الرئيسية » مقالات » كيف لنا أن نرتقي ..؟!.

كيف لنا أن نرتقي ..؟!.

مؤسف هذا الوضع الذي نحن فيه وعليه، هذا المآل الذي يحيلنا – بالرغم عنا – إلى التفكير في جدلية العلاقة بين المثقف والكلمة، وبينه وبين ممارسته لذاته، وكذلك بين الجانب المعرفي الذي يدعيه، وبينه وبين جدران من التراكمات، قد تختزل في داخلها ما هو قابع في دخيلتنا، ذاك الذي يجسد حقيقتنا من حيث ندري أو لا ندري، ويدفع بنا إلى حيث النشأة وثقافة الولادة المجتمعية، تلك التي لا تنفك في ملاحقتنا، وإن كنا نحاول الخروج من براثنها، في خطوة، هي في حقيقتها ليست سوى محاولة للهروب إلى الأمام ..
ومؤسف ما تحاول التعبيرات السياسية/الحزبية أن تدفعها إلينا، وهي ضمن مخاضات الانشطار والتشظي، هذه التعبيرات التي، وإن كانت تسجل لها على أنها ساهمت إلى حد ما في التعبير عن الجانب القومي، ومحاولتها التمسك ببعض الثوابت القومية، ضمن صيرورة التقلبات التي كانت تطرأ على موازين القوى، إلى أنها؛ وكنتيجة لممارساتها وسلوكياتها وانشطاراتها المرضية، أنتجت ما يمكن أن نسيمها بثقافة الأنا، التي لا بد وأن تفضي إلى نسف الآخر، وذلك في سبيل المحافظة على بعض المكاسب والمكتسبات الشخصية، من لدن القابعين على زمام القرار، والتي تتم اصطباغها – قسراً – على أنها مكتسبات حزبية أو قومية، مما أدى، وأمام هكذا ثقافة تنتج الإنسان الحزبي، إلى تحويل الحزب السياسي إلى مجرد مؤسسة تابعة للشخص أو للزمرة، وإن كان الطموح، أو ما ينتج عن المحطات الشرعية من قرارات، توحي بأن الكل في طريقه إلى شكل مؤسساتي في التفكير والإرادة، ولكن وأمام طغيان الأنا والإرهاب الذي يتم بثه عبر وسائل وأدوات معينة بين صفوف الإطار، نكون أمام مؤسسة الفرد أو المجموعة أو القرار ..؟!. حتى أن هذه الحالة تدفع بالإطار إلى الخروج – رغماً عنه – عن مساراته وسياقاته وأهدافه، إلى ما يمكن تسميته بالتحرك وفق بوصلة الأمر الواقع، أو الركون إلى الأشكال المتبعة في إدارة الأزمة، وبالتالي يكون الطرح في واد، وما يجري من حالات تجييش واحتقان واصطفاف، بهدف الحفاظ – وكل من جانبه – على الموقع والموضع والمرسوم في واد آخر ..
وبموازاة كل ذلك، فإننا نعاني الأمرين ونحن نواجه الداخل عبر ثقافة النسف، والخارج من خلال أدوات القمع والإكراه، وكل ذلك ضمن تراكمات ضاغطة في الحالة الاجتماعية والاقتصادية، هي في حقيقتها تحصيل حاصل لما تفرزها هذه الممارسات والسياسات من برامج ومشاريع، الهدف منها أولاً وأخيراً الإبقاء على الوضع بما يخدم وتوازنات الحالة السياسية، سواء من جانب السلطة أو من لدن الحزب السياسي، ناهيك عن تفاعلات الوضع السياسي العام، والذي لا يمكننا اللحاق بركبه كنتيجة للمآل الذي نحن فيه والوضع الذي نعانيه، والذي في جوهره يدخلنا – شئناً أم أبينا – في حالة من الخلل المنطقي والتشوه المعرفي ..
وأمام كل ذلك، فنحن – الذين ندعي التفاعل مع الكلمة والحقل الثقافي – ونتباهى بأننا نمتلك مفاتيح الحلول للبعض من المسارات المنكسرة، لا زلنا نفتقد إلى هويتنا وكذلك إلى رسالتنا، بل إلى بوصلتنا، إضافةً إلى افتقادنا لآليات البناء وأشكال الحوار والتحاور، وإن كنا ندعي ركوبنا سكة المشاريع التي فيها فك وتركيب، وفيها ما يمكن إن نسميها إعادة البناء للمنظومات التي ما زالت تتحكم في مصائرنا، لأنه لو امتلكنا إرادة التحاور مع الذات، وحاولنا عبرها الوقوف على ما نحاول التعبير من خلاله عن ذواتنا، لكان لنا أن نقف على حقيقتنا، وكذلك على سلوكياتنا، بالرغم من أن في ذلك الكثير من الإرهاق والكثير من الدخول في معابر التناقض بين ما ندعيه وما نمارسه ..
