الرئيسية » الآداب » عرض وتحليل لكتاب (المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي) لمؤلفه الدكتور بدرخان السندي

عرض وتحليل لكتاب (المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي) لمؤلفه الدكتور بدرخان السندي

من الجدير بالذكر ان القضية الكوردية وتاريخ الكورد اضحت في الوقت الحاضر موضع حديث العالم اجمع. فالكورد سكنوا المنطقة الجنوبية القريبة من آسيا وبالتحديد اجزاء من تركيا الحديثة وايران والعراق وسوريا، ونفوسهم في الوقت الحاضر اكثر من ثلاثين مليوناً ولكن لا دولة لهم في الوقت الذي هناك اكثر من 15 دولة نفوس كل منها لا يتجاوز المليون فرد منها اعضاء في المنظمة الدولية (الامم المتحدة) وقد تناول العديد من الكتاب والباحثين تاريخ واصول الكورد فحددوا مناطق سكناهم ومنبع لغتهم فضلا عن عاداتهم وتقاليدهم وسماتهم.عند زيارتي الاخيرة لعاصمة كوردستان العراق اربيل وقع بين يدي كتاب من تاليف صديقنا العزيز الدكتور بدرخان السندي والذي يحمل عنوان (المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي). تربطني بالمؤلف صداقة قديمة فهو اهدى لي كتابه المترجم (مم وزين او مم والان) في الثمانينيات من القرن العشرين لكن هذا الكتاب الثمين والدسم في المعلومات التي قامت بتدوينها مجموعة من المستشرقين او الرحالة لكوردستان وابدوا اراءهم وانطباعاتهم في كتبهم عن شعبنا الكوردي.

وكما يقول مؤلف الكتاب الدكتور بدرخان السندي: في كتابنا هذا سيجد القارئ اننا حاولنا جمع وجهات النظر للموضوع الواحد والموزعة في عدد كبير من الكتب في فصل واحد وبذلك نكون قد اتحنا للقارئ ان يطلع في قراءة اي فصل من فصول هذا الكتاب على مجمل الاراء والفكر ازاء الموضوع الواحد، حقاً ان المؤلف اتاح الفرصة لنا نحن القراء الاطلاع على اراء مؤلفين متنوعين في كتاب واحد وهو المؤلف (المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي).
الكتاب هو الطبعة الثانية، والطبعة الاولى لا اعرف متى تم اصدارها اما هذه الطبعة الجديدة والمنقحة فهي صادرة عن (دار سبيرز للطباعة والنشر- دهوك- سنة 2007- مطبعة حجي هاشم- اربيل). الكتاب يضم في دفتيه 614 صفحة من الحجم المتوسط ويضم مجموعة انطباعات لاولئك المستشرقين سواء كانوا اكاديميين ام ضباطاً ام سياسيين عملوا في كوردستان وتعاملوا وتعايشوا مع الكورد. فبدأ المؤلف الدكتور من خلال الصفحات 15-47 بتدوين الصفات المميزة للشعب الكوردي فهذه الصفات تتمثل بصدق الكوردي مع نفسه ومع الاخرين فاذا وعدك احدهم (اي الكوردي) بانه سيوصلك سالماً الى مكان ما فاطمئن اليه دون تردد. اننا نلمس في الوقت الحاضر تأصل هذه الصفة بالكوردي فهو موثوق من اصدقائه ومعارفه رغم ان هذا الشعب ظل بعيدا عن الثقافة والتعلم بسبب الظروف القاسية التي مر بها. فالكوردي يحب التعلم ويتعلم بسرعة ويتقن العمل بشكل مميز لانه يحب عمله ويخلص اليه وما ادم انه يحب عمله فانه يحاول اتقانه وتدل التجارب الحرفية والمهنية على ان العامل الكوردي او الاسطة او الميكانيكي هو مصدر ثقة الذين يرتادون ورشته ويتعاملون معه، فالمواطن الكوردي بطبيعته ميال للعمل المبدع فهو ليس بالكسول الخامل وهو محب للتطوير سواء في المهنة ام الثقافة وتدل التجربة من عام 1991 ولغاية كتابة هذه الاسطر على حب الكورد للعمل والتقدم وكل من زار كوردستان العراق يشهد على ذلك. ففي الصفحة 20 نرى ان احد الرحالة (بابندر) يصف الكوردي بثلاث صفات: الجمال والقوة والذكاء. ويضيف: لو ان اسباب المدنية بلغت كوردستان وصقلت الكورد فانهم سيكونون افضل من جيرانهم الترك والفرس (زار بابندر كوردستان في العام 1887م).
يستمر صديقنا الدكتور بدرخان في تسجيل الانطباعات للمستشرقين عن ابناء شعبه فيقول: (ان للرجولة في المجتمع الكوردي اعرافها وتقاليدها فعلى سبيل المثال وعلى الرغم من ان المجتمع الكوردي يولي احتراماً كبيراً للمرأة فان الرجل لا يمد بساط الحديث مع النسوة (اي ليس من الرجولة ان يحادث الرجل مجموعة من النسوة) والبكاء ليس من شيمة الرجل في عرف الكورد ويورد احد المستشرقين (هاملتون) ان من الرجولة عند الكوردي حمل السلاح فهو صلب كصخور بلاده.
