الرئيسية » مقالات » أكبر عملية قرصنة للنفط في التاريخ الحديث

أكبر عملية قرصنة للنفط في التاريخ الحديث

في مقابلة تلفزيونية مع وزير النفط، أعلن بوضوح أن المسودة بقيت كما كانت في شباط الماضي ولم يجري عليها تغيير يذكر! وكأن المناقشات التي أجريت عليها من قبل التكنوقراط العراقي بضمنهم كتاب المسودة وممثلوا الشعب في أروقة البرلمان ولجانه وكتله السياسية لم تفضي إلى ما هو مفيد لصياغة مسودة يعتد بها عراقيا! أو كأن هذا الحشد من المهنيين المختصين في شؤون النفط أريد لهم أن يكونوا شهود الزور على أكبر عملية قرصنة في التاريخ الحديث على النفط العراقي.
يقول الدكتور وليد خدوري في أخر مقالة له حول مسودة القانون “وسنكتفي الآن بالقول انه مشروع سياسي، اكثر مما هو نفطي، أي انه يحاول ان يفصّل الصناعة النفطية العراقية المستقبلية على أساس الحراك السياسي الحالي”. بالفعل خضعت الحكومة للضغوط الداخلية والخارجية الغير مشروعة دون أن تأخذ رأي الشعب معتبرين مصلحة العراق آخر اهتماماتها، وكأن النفط المقصود بهذه المسودة ليس ملكا للشعب! بل هو ملك لساسة عراقيين طامعين بأخذ نصيبهم منه بنوع جديد من المحاصصة النفطية على أساس طائفي وعرقي يستأثر به زعماء الطوائف، مقتسمين بذلك الغنيمة مع الغرب الذي وضع شروطه واضحة بشكل لا لبس فيه، إذ لم يعد خافيا على أحد من أن الاستقرار لن يعود للعراق ما لم يعيد الغرب سيطرته على النفط من جديد، كما وأن الخشية مشروعة من دخول شركات أسسها بعض الساسة العراقيون في بعض دول الجوار أو في أوربا وأمريكا، لكن بأسماء غربية كنوع من ذر الرماد في العيون، حيث لم يعد أمر النفوذ السياسي لهؤلاء أمر مشكوك فيه بأي حال.
الشركات العالمية الكبرى وهذه الشركات العراقية العائدة لزعماء الطوائف تعد اليوم العدة لعودة الاستثمارات تحت اسم عقود التطوير والإنتاج أو عقود الرسك التي تسمى أيضا بعقود الاستكشاف والتطوير التي يقرها مشروع القانون، وهي في الواقع كلها مسميات لعقود المشاركة بالإنتاج، تلك العقود التي تعتبر شكلا متطورا لعقود الإمتيازات النفطية التي تجاوزها الزمن.
القانون الجديد يبيح هذه الأنواع من العقود تحت زعم ينم عن الاستخفاف بالمتلقي وهو أن المسودة لا تتضمن شيء ينص على “عقود المشاركة بالإنتاج”! وكأن التسمية تغيير من طبيعة المضمون! ولكي يكون القارئ على علم بهذا الأمر، أود هنا الإشارة إلى أن هناك ثلاثة أنواع رئيسية من العقود النفطية في العالم ولا يوجد غيرها، يندرج تحت هذه الأنواع الثلاثة الأسماء الكثيرة والمختلفة من العقود، وهي أولا عقود الخدمة التي يندرج تحتها جميع أنواع الخدمات التي تقدمها شركات أو بيوت خبرة على شكل استشارات تخصصية متنوعة أو إنشاءات أو عمليات حفر آبار وما صاحبها من عمليات وعمليات إصلاح وصيانة وتحوير وترقية وتشغيل ومراقبة وسيطرة نوعية للآبار والمنشأة النفطية، كما تتضمن أيضا خدمات عامة غير تخصصية كالنقل والفندقة والشؤون الإدارية والمكتبية وما إلى ذلك من خدمات عامة. وثانيا الإمتيازات القديمة التي أصبح أمرها معروفا، حيث مازالت بعض الإمتيازات القديمة فاعلة لحد الآن في بعض الدول. أما النوع الثالث من العقود وهو عقود المشاركة بالإنتاج ويندرج تحت هذا العنوان عقود الإنتاج والتطوير، والاستكشاف والتطوير (عقود الرسك)، عقود إعادة الشراء، وأسماء أخرى قد يتم استنباطها من خلال شروط العقد التي تختلف من واحد لآخر حسب الظروف الموضوعية المتعلقة بالحقل أو الدولة أو الدلالات السياسية أو الاقتصادية للعقد.
