الرئيسية » مقالات » الإرث الثقافي وكنوز التاريخ البشري… المتاحف في يومها العالمي

الإرث الثقافي وكنوز التاريخ البشري… المتاحف في يومها العالمي

تحتضن المتاحف ما نقله لنا الزمن من إبداع الماضي ليعبث به الإنسان العاصر وعوامل الطبيعة. وفي الميثولوجيا الإغريقية كان يقصد بعبارة “متحف” “mouseion”: هيكل إلهة الوحي، ومكان التأمل ومناقشة الفن والفلسفة. كما استخدم هذا التعبير في الماضي للإشارة إلى مكتبة، في حين إن معناه الحالي كمبنى مخصص لعرض القطع الأثرية يرقى الى القرنين السابع والثامن عشر..تترجم المتاحف مختلف العصور من خلال المقتنيات والشواهد والنماذج التي تعكس حياة وسلوك الإنسان في مراحل معينة فهي تخدم الثقافة وتذكر الشعوب بدورها في تطور الحضارة الإنسانية.
خصص يوم 18 آيار من كل عام كيوم عالمي للمتاحف . وقد أنشئ المجلس الدولي للمتاحف (إيكوم) التابع لليونسكو عام 1946 ليضم حاليا 2100 عضوا أخصائيا في 140 بلدا يدعون الى حل المشاكل فيمايتعلق بمسألة الملكية والاعتبارات السياسية. إن اتفاقيتي اليونسكو 1970و1995 توفران القاعدة القانونية لمحاربة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وفي 1980 انشأ المؤتمر العام لليونسكو لجنة دولية لتشجيع هذه الممتلكات. ونظمت اليونسكو مؤخراً في مقرها بباريس نقاشا جمع مدراء متاحف عدة بلدان وخبراء وباحثين في التراث حمل في جوانبه رداً على مسألة الملكية المطروحة حالياً بقوة.
يرجع تاريخ الآثار المادية في العراق والتي عثر عليها في كوردستان إلى العصر الحجري بين 100-60 ألف سنة، إضافة الى نفائس التحف من صنع العراقيين والتي تمثل هوية حضارات وادي الرافدين. حزنٌ عميق سببته عمليات النهب والتدمير التي طالت المتاحف والآثار والمواقع التاريخية العراقية بعد سقوط النظام، أسفرت عن فقدان عشرات الآلاف من القطع الأثرية محدثة ضجة إعلامية تعرضت بسببها قوات التحالف لانتقادات حادة خاصة لما فقده المتحف الوطني العراقي في بغداد والذي تأسس عام 1923 ليحتل المرتبة السادسة بين متاحف العالم لميزته الخاصة إذ يضم قطعا يزيد عمرها على 10 آلاف سنة. ولغاية اليوم تجاهد وزارة الثقافة لإعادة المسروقات الأثرية وعلى المستويين المحلي والعالمي، مع أعمال ترميم تلقاها القطع المسترجعة. في تموز 2003 أعيد افتتاح جزء من المتحف للمرة الأولى بعد الحرب لعرض بعض الآثار. وفي 6 مايو 2007 أعلنت الهيئة العامة للنزاهة عن تسليم 210 قطع أثرية ثمينة إلى وزارة الدولة لشؤون السياحة والآثار سلمها أحد المواطنين. وتفاوض حالياً تلك الوزارة لاستعادة 4000 قطعة عراقية مسجلة لدى كل من الأردن وسوريا. والحال ليس بأفضل في أفغانستان، إذ واجه التراث الثقافي فيها خطر الانقراض بسبب الحرب، وبسبب سياسة حقبة طالبان التي دمرت كل مالاينتسب إلى الحضارة الإسلامية، حيث دمرت في بداية 2001 تمثالي بوذا العملاقين في مدينة باميان واللذين يعود تاريخهما إلى 1800 عام ويجسدان العلاقة بين الشرق والغرب.
أما أبو ظبي فهي تسعى لتكون قبلة للمتاحف الأوربية ولأسواق الفن العالمية،إذ وقعت في آذار 2007 اتفاقية مع فرنسا لبناء متحف لوفر يرتقب افتتاحه عام 2012، وستدفع أبو ظبي 400 مليون يورو مقابل إطلاق أسم اللوفر على متحفها 30 عاما مع نقل أعمال فنية من متحف باريس. كما تنوي تشييد متحف غوغنهايم-أبو ظبي، ويعتبر متحف غوغنهايم في بيلباو بأسبانيا أحد روائع الهندسة المعمارية الحديثة، وهو آخر متحف كبير شيد في القرن العشرين. وفي مصر، فإن أهم مشروع ينفذ بالتعاون مع اليونسكو هو افتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية في نهاية 2009.
في ألمانيا، يوجد حوالي 6000 متحف منها 600 متخصصة في الفن، وتفتخر مدينة برلين بجزيرة المتاحف التي وضعتها اليونسكو في1999 على لائحة التراث الحضاري العالمي، وهي أكبر تجمع للمعارض الفنية في العالم يحتوي على تراث أجيال وعصور متعاقبة يزيد عمره على 6000 سنة في خمسة متاحف على مساحة 1كم2 وهي:متحف بوده، وبيرغامون، والمتحف الحديث، والمعرض الوطني للتراث، والمتحف القديم. وكانت الجزيرة مقسمة لغاية توحيد ألماني في 1990. متحف بيرغامون (أنشئ بين 1912-1930) هو الأجمل للتحف النادرة التي يحويها ومنها قطع زاهية الألوان من شارع المواكب في بابل، وباب عشتار وواجهة قاعة العرش من عصر نبوخذ نصر. وحين ينتهي ترميم المتاحف ستستقبل الحزيرة 4 ملايين زائر سنوياً. وعن عدد الزوار، فقد تصدر معرضان في متحف طوكيو الوطني قائمة المعارض التي سجلت أكبر عدد من الزوار في عام 2006 الماضي بحسب تصنيف “جريدة الفن”-آذار 2007.
وفي نيويورك، وعلى مساحة 1،4 مليون قدم مربع على أطراف السنترال بارك، يقع متحف (المتروبوليتان) الذي أنشىء منذ 1970 وهو أشبه بموسوعة لكل أشكال الفنون في مختلف الحضارات، يضم الآثار المصرية القديمة،والوجود الآسيوي كثيف أيضاً، وقسم الآثار اليونانية والرومانية، وهنالك القسم الإسلامي، وكثير من الابداعات البشرية في إفريقيا وامريكا ما قبل الاكتشاف ومن مقتنياته مجموعة الفن التأثري وهي الأفضل في العالم بدءاً من بدايات الثورة الكلاسيكية في أعمال مانيه وديجا إلى أعمال بيسارو وسيزان. لم يعد ينظر اليوم إلى كبريات المتاحف في الغرب على أنها مؤسسات ربحية فحسب، بل كآلات فعالة لتشجيع الثقافة، وتولي تلك المتاحف عناية خاصة بالفنون الإسلامية والعربية إذ يمتلك اللوفر مجموعة كبيرة منها وكذلك المتروبوليتان بنيويورك وفكتوريا وألبرت في لندن.
التآخي