الرئيسية » مقالات » اوراق من الماضي حسن سريع وحركة 3 تموز عام 1963

اوراق من الماضي حسن سريع وحركة 3 تموز عام 1963

مرت قبل ايام الذكرى الرابعة والاربعون لحركة 3 تموز عام 1963 ضد الحكومة التي اطاحت بالزعيم الركن المرحوم عبد الكريم قاسم وقاد وخطط لهذه الحركة مجموعة من العرفاء المتحزبين داخل صفوف الجيش الذين استهوتهم افكار الشيوعية وكان العقل المدبر لهذه الحركة والمخطط مجموعة من الضباط المعتقلين داخل اسوار سجن رقم واحد في معسكر الرشيد
اما التنفيذ فكان يقع على عاتق ضابط الصف وعلى رأسهم العريف حسن سريع وكاظم زراك وجليل خرنوب وكاظم شنوار وكاظم فوزي وراضي شلتاغ وصباح ايليا وصبري محمد عيسى وقد حمل بعضهم رتبا عسكرية كضباط والهدف الاساسي لحركتهم هو اطلاق سراح كل الضباط السجناء الذين تم اعتقالهم بعد ثورة 8 شباط ثم التخطيط للاطاحة بحكومة عبد السلام عارف واحمد حسن البكر وقبل ايام قرأت في جريدة الصباح وتحت عنوان ( وجوه عراقية) معلومات عن قائد الحركة العريف حسن سريع والذي حمل رتبة ملازم اول صبيحة الثالث من تموز ليقود تلك الانتفاضة بكل بطولة وشجاعة والتي لم يستوعبها المجتمع العراقي انذاك والتي ادت في النهاية الى السيطرة والرضوخ لفترة طويلة من الزمن والتسلط المقيت وان حسن سريع دخل التاريخ العراقي كقائد لانتفاضة الجندي العراقي.
اعادني هذا الموضوع الى الابتدائية ففي كل عطلة صيفية التقي احد اقاربي وهو لاعب كرة القدم صبري محمد وكان عسكريا برتبة نائب عريف في منطقة الرستمية- داخل معسكر الرشيد- وفي كل موسم يقوم باهدائي ملابس رياضية وكرة قدم وفي العطلة الصيفية لعام 1963 افتقدته وعند الذهاب للاستفسار عنه.. قيل لي انه مسجون بتهمة التآمر على الحكومة وحزنت على فراقه بل بكيت عندما تم اعدامه في نهاية شهر تموز 1963 مع رفاقه الابطال وتم تسليم جثته لاهله. وما زالت احتفظ بصورته الشخصية، ويجب ان لا ننسى هؤلاء الرجال وتذهب اسماؤهم مع ادراج الرياح وتطويها صفحة النسيان والضياع.
واحتفظ في مكتبي الخاصة بعدد من المجلة المصرية (اخر ساعة) وهو عدد 1498 الصادر يوم 10 تموز عام 1963، والذي خصصت فيه مساحة لهذه الحركة وموثقة بالصور الفوتغرافية.
ونقتطف بعضا مما نشر لهذه الحركة التي بدأت وانتهت شرارتها من داخل اسوار معسكر الرشيد حيث افاق الناس على اصوات مدافع واطلاقات وانفجارات منبعثة اتجاه المعسكر.. وان معسكر الرشيد يعتبر مدينة عسكرية كاملة تتحكم في بغداد وهناك عدة طرق رئيسة تصل بينه وبين مدينة بغداد ومن هنا تظهر اهمية الموقع الاستراتيجي لهذه الترسانة المسلحة وكان خبراء الانكليز يطلقون عليها (قاعدة الرشيد) لانها لا تختلف كثيرا عن قاعدة الحبانية من حيث الامكانيات والاهمية العسكرية، وهناك كتيبة الدبابات الثقيلة طراز ( T.54 ) وكتيبة الدبابات الاولى وكتيبة الدبابات الثالثة ومطار حديث للطائرات الحربية وتقف على ممراته اسراب من الطائرات (الميك 19) التي يمكن السيطرة على سماء بغداد والمنطقة المحيطة بها خلال ثلاث دقائق فقط ولذلك كان الزعيم عبد الكريم قاسم حريصاً على تنظيم الدوريات الجوية لحماية وزارة الدفاع وكان جلال الاوقاني قائد القوة الجوية يشرف بنفسه على هذه المهمات، وقاعدة الرشيد لا تقتصر على هذه القوات العراقية الضاربة فحسب وانما هناك وحدات اخرى مثل كتيبة هندسة الميدان وكتيبة المشاة وكتيبة المدفعية الثقيلة.