اما الجرأة لدى الكوردي فانه امام الموت يبقى صلداً حيث انه يواجه الموت بشجاعة ويفضل الموت في ساحة المعركة على الموت في سريره.
اما فاسيل بنكين الاستاذ الروسي فيعزو شجاعة الكوردي الى طبيعة الحياة التي يحياها والتي علمته ان يكون جريئاً.
ان الدكتور بدرخان السندي اخذ في مؤلفه دأب الباحث المحلل والناقد ولا يسرد العبارات التي يكتبها المستشرقون فحسب بل يناقش كثيراً هذه او تلك التعابير والسير، فمثلاً عندما يذهب الرحالة أو المستشرقون بوصف الكوردي مقاتلاً شجاعاً ابياً وانه قد جبل على الحرب لانه يدرب عليها من المهد ولا يرتاح مطلقاً من دون الاشتباك.. فان الدكتور بدرخان يعزي هذه الانطباعات الى ان طبيعة كوردستان هي المسؤولة عن هذه النزعة القتالية لدى الكوردي فلقد كانت كوردستان مطمعاً دائمياً بسبب خيراتها فضلا عن موقعها الذي يتوسط قوى الصراع الدولي فكانت الحروب سمة من سمات حياة الشعب الكوردي عبر التاريخ. فالحرب في فلسفة الكوردي حق مشروع لانها دفاع عن الذات والتراب المقدس فهي جهاد يثاب عليه فالحرب في عقيدته مبنية على الحفاظ للتاريخ الماضي وبناء المستقبل الجديد، اذن فهو لا يسعى من خلال الحرب للحصول على المنافع الدنيوية.. ورغم قساوة الكوردي وبسالته وعناده فانه في ذات الوقت جنتلمان انساني ازاء المراة فهو يعاملها باحترام.
ويروي لنا فاسيل نيكيتين العضو في المؤسسة العالمية للسلالات البشرية في كتابه الموسوم (الكورد، اصلهم وتاريخهم وعقائدهم ولهجاتهم وقبائلهم، المطبوع في لبنان عام 1958) قصة طريفة وملحمة حب عاشتها فتاة امريكية باعها رجال درك الى كوردي وهذه الفتاة الامريكية تروي مغامرتها: ماذا كنت بالنسبة لهذا الكوردي؟ امة (خادمة)؟ ام ضيفة؟ لماذا اشتراني؟ لقد كان في اعماق هذا البدوي جوهر نبيل فطري فهو ضنين بحريته لا يفرط بادنى جزء منها. ولم يكن في بيت الكوردي خدم من اين له هذا الاحترام الذي يكنه للمرأة والذي يكاد يكون مجهولا عند الشعوب الشرقية. لقد احببت هذا الرجل مع اني لم اكن اعرف عنه شيئا بل كنت اجهل حتى لغته وتاريخه.
في الصباح كان ينهضني من فراشي وياخذ بيدي ويروح دائراً (مستديراً) حول النار. فهذه هي العادة لدى الكورد فالفتاة الكوردية عندما تتزوج تودع منزل اهلها بهذه الطريقة. وبعد لحظات استدعاني انا ومربيتي الى ساحة المنزل حيث جمع مئة من الاغنام وخمساً من الابقار وفرساً. وقال لي: كان الواجب ان اقدم لوالدك هذا المهر ولكني اعطيه لمربيتك التي رافقتك. وكان ينظر اليّ بفرح ظاهر. بالطبع لم يكن هناك احد يرغمه على هذا العمل ولكنه كان يريد ان يظهر للجميع انه لا يحتفظ بي كغريبة لمنفعة رخيصة انما هو اخذني كزوجة شرعية ويجب على الجميع ان يحترموني. فشعرت بتأثر شديد وبعد اسبوع قال لي: كان يجب ان تذهبي بعد العرس الى اهلك ليقدموا لك بقرة وفرساً ومعزة لتصبح ملكاً لك فهذه هي عادتنا. وانا لا اريد ان تكوني افقر من غيرك من النسوة لذا فانا اقدم لك هذه الهدية ومرت الايام ورزقت طفلاً واخذ ينمو بيننا ولكنه لم يتعلم اي كلمة كوردية ولكنه قال لي ذات يوم: لقنيه على الاقل كلمة بابا. ودامت السعادة بيننا هذه القصة اكبر شهادة واقعية على مدى احترام الرجل الكوردي لمشاعر المرأة وحقها عليه (صفحة 89، 90).