رغم أن الملاحظات الجادة والقيمة التي قدمها مهنيوا العراق المختصون بهذه الصناعة إلا أن الحكومة لم تأخذ بأي من هذه الملاحظات، حيث تركت المسودة في أدراج وزارة النفط لمدة ثلاثة أشهر دون أن يمسها أحد، ولم يتحدث أيا من المسؤولين عن التعديلات المفترضة، بل فرض عليها نوع من الصمت المطبق لكي تهدأ الضجة التي أثيرت حولها ظنا منهم أن هذا النوع من المناورة سوف يمتص النقمة الشعبية على هذا القانون المجحف بكل المقاييس للشعب العراقي، بل وكما أسلفنا كنوع من التستر على أكبر عملية قرصنة للنفط في التاريخ الحديث كما وصفها أحد المحللين الاقتصاديين الغربيين. لكن وكما توقعنا، وبعد أن أعيد دفع المسودة للبرلمان من جديد ليصوت عليها بالقبول قطيع من نواب المحاصة مسلوبي الإرادة بعد التمهيد له سياسيا وإعلاميا.
لم يفت على أصحاب الشأن الترويج الإعلامي للمسودة سيئة الصيت، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، نجد الفضائية العراقية المملوكة من قبل الدولة لم تأتي بمختص في هذه الصناعة لمناقشة القانون بل إن الذين جاءت بهم من أصحاب السوابق والإرهابيين لمناقشته من أجل منح القانون الشرعية، كون تلك الأسماء أصبحت مكروهة من قبل الشعب، وإن كل ما يتفوهون به جملة من الأكاذيب هدفه إسقاط الحكومة وإفشال العملية السياسية، وحين يتحدث مثل هؤلاء عن القانون بالضد، يحق لأي شخص غير مختص أن يعتبره قانون يضمن مصالح الشعب، كما ويضعون المنصفين الرافضين لهذا القانون من المهنيين العراقيين والمتحمسين لإنجاح العملية السياسية في صف هؤلاء المرفوضين اجتماعيا وأخلاقيا، بهذه الوسيلة البائسة تعاملت وسائل الإعلام المملوكة من قبل الدولة مع القانون الذي يعتبر بأهمية الدستور، إذا لم يكن أكثر أهمية منه.
في هذه المرحلة وبظل إصرار الحكومة المغلوبة على أمرها لتمرير القانون من خلال البرلمان، فكل ما نستطيع فعله الآن هو أن نعيد تذكير الشرفاء من أعضاء البرلمان بالحقائق التالية عن القانون لكن بإيجاز شديد لكي لا تتلوث أيديهم وتاريخهم بجريمة العصر عند التصويت عليه بنعم:
1. التعارض مع الدستور إما في صيغته الحالية أو الصيغة الجديدة بعد التعديل المتوقع، حيث أن الدستور يخضع في الوقت الحالي إلى إعادة صياغة للعديد من بنوده ومنها البنود التي تتعلق بالنفط، فالتعارض سوف يكون إما مع الصيغة الحالية أو مع الصيغة المعدلة، ذلك لأن البنود التي تتعلق بالنفط موضوع خلاف بين الكتل السياسية وهي على وشك التعديل.
2. التعارض الواضح والكبير بين مفهوم ملكية النفط من قبل الشعب وفق الدستور وحتى القانون الجديد مع عقود المشاركة بالإنتاج، حيث أن هذه العقود تمنح الشركات الأجنبية حق المشاركة بالنفط المستخرج من أرض العراق، وإن وجود الشريك يعني أن الملكية لم تعد حصرا للشعب العراقي رغم المحاولات البائسة للمتحذلقين من المفسرين لفقرات الدستور.
3. عقود المشاركة بالإنتاج والتي سميت بعقود التطوير الإنتاج تارة وعقود الاستكشاف والتطوير تارة أخرى في المسودة، فكما أسلفنا، لذر الرماد في العيون، اقترحت المسودة تبديل تسميتها بتلك الأسماء التي تعتبر أنواع من عقود المشاركة بالإنتاج.