ومن هنا بدأت حركة 3 تموز وكانت تهدف السيطرة على قاعدة الرشيد ووضع يدها على جميع الخطوط ومواجهة اية قوات قادمة من قاعدة الحبانية ومعسكر ابي غريب والسيطرة على مخازن الذخيرة.
وكان المخططون للحركة يعملون في سرية وكتمان شديدين طوال الشهور الاخيرة التالية لسقوط حكم الزعيم عبد الكريم قاسم وكانوا يضعون في تقديرهم تنفيذ خطة انتحارية بادئ الامر لاطلاق سراح حوالي الفين من الضباط والمدنيين الشيوعيين الذين اعتقلوا في سجن رقم واحد في معسكر الرشيد، وان هؤلاء الضباط قاموا بانفسهم برسم الخطة من داخل السجن وهربوها الى الخارج عن طريق الفتيات اللائي جئن لزيارة اقاربهن من المعتقلين وكان الوقت المحدد لتنفيذ هذه الخطة، الساعة الثانية من صباح 5 تموز ولكن معلومات الخطة تسربت خارج نطاق السرية والكتمان ووقعت في ايدي الحرس القومي وابلغت الى المسؤولين قبل تنفيذها بايام وتقرر ان ينقل على الفور يوم 3 تموز جميع الضباط الشيوعيين الى سجن اخر حتى تفشل الخطة وفي الوقت ذاته سيقع المنفذون في المصيدة التي اعدت لهم في ساعة الصفر والظاهر ان الثوار احسوا باكتشاف امرهم وقرروا تقديم ساعة الصفر اربعا وعشرين ساعة كاملة وكانت وجهة نظرهم ان يضربوا ضربتهم قبل الموعد المحدد وقبل ان تتم الاستعدادات للمصيدة وقبل ان ينقل جميع الضباط من سجن الرشيد ويصبح من المتعذر الوصول اليهم واطلاق سراحهم وتوزيعهم على الوحدات المختلفة، وبدأ رجال الحركة بالعمل بسرعة والتقت مجموعات منهم في المكان المحدد قرب محطة الكهرباء في معسكر الرشيد وكانت عقارب الساعة تشير الى الواحدة صباحا واخذوا يتزايدون حتى وصلوا الى اكثر من مئة شخص معظمهم من الجنود الذين سرحوا من الجيش العراقي واتجهوا في بادئ الامر الى مركز التدريب المهني للمعادن والاسلحة ليتخذوه قاعدة لتحركاتهم وكانوا يرتدون الملابس العسكرية ووضع الاشارات الحمر والبيض التي احتفظوا بها في سراديب بيوتهم مع بعض الاسلحة الخفيفة وجاءت الساعة الثالثة صباحا.. وكانت الساعة الرابعة هي الموعد المحدد لبدء التنفيذ ولكن المصادفة كانت تضع مفاجآت غير متوقعة لمنفذي الحركة داخل معسكر الرشيد.. فقد كانت دورية حراسة من كتيبة هندسة الميدان الخامسة تقوم بجولتها المعتادة في الصباح الباكر بين ارجاء المعسكر ولمح افرادها تحركات غير طبيعية في مركز التدريب المهني ولم تكن لديهم اية معلومات عن وجود عمليات او مناورات في ذلك اليوم بالتحديد وشكوا في الامر واقتربوا من المركز واكتشفوا وجود احدى المجموعات المسلحة من الرجال بين المباني والورش وكانت طريقة وجودهم تؤكد الشكوك التي ساورت دورية الحراسة وعادت الدورية بسرعة وابلغت الامر والضباط الموجودين في الكتيبة واتصلوا على الفور بوزارة الدفاع وقالوا للفريق صالح مهدي عماش الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع، ان هناك مجموعات مسلحة غير معروفة تسربت داخل المعسكر وانها تحاول الاستيلاء على مخازن الاسلحة كما يبدو من اتجاه تحركاتها وفي الوقت نفسه كان بعض من افراد الحرس القومي الذين يحرسون محطة الكهرباء في المعسكر يكتشفون تحركات اخرى لبعض المجموعات المسلحة من المشاركين واتصلوا على الفور بقيادتهم وابلغوا معلوماتهم الى منذر الونداوي قائد الحرس القومي والذي احس في الحال انها ذات المؤامرة وان المتآمرين قد قدموا ساعة الصفر حتى يخدعوا القوات الموجودة في معسكر الرشيد.
