلهم على امل تقديمهم الى المحاكم لينالوا جزاءهم العادل، ولفضح انقلابهم الاسود وارتباطهم بالجهات الاجنبية المشبوهة.
لقد تمكن الثوار من السيطرة على جميع الوحدات داخل معسكر الرشيد بضمنها المطار العسكري، ولم يبق امامهم سوى السجن رقم (1) لتحرير الضباط المعتقلين وتسليمهم قيادة الثورة وقيادة الطائرات بهدف اسقاط النظام.
الا ان افتقار الثوار لفن القيادة العسكرية ووقوعهم في اخطاء تكتيكية حالا دون نجاح محاولتهم وثم اعتقالهم وتقديمهم الى محاكمات صورية حكمت على اغلبهم بالاعدام وتلقوا الاحكام بشموخ واباء الابطال.. وهكذا اثبت العراقيون رفضهم للجور والظلم وهكذا تدخل انتفاضة حسن سريع ورفاقه الابطال اسفار التاريخ من اوسع ابوابها لتستقر في اكثر صفحاتها اشراقا مع الخالدين.
وبهذه المناسبة الخالدة التي تستدعي من جميع القوى الوطنية الى التحلي بالوطنية والتخلي عن التوترات والاحتقان الطائفي وعدم الانصياع لاجندات المصالح الاقليمية والتوجه بنوايا صادقة الى توحيد صفوفها وعقد مؤتمر المصالحة الوطنية وبناء العراق الديمقراطي التعددي الفدرالي واتخاذ التداول السلمي للسلطة سبيلا نحو ازدهار البلاد.
التآخي