فقد يخال للبعض – وحسب رؤيته – أنه بإمكاننا نحن الذين ندفع ضريبة التاريخ والجغرافيا، ونعيش تحت وطأة القمع والاستبداد، وكذلك أجندات القوى والأنظمة التي تحاول الانقضاض على هويتنا عبر مشاريعها ومخططاتها، أن ننهض من الحالة التي نحن عليها، ونمتلك قرارنا وزمام المبادرة في تقرير مصيرنا، وعليه نمتلك القدرة على نسف كل ما تم تعميمه وتسويقه وترتيبه من قبل أصحاب السلطة والقرار، سواء في الحاضن الكردي، أو من قبل الجهات التي تمتلك البعض من القرار ضمن الوسط الذي نتفاعل فيه، عبر وسائل القمع والضغط والإكراه وشراء الذمم، وبالتالي البناء وفق صيغ ننشدها ونطمح إليها، تحت ضغط مفردات المرحلة وسياقات التغيير، بمعنى آخر؛ أن نغير في المعادلة، وكأننا نحن الذين نمتلك قرار التغيير، إذا كان ذلك يتم التوصل إليه عبر القرار، أو آلية الانتقال من حالة إلى أخرى، دون أن نمعن في اللوحة التي تجتث كياننا، وفي البنية المجتمعية التي تجرنا إلى حيث التآكل من الداخل، لأنه وبغياب البعد المعرفي في آليات الحراك، ودون التواصل مع أدوات الحوار مع الذات عبر صيغ تكون أكثر انفتاحاً إن لم نقل ديمقراطية، لا يمكننا إنتاج واقع كما هو مرسوم في مخيلتنا، وعليه؛ فإن مجمل أشكال التفاعل مع الوسط والمحيط، ومن خلال أشكال الصراخ والتهجم والتهكم إلى درجة الاستخدام لألفاظ ومفردات نابية، هي بعيدة كل البعد عن الذي نطمح إليه في ممارستنا لذواتنا، بل سوف لن تجدينا نفعاً، لأننا، وإن كان البعض منا يمتلك إرادة التغيير في بعض الجزئيات، لا نمتلك التغلب على الأرضية والمناخ الذي يساهم في تفريخ الحالة العامة التي نحن عليها، ومن هنا، وبغض النظر عن بعض الرسائل التي أراد البعض، من الذين نحترمهم، حتى لو لم نعرفهم، الدفع بها إلينا في وقوفهم على البعض مما نشرناه في الآونة الأخيرة، وأنا أتفهم وضعهم والحيرة التي هم عليها من خلال ما أرادوا التعبير عنه، أود القول بأن التغيير لا بد وأن يمتلك مستلزماته، وأن ما نطمح إليه من التغيير لا يأتي عبر بوابة النسف والاقصاء، ولا من خلال التحرش بكرامة الآخرين، كائناً من كان، وإنما أن نمتلك القدرة على أن نغير في معادلة التوازنات، وهذه – وحسب قناعتي – لا نمتلك مقوماتها، لأننا وببساطة لم نحاول بعد أن نمهد الطريق أمام البناء بقدر ما نسلك أقصر الطرق في التعبير عن الذات، والذي يتجسد في الهدم، هذه من جهة، ومن جهة أخرى، لأننا أقل شأننا مما هو مرسوم وما هو مفروض بقوة السلطة وثقافة القوة، ومن هنا أناشد كل من يدعي تفاعله مع الكلمة، أن يقف على الكلمة ذاتها حين يحاول التعبير من خلالها عن مكنوناته، وأن يجتهد في الوصول إلى ما فيه تغيير الذهنية قبل تغيير النموذج، لأنه لولا ذلك سنكون – ودائماً – أسيري الصراخ دون أن يكون لصراخنا صدى في الفعل والقرار، وسنكون ضمن حلقات الاستنساخ للنماذج التي نحاول الخروج عليها ..