الرئيسية » مقالات » مفهوم الاعتدال السياسي لدى القيادات العراقية

مفهوم الاعتدال السياسي لدى القيادات العراقية

يظهر أن المساعي والاتصالات حول تشكيل جبهة سياسية جديدة بعنوان “جبهة المعتدلين” على وشك الانتهاء وأن الجبهة الجديدة سوف توقع بعد أيام.
هذه ملاحظات سريعة وأولية عن الموضوع، بانتظار تكوين الجبهة وإعلان برنامجها، ولربما قد تكون بعض ملاحظاتنا تحتاج لتعديل.
الملاحظة الأولى أن هذه الجبهة ستتشكل في البداية من الحزبين الكردستانيين والحزبين السياسيين الشيعيين، وهي الأحزاب الأساسية في الحكم. أما جبهة التوافق، فيظهر أنها لم تقتنع بعد بالانضمام، والأيام القلية القادمة ستبين ممن يتألف قوام الجبهة الجديدة. أما تكتل (العراقية)، فلا حديث عنه الآن رغم أنه يضم أحزابا وشخصيات معتدلة حقا وعلمانية، وهذا بصرف النظر عن وجهات النظر في شخص الدكتور علاوي.
أما الغريب والمضحك، فهو إعلان الصدر عن رفض الانضمام!! وهذه مفارقة كبرى من مفارقات الوضع القائم، ومواقف الحكومة من جيش المهدي وزعيمه. إنه بدلا من اعتقال الصدر تنفيذا لقرار قضائي مرت عليه أربع سنوات، وبدلا من اعتبار جيشه منظمة إرهابية في خدمة نظام ولاية الفقيه ويجب تحريمها قانونا، فإن هذا الصدر لا يزال يرعد ويزبد على ساحة السياسة العراقية؛ فبالأمس كان من وراء صعود السيد المالكي لمنصبه، واليوم يضع الفيتو على الجبهة الجديدة، وهكذا دواليك رغم أن جيش المهدي نشر الموت والرعب في بغداد والنجف وكل مدن الجنوب ولا تزال قواته تهاجم تلك القوات العراقية التي وافقت على الحد من عبثه الدموي بالأمن وسلامة المواطنات والمواطنين.

نعود لتعريف مفهوم الاعتدال السياسي عند قيادات الأحزاب الأربع.
في رأينا أن الاعتدال السياسي يجب أن يكون قائما على الاعتدال الفكري أولا، بمعنى أن تكون الأحزاب أو الشخصيات متحررة من كل أيديولوجية منغلقة وشمولية. فهل يصدق ذلك على أحزاب سياسية دينية تعمل من خلال أيديولوجية تؤكد أن الإسلام هو حلاّل كل الحلول، والتي تريد إقامة حكم الشريعة، وتستهين بحقوق المرأة وكرامتها؟ نضيف أن كل الأحزاب الإسلامية من سنية وشيعية تقوم على فقه يعتبر غير المسلمين “كفارا” من الدرجة الثانية، إن صح التعبير. أما المتطرفون، فيلقون الرعب في غير المسلمين مخيرين إياهم بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية؛ وهذا ما يعتنقه الإخوان المسلمون تجاه الأقباط المضطهدين، وهذا ما يجري تطبيقه في العراق منذ سقوط صدام تجاه المسيحيين والصابئة وغيرهم من غير المسلمين. لا نعتقد أن برامج وعقليات الأحزاب الإسلامية كلها هي معتدلة مع وجود فروق مهمة في الممارسة والمواقف بحسب الظروف والإمكانيات.
أجل إن الحزبين الكردستانيين الرئيسيين هما علمانيان ومعتدلان، ولهمها سياسات مرنة، وقد لعبا أدوارا مشرفة في لم الصفوف قبل سقوط صدام وبعده، علما بأننا انتقدنا، ولا نزال ننتقد، هذا “التحالف الاستراتيجي” مع أحزاب إسلامية تعمل لفرض حكم الشريعة، وتستمد تعليماتها من المرجعية الدينية الشيعية حتى تكاد هي تتحول لما يشبه نظام ولاية الفقيه. بالطبع لا يعني ذلك تجاهل الأوضاع القائمة والمواقف العملية للأحزاب كلها، وعدم تجاهل العمل مع الذين يتفقون مع العلمانيين والمعتدلين في مواقف معينة هامة. إن المرونة والتنازلات السياسية ضرورية جدا، ولاسيما في الوضع العراقي المعقد، وما خلفه نظام صدام من تركات الخراب البشري، والمادي، والسياسي، والاجتماعي، والفكري. إن السؤال المطروح هنا هو، هل المرونة يجب أن تكون بأي ثمن، وبلا حدود، وأن تتحول لنهج سياسي ثابت وإستراتيجي حتى إن تبين فشل الأحزاب الدينية في ممارسة السلطة بحكمة، ومراعاة مشاعر وحقوق غير المسلمين، وعدم تحريم وجود المليشيات وحلها وتجريدها من السلاح؟ إن الواقعية والحكمة السياسية تتطلبان أيضا محاربة عملية للطائفية، والجدية في محاربة الفساد، وعدم الانتقائية في معاقبة الإرهابيين ودعاة الإرهاب الذي يهدد العراق حاضرا ومستقبلا. نسأل أيضا إلى متى تستمر مراعاة إيران وتبرئتها من التدخل في الشؤون العراقية مع أنه تدخل مكشوف وواسع النطاق؟! هذه ملاحظة موجهة أيضا للأطراف الكردستانية ؟؟ .
10 تموز 2007