4. في حالات الضرورة القصوى وعند الحاجة لمشاركة المستثمر الأجنبي أو المحلي في الصناعة الاستخراجية، فإنه يجب إبدال الفقرة ب من المادة2 من القانون بالعبارة التالية: “يجب تكرير النفط المنتج وفق هذه العقود وفق أرقى معايير صناعة تكرير النفط العالمية من قبل المستثمر بالكامل في العراق، وأن لا يباع النفط المنتج في الأسواق المحلية أو العالمية على شكل نفط خام، ولا يستثنى من هذا الشرط المستثمر المحلي عدا شركة النفط الوطنية والشركات التابعة لها، حيث هي الجهة الوحيدة التي يجب أن تبقى مصرح لها ببيع النفط الخام، كما ويجب وتصنيع أو استغلال الغاز المصاحب للنفط المستخرج من قبل المستثمر وشركة النفط الوطنية وفق ما ورد في هذا القانون من ضوابط”.
5. ما سمي بالعقود النموذجية التي تحدثت عنها مسودة القانون مازالت غير مكتوبة، لذا يقتضي تجهيزها وجعلها كملحق إلى المسودة؟
6. يقال أن العراق لا يخضع الآن إلى محاصصة الأوبك، نعم هذا صحيح حاليا، ولكن ما أن يبدأ العراق بالإنتاج الفعلي حتى تبدأ دول الأوبك وباقي المنتجين بالتململ من فوضى الإنتاج المتوقعة في العراق بظل هذا القانون، وسوف لن تنتهي القضية إلا بتخريب الأوبك وسقوط الأسعار إلى مستويات قبل عشرين عام بأحسن تقدير.
7. من خلال عقود الخدمة فقط يستطيع العراق زيادة إنتاج النفط الخام من الحقول المكتشفة أصلا والتي تعد بسبعين حقلا موزعة في جميع مناطق العراق بلا استثناء وتحتوي على احتياطي نفطي هائل، لذا لا يوجد سبب يدعوا للاستمرار بالاستكشاف ومنح الشركات الأجنبية عقود الاستكشاف والإنتاج كما يسميها القانون.
8. يستطيع العراق تطوير وإنتاج حقول جديدة باستعمال أرقى التكنولوجيا الحديثة لأنها مطروحة عالميا ويمكن شراؤها في أي وقت يشاء العراق.
9. العراق لا ينقصه المال لتطوير الصناعة الاستخراجية والوصول بها إلى مستوى عشرة ملايين برميل يوميا من خلال موازنة الدولة أو الاقتراض قصير الأجل من البنوك العالمية، ذلك لأن الوصول إلى هذه المستويات من الإنتاج خلال فترة عشرة سنوات لا يحتاج إلى أكثر من خمسة مليارات سنويا، حيث يمكن استرجاع الأموال المصروفة على تطوير حقل معين خلال ثلاثة إلى أربعة أشهر فقط من بدء الإنتاج.
10. فوضى الإنتاج بدأت بوادرها من الآن، حيث أعلنت شركة نفط الجنوب أنها تحاول تطوير حقول جديدة تقدر إنتاجيتها مجتمعة بأكثر من مليوني برميل يوميا، كما وقد أعلنت حكومة كوردستان قبل أيام عن نيتها القيام بعمليات استكشاف وتطوير جديدة لأربعين حقلا في كوردستان مرة واحدة، وغدا وعندما تستتب الأوضاع الأمنية في العراق سوف يكون من حق المحافظات الغربية أن تطالب بالمعاملة بالمثل، حيث يوجد في أراضيها عشرات الحقول المكتشفة أصلا ومئات التراكيب الجيولوجية التي لم يجري الحفر الاستكشافي فيها، وسوف يعود الإنتاج من حقل كركوك والحقول المجاورة له للإنتاج في حال استتباب الأمن أيضا. بهذه الحقول يكون العراق قد وصل إلى إنتاج أكثر من سبعة ملايين برميل يوميا دفعة واحدة. وفي حال كانت الحقول المطورة متعاقد عليها مع مستثمر أجنبي فإنها سوف تنتج بطاقتها القصوى وفق القانون، أي إن الإنتاج قد يتجاوز هذه الأرقام. فإذا لم تكن هذه فوضى إنتاج فماذا تكون؟ وهل ستبقى حصة العراق في الأوبك مفتوحة؟ وهل سيقبل المنتجين المستقلين بهذه الزيادات؟ وهل ستبقى أسعار النفط على ما هي عليه الآن؟ كل هذه الأمور وغيرها لا توجد آلية واضحة لضبطها وفق مسودة قانون النفط. هذا فضلا عن حقيقة أن الإعلان عن تطوير هذه الحقول في كوردستان حاليا، أي قبل صدور القانون، يعتبر تجاوز على صلاحيات مجلس الوزراء الاتحادي ووزارة النفط الاتحادية والمجلس الاتحادي للنفط والغاز المزمع تشكيله حسب القانون الجديد. فإذا كان التجاوز على القانون بدأ قبل أن يصدر القانون، فما الذي سوف يحدث مستقبلا والقانون لا يمتلك الأدوات الكافية لردع التجاوزات عليه؟
11. قيل، أو ما يروج له، أن شركة النفط الوطنية تستحوذ بموجب القانون على83% من الاحتياطي العراقي المؤكد فقط، وفي الواقع لو أضيف له الاحتياطي المتوقع والمحتمل في باقي الحقول التي لم يتم الحفر الاستكشافي فيها أو المناطق التي لم يجرب بها عمليات مسح جيوفيزيائي، فإن النسبة سوف تنقلب رأسا على عقب، أي أن حصة شركة النفط الوطنية سوف لا تزيد على أكثر من10% من الاحتياطي العراقي المؤكد والمتوقع والمحتمل، هذا مع العلم أن الأرقام قد حسبت على أساس محافظ جدا، وإنها في الواقع تزيد على هذه الأرقام بكثير.
12. مسألة توزيع الثروة بشكل عادل بين العراقيين لم يتم حسمها، فقد رحلت إلى ما بعد صدور القانون على أن يتم ذلك من خلال إصدار قانون آخر ينظم عملية التوزيع، ومازال الجدل قائما حول المسودة المقترحة من قبل حكومة كوردستان لتوزيع الثروة، أي بمعنى ترحيل الأزمة الأساسية وليس حلها في هذا القانون.
13. المشاكل المتوقعة بين الأقاليم والمحافظات حول الحدود سوف تكون سببا بصراع واسع لا حصر له، لأن الحدود الحالية ليست هي الحدود القديمة، والتي يمكن أن تكون سببا لحالات من التشنج وربما احتراب داخلي نحن بغنى عنه، هذه المسألة لم يتطرق لها القانون على الإطلاق.
14. في جميع الأنظمة الفدرالية في العالم يدار النفط مركزيا ويساهم الإقليم بالإدارة العمليات الإنتاجية مع المركز الذي يكون له الكلمة العليا، حيث يكون التعاقد بيد المركز حصريا أيضا، لا أن يتم إعطاء الأقاليم أو المحافظات صلاحية التفاوض والتعاقد مع الأطراف الأجانب ومن ثم إرسالها إلى المجلس الاتحادي الأعلى، ذلك لأن هذا الأمر يقلّل من قوة الجانب العراقي التفاوضية، ويثير المشاكل بين بعض المحافظات التي تمتد عبرها الحقول النفطية والغازية.
15. القانون لا يهتم بتنظيم وتطوير القطاع الوطني الخاص والمتخصص بتقديم الخدمات النفطية، حيث أنه يمثل الحجر الأساس لأي عملية تطوير أو استكشاف.
16. ملكية المنشآة في حال إنهاء أو انتهاء العقد لم يحددها القانون.
17. المحاكم والنزاعات، التقاضي عند حصول خلاف يحب أن يكون في محاكم عراقية.
18. شركة النفط الوطنية ليس لها ميزة على المستثمر الأجنبي في التنافس! وهذا أمر غريب حتى على الأمريكان! لأن الأمريكان لديهم مؤسسات ذات طابع استراتيجي متميز، لها وضع قانوني خاص يختلف عن المؤسسات الأخرى، والعمالة العراقية لم تأخذ نصيبا من القانون إلا ما هو يسير وبعبارات غير ملزمة.
19. أمور أخرى تنظيمية غاية بالأهمية لم يتطرق لها القانون أو إنه مر عليها مرور الكرام.
وأخيرا إن هدفنا هو إنضاج قانون ينظم العلاقات النفطية يعتد به لأهم ثروة يعتمد عليها العراق لعدة أجيال قادمة.