الرئيسية » مقالات » محاولة لتحليل شخصية الفرد العراقي على ضوء المعايشة والتجربة الواقعية

محاولة لتحليل شخصية الفرد العراقي على ضوء المعايشة والتجربة الواقعية

إذا أردنا تحليل شخصية الفرد العراقي والتدقيق في الجذور التاريخية لثقافته ونزعاته السلوكية بأسلوبه المحايد بعيدا عن التجني والانفعال وبعيدا عن العنجهية القومية أو التباهي الوطني في ذات الوقت، فإننا سنعثر على شخصيةٍ ازدواجية اشكالية محيرة تجمع على وجه التحديد عدداً من الميزات الايجابية الجيدة مثل الكرم والطيبة والشجاعة والجدية والقدرة الاستثنائية الفائقة على إتقان المهارات والفنون الحياتية الدقيقة والسرعة في تلقي الخبرات العالية في الاختصاصات العلمية والفكرية والمهنية، إضافة إلى الصلابة والتماسك الذاتي وقوة الاحتمال.

وإضافة إلى هذه الصفات الايجابية سوف نجد صفتين سلبيتين خطيرتين تلازمان هذه الشخصية وتبرزان في سلوك الفرد العراقي وتصرفاته وثقافته الاجتماعية والسياسية وهما:

– النزعة الفردية / وروح الهيمنة الفئوية

– ونزعة القسوة والعنف الدموي

ومن المؤسف أن يكون حضور هاتين النزعتين قوياً وطاغياً إلى الحد الذي يبدوان ويظهران فيه أكثر من أي من الصفات الايجابية الأخرى حتى وكأنهما يطبعان سلوك العراقي بطابعهما ويصبغانه بصبغتهما.

فالنزعة الفردية وروح الهيمنة الفئوية لديه يمكن أن تتمثل بمجموعة من المفردات التي تواجهنا في سلوكه العام مثل / التسرع في رد الفعل / والتفرد في اتخاذ القرارات حتى في المسائل المصيرية (الشخصية أو العامة) / التبدل المفاجئ في الموقف والمزاج (وهناك آلاف الأمثلة القديمة والحديثة في هذا الصدد) / حدة في الطبع وافتقادُ للمرونة / وفي حال ظهور دلائل للخلاف أو التباين في المواقف والآراء والقناعات بينه وبين الآخرين فتنخفض لديه القدرة على التواصل إلى حد الانعدام/ وعند تحقيق النجاح والغلبة (الفردية أو الجماعية) فتتصاعد لديه الرغبة على نحو قهري لإبراز مظاهر القوة والسطوة والعجرفة ويصحب عليه البقاء في موقع التواضع / ويبدو في سلوكه العام سعيُ دائم لإظهار الكرم الفردي المبالغ فيه من اجل تكريس قوة الذات الفردية.

أما نزعة القسوة والعنف الدموي فيمكن أن نطلقها تعويضا عن مجموعة من المفردات والمعاني والمدلولات السلوكية مثل / الميل للحزم / السرعة في الاستثارة والخضوع السريع المباشر لدواعي الاستفزاز / النزوع نحو انتهاج وتفضيل أسلوب التصادم والمواجهة عند امتلاكه وسائل الإرغام والقوة القاهرة / شديد الغضب / متطرف في ردود الفعل / ثأري النزعة مع مبالغة في الاقتصاص / يكره الحلول النصفية والمائعة ويراها احدى سمات الضعف / يفضل الحسم في اغلب الأحيان للوصل إلى النتائج / واضح ومباشر في التعبير عن مطالبه / لا يجيد المناورة لا الشخصية والجماعية على كافة الأصعدة السياسية أو الاقتصادية / مفاوض غير بارع في استحصال حقوقه بالطرق السلمية التوافقية وهو قصير النفس في الحوار والإقناع / شديد التطير تجاه مواقف الاستغفال والتحدي او الغدر الموجهة ضده، وفي هذه الحالة يكون الانتقام والعنف والاقتصاص الشرس والتنكيل المفرط واستعمال القوة الفائقة هي أسرع وأفضل أشكال الحلول لديه دون النظر أو التبصر في النتائج والعواقب مهما كانت / لا يهتم كثيرا لحسابات المستقبل بما في ذلك وسائل العيش والحسابات المالية والعائلية / وعند لجوئه لاستخدام العنف الدموي فانه يوجد لنفسه وأمام نفسه المتعالية المبررات والأعذار والدوافع الأخلاقية كبديل تعويضي مكافئ عما لحق به من غدر أو تحد قد يسئ لمكانته وسمعته وكيانه كما يضن ويعتقد.

غير انه لابد من الإشارة ان هاتين الصفتين السلبيتين قد لحقتا بالإنسان العراقي والتصقتا به كنتيجة للضروف الخارجة عن ذاته وارداته بسبب تواصل الأحداث الدموية واستمراريتها على مدى خمسين قرناً من تاريخه لذلك فهما ليستا في الغالب صفتين فطريتين في طبعه بل صفتان مكتسبتان دخيلتان عليه، لكنهما دخلتا في بنيته النفسية والروحية بالتدريج لأنهما الصفتان الأكثر حضوراً في التاريخ العراقي على مدى خمسة ألاف سنة من الزمان.

لذلك فالعراقي وفق هذه الوصوفات هو تربة مناسبة وملائمة لتشكل وظهور الشخصية الدكتاتورية. والعراقي في الغالب لا يعي هذه الحقيقة ولا يدركها ولا يعترف بها وقد ينكرها ويستغربها.

كل هذه المعايير تسري في المعدلات العامة وفي الإطار الكلي للمجتمع العراقي ولا تقتصر على شريحة واحدة فيه.

هذه الشخصية بهذه الوصوفات هي التي شكلت في الماضي وما زالت تشكل الوقائع بكل أبعادها الرائعة والجيدة وكذلك السيئة والمخزية في بلاد الرافدين التي أهدت للعالم منذ فجر التاريخ أعظم الانتصارات الحضارية.

المجلس