وبدأ الرجال يعملون لكسب الوقت بعد انكشاف امرهم واتجهوا الى مخازن السلاح في البوابة الكبيرة وتمكنوا من الاستيلاء عليها ثم اقاموا التحصينات على المداخل الرئيسة للمعسكر حتى يمنعوا تقدم قوات الجيش الزاحفة من قاعدة الحبانية او معسكر ابو غريب لمقاومتهم ثم بدأوا يهاجمون مراكز الحراسة على كتيبة الدبابات الاولى والثالثة لكي يستولوا على دباباتها ومصفحاتها ويتمكنوا بواسطتها من احتلال الطرق المؤدية الى بغداد ويتقدموا الى قلب العاصمة بينما كانت القوة الاساسية للثوار تأخذ طريقها الى سجن رقم واحد وذلك لاطلاق سراح الضباط قبل فوات الاوان، وتلاحقت الاحداث في سرعتها المذهلة خلال الساعات الثلاث التي مرت على معسكر الرشيد بعد ذلك وبدأت قيادة الجيش تحشد قوات ضاربة من الدبابات الثقيلة المرابطة من معسكر ابو غريب وتحركت قوات اخرى من قاعدة الحبانية لمساندة القوات المتقدمة على طريق بغداد من حالة تطور الموقف الى ابعد من ذلك، وسدت قوات الحرس القومي ودبابات الجيش المنافذ المؤدية الى مبنى الاذاعة والتلفزيون وبرغم الهدوء الذي ساد المدينة فان الترقب والانتظار للتفاصيل كان يحكم كل بيت وشارع من الاعظمية والكاظمية والكرخ وكرادة مريم ومدينة الحرية ومن جميع انحاء بغداد في الوقت ذاته كانت هناك معركة عنيفة تدور داخل معسكر الرشيد بين الثوار وبين جنود كتيبة هندسة الميدان الخامسة وكان الابطال يبذلون قصارى جهدهم للسيطرة على المعسكر قبل وصول اية مساعدات عسكرية من خارجه، ووصل ساعتها العقيد منذر الونداوي قائد الحرس القومي للاشراف على توزيع رجاله حول المعسكر ولكن الثوار الابطال تمكنوا من القبض عليه ووضعوه داخل زنزانة في سجن رقم (1) وبعدها وصل حازم جواد وزير الدولة وشقيقه حامد جواد وطالب شبيب وزير الخارجية وشقيقه بهاء شبيب الى البوابة الكبيرة لكشف حقيقة الموقف وفوجئوا بالثوار يقبضون عليهم ويضعونهم في معسكر التدريب المهني وتحت الحراسة المشددة، ولم يكن الوقت في صالح الثوار لان قوات الجيش بدأت تزحف بدباباتها من بغداد الى المعسكر وحينما شاهد الثوار هذه الدبابات تتقدم اتجاه البوابة الكبيرة اضطروا الى تجميع انفسهم في ثلاثة مراكز عند الباب الرئيس للمعسكر وحول السجن العسكري وفي مركز التدريب المهني الدبابة الاولى التي يركبها عبد السلام محمد عارف استطاعت ان تخترق المقاومة وان تدخل البوابة الكبيرة وتبعها اللواء طاهر يحيى رئيس اركان الجيش وهو يقود عددا من الدبابات التابعة الى الكتيبة الرابعة ووحدات من الفوج الثاني للمدفعية وانقضت كل هذه القوى مرة واحدة على الثوار وكانت عقارب الساعة تشير الى السابعة صباحا وساعتها عرفت بغداد حقيقة الانفجارات والاطلاقات القادمة من الجنوب من اتجاه معسكر الرشيد.
