الرئيسية » التاريخ » تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية

تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية

أحمد محمود خليل مؤلف كتاب (تاريخ الكرد في الحضارة الاسلامية )ناقد أدبي وباحث تاريخي، له عدة مؤلفات مثل (الميثولوجيا والهوية في شعر الهنود الحمر) وكتاب (قبائل الكورد) وكتاب (موسوعة الميثولوجيا والأديان قبل الإسلام) وكتاب (رؤية في الشعر الجاهلي).. المؤلف يعد كوردستان من أقدم المواطن التي نشأت فيها المجتمعات البشرية، وأن جنة عدن بحسب الجغرافيا التوراتية كانت في كردستان التي ظلم شعبها باستمرار وأسيء فهمه دائما. اسم (كوردستان) يعني بلاد الكورد، وقد صدر اسم “كورد” من مملكة كوتيوم (كورتيوم) ومن شعب كوتي الذي أهملت فيه حرف الراء، وهي واحدة من أقدم الممالك السومرية، ومعاصرة لعيلام وارمينيا وأكاد. اشتهر الكورد في النصوص المسمارية باسم كرتي وأحيانا باسم كاردوخ، كما يذكر المؤرخ اكسنوفان. ثمة اتجاهان في تعريف الشعب الكوردي، الاتجاه الأول يلحق الكورد بالعرب مثل المسعودي الذي ينسبهم إلى ولد كورد بن مرد بن صعصعة بن هوازن، ولسكنهم في الجبال حالوا عن لسانهم وتكردوا، أو أنهم أولاد ربيعة بن نزار ( الفرع العدناني) أو أولاد عمرو مزيقياء ( الفرع القحطاني). الكاتب يعد هذا التنسيب الذي جرى في العهد العباسي داخلا في صراع العرب العدنانيين والقحطانيين على الكورد، للتقوي بشوكتهم ضد بعضهم، وللاستقواء على الفرس وتحقيق التوازن في الدولة العربية. ثمت اتجاه ثان ينسبهم إلى العرق الفارسي، للقرابة اللغوية بين الفارسية والكوردية. أو إلى العرق التركي. الاتجاه الثالث أسطوري يعيدهم إلى سلالة الجن، بسبب شقرة اللون، واشتهارهم بالشجاعة، والنظرية الثالثة تتضمن اتهامات شيطانية تغريبية. ويعد الفرس أكثر المستفيدين من التعتيم على التاريخ الكوردي بعد قضائهم على الدولة الميدية الكوردية حوالي 550 ق.م على يد كورش الاخميني. ويتهم الكاتب المصادر المسيحية بتشويه التاريخ الكوردي لصلابتهم على معتقداتهم التوحيدية من جهة، وبسبب تحالف الكهانة النسطورية مع الفارسية الساسانية من جهة ثانية. لم تعمر الدولة الميدية الكوردية، وألحقت بالاخمينين الذين اخذوا لغتها الآرية وحروفها الهجائية كما يروي ويل ديورانت، كما شاركوا مع الاخمينين في حروبهم مثل معركة مارثوان 490 ق.م ومعركة سلاميس 480 ق.م. وقاموا بثورات ضد الاخمين أيضا. ثمة آراء “متحاملة” على الشخصية الكوردية مثل آراء المسعودي والجاحظ ويعيد الكاتب السبب إلى جهلهم بالكورد أو إلى انتهازيتهم السياسية، لكن ثمة آراء محايدة مثل رأي السيوطي الذي يذكر أنهم شعب شديد الغيرة ورأي الباحث الأرمني ابوفيان الذي اعتبرهم فرسان الشرق. لكن إجمالا، الشخصية الكوردية تعرضت إلى تهميش بسبب سياسات الدول المجاورة، وتمسكهم بالدين الإسلامي الأمر الذي جعل الأوربيين ينظرون إليهم بنفور، وبسبب ذاكرة الحرب الصليبية وقيادتها الأيوبية الكوردية. اللغة الكوردية لغة آرية نقية، يعتبرها مينورسكي من عائلة اللغات الإيرانية. لغة زرادشت في زند افستا (الابستاق) قريبة من اللهجة الموكرية الكوردية. الفرق بارز بين الفارسية والكوردية في اللفظ والبنية والصرف، وإن توفرت بينهما كلمات مشتركة. تتألف الكوردية من أربع لهجات رئيسة مثل اللهجة الكرمانجية الواسعة الانتشار، واللهجة اللورية، ولهجة زازا، واللهجة البهلوية. أهم الرموز الميثيولوجية القديمة في كوردستان هي “ميثرا” إله الشمس، ويزدان إله السماء واهورمزدا التي تعني أنا خالق الوجود وديوا ( إله الكذب) واهريمن كبير الشياطين وزروان اله الخير والنور، و “هرمزد” ابن زروان و”الموغ” .