ويتميز الكورد بالمرح وحب الرقص والغناء فهم اجتماعيون للغاية فطرياً ومتواضعون ولا يعرفون الحسد ويتميزون بالشاعرية وحب الطبيعة والكوردي بشكل عام يحب المحافظة على تقاليده واعرافه لكنه في الوقت نفسه له رغبة جامحة للتطور سواء في الازياء ام استعمال التقنيات الحديثة كالمكائن والمعدات والحاسوب. وخير دليل على حب الكورد للتطور ما يلمسه الان كل زائر لكوردستان فتراهم يرتادون الاندية الليلية ويستعملون اجهزة التلفاز والحاسوب والانترنت وباقي اشكال الاجهزة السمعية والبصرية ورغم كل هذا التقدم فانهم اي الكورد يحافظون على تقاليدهم الموروثة واحترامهم الكبير. ان القرى الكوردية ارتبطت الان مع مدنها والحالة الاقتصادية اصبحت مزدهرة نوعا ما.
الكتاب يسجل انطباعات المستشرقين فيصف الاعراس والاعياد والزواج والطلاق والطبيعة وشوق الكورد للحرية ومحبتهم للتاخي والسلام والتعلم والتقدم واحترام مشاعر الاخرين وبهذا يوفر على القارئ اللجوء الى المصادر الكثيرة للتعرف على هذه السلوكيات لهذا المجتمع ويسرد ايضاً الثورات التي شهدتها هذه الرقعة الكوردستانية عبر العصور ثم يتناول المؤلف بشكل مختصر حياة اربع شخصيات كوردية وحسب الحروف الابجدية فبدأ من ابراهيم اغادزيي وهو زعيم عشيرة في مخمور عاش في الربع الاول من القرن العشرين وكذلك مولانا خالد النقشبندي الذي عاش في السليمانية وكان قومه يحترمونه ويجلونه ويعتبرونه ولياً من الاولياء الصالحين وله بركات ثم ينتقل المؤلف بسرد حياة سمكو الشكاكي رئيس عشيرة الشكاك وقائد الثورة الكوردية في تركيا 1920-1930.
يستمر المؤلف بذكر الشخصيات الكوردية حتى يصل الى سيرة مختصرة لقائد الشعب الكوردي الخالد الملا مصطفى البارزاني صفحة (351) الذي لعب دوراً مميزا في تاريخ شعبنا الكوردي الحديث فهو قائد الثورة وملهمها والذي اتصف بالبراعة الدبلوماسية والعسكرية والبساطة في الحياة والماكل والمشرب فنرى ان الصحفي شميدت يصفه هذا الوصف: كان يشترك مع الاخرين على مائدة واحدة فيقوم قبل الاكل ليغسل يديه بالماء والصابون ثم يتقدم للمائدة ليشارك الجميع الاكل. لقد عايش شميدت البارزاني القائد وتبعه من مكان الى اخر وجلس معه وتحدث اليه ملياً ويذكر انه خاطب البارزاني مرة قائلا له: ايها الجنرال القائد لكن البارزاني رد عليه قائلاً: لست جنرالا الا اني مصطفى لا غير. قل لصحيفتك اني لا اهتم قلامة اظفر بالالقاب وما انا الا فرد من الشعب الكوردي. سيظل القائد البارزاني علما من الاعلام البارزة ورمزا من رموز الحركة الوطنية الكوردية وهو الراس المفكر لثورة الكورد والزعيم السياسي الخالد لامته والرجل الذي يتمتع باعظم حب في كوردستان ويبقى خالداً ابد الدهر.
الكتاب (المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي) يبحث الوضع الاقتصادي للمجتمع الكوردي ويسجل الانطباعات للمستشرقين بان المجتمع الكوردي متـاخر اقتصادياً رغم تمتعه بالخيرات والموارد الاقتصادية فالفرد الكوردي يعيش (كان يعيش) عيشة الكفاف لكنه يعيش براحة والفة وشجاعة. فالقرى الكوردية حتى عام 1992 كانت خاضعة للاقطاع واصحاب الاموال والصناعة شبه معدومة عدا بعض الصناعات الخفيفة والحرفية والعلاقات الاجتماعية والانتاجية في الارياف والقرى شبه اقطاعية والمجتمع الكوردي بشكل عام مجتمع زراعي وان البساتين تعود بملكيتها الى الشيوخ والزعامات.
الكتاب ايضاً يعتبر دليلا جغرافياً لاشهر المدن الكوردستانية ومشخصاً للازياء وفن الفروسية والالعاب والغناء والصيد باسلوب شفاف رهيف وبعبارة لغوية متينة فالكاتب المؤلف اديب وشاعر وناقد واستاذ جامعي.
اقولها بصدق الكتاب استهواني وجذبني وشدني اليه قرأته بشغف فهو يستحق الاطلاع عليه من قبل الاخوة العرب قبل الكورد.. وان هذا العرض السريع ليس كافياً لهذا السفر الرائع من المعلومات والانطباعات للمستشرقين وان شاء الله لي عودة مستقلة لكل فصل من فصول هذا المؤلف القيم والمصدري.
التآخي