اما مجلة الجندي في عددها الشهري الصادر في تموز عام 1963 وعلى صفحتي 14 و 15 فقد نشرت التفاصيل الكاملة للانتفاضة ونشرت مجموعة صور فوتغرافية للثوار ثم صورة لامر سجن رقم (1) الرئيس الاول حازم الصباغ الملقب (الاحمر) وصورة جماعية لامر وضباط الصف ومراتب كتيبة الدبابات الرابعة والتي شاركت بالهجوم على الثوار الابطال والذين وقفوا كالطود الشامخ امام قوى الظلام والباطل، ولنستمع الى حديث النائب العريف كاظم حسن علي عن احداث تلك الايام يقول ابو جواد بعد صمت طويل وكأنما يريد ان يسترجع بذاكرته ذلك الشريط الذي مضى عليه 44 عاما.. كنت في معسكر الرشيد وبالتحديد في الرستمية وبرتبة نائب عريف سائق لسيارة (راندروفر) وحدثت تلك الانتفاضة لمجموعة من الرجال الابطال وعلى ما اظن بان عددهم يتجاوز المئة رجل ويقودهم العريف حسن سريع والذي كان يسكن في منطقة الالف دار قرب معسكر الرشيد وحيث كانت الاقاويل والاحداث تنم وتدعو بان الزعيم الركن عبد الكريم قاسم رحمه الله ما زال حيا يرزق وسوف ياتي في اي لحظة لتحرير البلد من الحرس القومي والذين عاثوا في الارض فسادا وبالفعل كنا نمتلك هذا الشعور والاحساس بان الزعيم سيأتي وكانت خطة رجال الانتفاضة خطة ذكية ومحسوبة بشكل دقيق وهي السيطرة على معسكر الرشيد ولواء المدرع العاشر ومركز التدريب المهني للمعادن والاسلحة وسجن رقم واحد الذي يجاور مدرسة الهندسة الالية الكهربائية وكتيبة المخابرة ثم الكلية العسكرية والمطار العسكري ثم دار الاذاعة والتلفزيون في الصالحية وحماية مرسلات البث في ابو غريب وبعدها اذاعة بيانات الانتفاضة بمساعدة جماهير مدينة الثورة والشعلة والبياع للهجوم على القصر الجمهوري الذي كان يضم المجلس الوطني والرئاسة وعبد السلام عارف والبكر وعماش وغيرهم وابدى الابطال المشاركون في الانتفاضة بطولة رائعة وقاتلوا كرجل واحد ولكن لم يجدوا اي مساعدة من قبل الاخرين الذين وقفوا موقف المتفرج واستمروا في القتال حتى الصباح الباكر وبعدها تم الانقضاض عليهم من قبل كتيبة الدبابات الرابعة وقوات المدفعية، ومازلت اذكر ذلك اليوم الاسود وعندما كنت عائدا الى بيتي في قرية الرستمية وكنت راكباً دراجة هوائية في يوم تموزي حار فوجدت الناس متجمهرين خلف السدة قرب البنزينخانة ووقفت لارى ماذا هناك وبعدها جاء مجموعة من الانضباط العسكري وهم يقودون رجالاً مكبلوا الايدي وبملابس رثة ولحى كثيفة وتم ربطهم الى اعمدة تم تثبيتها بالارض وبعدها تمت قراءة بيان اعدامهم من قبل ضابط من الانضباط العسكري والذي اشار في كلمته بان هؤلاء الذين يقفون امامكم هم زمرة تآمرت على الوطن والثورة في يوم 3 تموز لذا قرر المجلس الوطني لقيادة الثورة وبرئاسة عبد السلام محمد عارف اعدامهم رميا بالرصاص وبالفعل تم وضع اكياس سود اللون في رؤوسهم وتم اعدامهم وعلى ما اذكر كان عددهم من 8 الى 9 اشخاص وبعد ذلك تم تسليم جثثهم الى ذويهم والذين كان قسم منهم يقفون مع الناس رحمهم الله جميعا وفي هذه اللحظة نظرت الى محدثي فرايت الدموع تنساب من عينه ولم يتمالك نفسه بتكملة الموضوع وفعلا انهم كانوا ابطالا وقفوا بكل شموخ امام الموت ورصاصات الغدر والخيانة فان الذين نفذوا بهم حكم الاعدام ذهبوا الى مزبلة التاريخ والابطال الشهداء مازالت اسماؤهم ساطعة كالنجوم تتلألأ في السماء.
التآخي