وهم الكهنة الزرادشتيون، ودومزي التي أصلها “طاوسي ملك” ويرجع مصطلح دينكرد الكوردي إلى كهنة الدين (دين كار) ولا يزال الكورد، حتى الأمس القريب يرسمون دائرة فيها صليب متساوي الأطراف للفصل بين ملكيات الأراضي. وهي دائرة تسمى فلسفيا بالماندديلا. يفسر المؤلف عدم إقبال الكورد على اعتناق المسيحية رغم الجوار الجغرافي مع الدولة البيزنطية والأرمن والجورجيين إلى تضاربها مع عقيدة التوحيد الازدائية قديما والإسلامية لاحقا. وينفي عبادة الايزديين للشيطان وإنما هو تقديس وتبجيل. ويعد اليزيديون تهمة عبادة الشيطان مؤامرة تاريخية لاغراض سياسية أطرافها الدولة الاخمينية حاملة الايديولوجيا الزرادشتية والكنيسة الشرقية الأرثوذوكسية، لكن تظل الديانة الايزدية من الديانات الغامضة العصية على الاختراق والتفكيك والتي قد يجهل شيوخها تعاليمها وعقيدتها. يذكر كتاب (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) للحافظ الذهبي تابعيا اسمه ميمون الكوردي. وجاء في (أسد الغابة) لابن الأثير وفي (تجريد أسماء الصحابة) للذهبي وفي (روح المعاني) للالوسي اسم صحابي يدعى جابان أبو ميمون، اتصف بشدة الورع والتحرج في رواية الأحاديث الشريفة مخافة السهو. وينسبون له حديثا يتيما متنه “إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان”. أما في العهد الأموي الذي قام على العصبية العربية، فلا نجد ذكرا للكورد في المصادر العربية سوى ما ورد عن انضمام بعض الكورد إلى عبدالرحمن بن الاشعث في ثورته على الخلافة الأموية، وإرسال الحجاج جيشا لإخضاعهم، ووقوف بعض الكورد مع مروان الحمار (أي الشجاع) آخر الخلفاء الأمويين، والذي ورث وسامته عن أمه الكوردية. في العهد العباسي ساهم البرامكة الكورد في إيصال العباسيين إلى سدة الخلافة، وشاركوا في الثورات كثورة الفضل بن سعيد في الجزيرة، ضد هارون الرشيد وثورة الخرمية في عهد المأمون ومن أشهر قادة الكورد عصمة الكردي صاحب مرند وثورة جعفر بن مهر حسن (مير حسن) في الموصل في عهد المعتصم وثورة علي بن داود الكوردي في عهد المعتمد على الله، وكانت ثورات اجتماعية الطابع وغير قومية. دافع الكورد عن الديار الإسلامية في العهد الحمداني ضد الروم، وبرزوا في العهد الزنكي، ثم سادوا في العهد الأيوبي وابرز فرسانهم وقادتهم الأيوبيين صلاح الدين الأيوبي وأخوه نور الدين شاهنشاه، وشمس الدولة توران شاه، وتاج الملك بوري، وسيف الإسلام طغتكين وأسد الدين شيركوه، والملك العادل سيف الدين بن ايوب. وبمقتل تورانشاه انتهى الحكم الأيوبي في مصر وبدأ حكم المماليك الذين أكثر من شرائهم الملك الصالح نجم الدين فأكلوا دولته، واستمر الكورد في العهد المملوكي يجاهدون ضد الغزاة الفرنجة، وأشهر قادتهم الأمير حسين الكوردي الساعد الأيمن للسلطان قانصوه الغوري. وقف الكورد مع الدولة العثمانية السنية ضد الدولة الصفوية الشيعية، واكتفى العثمانيون بالسيادة الاسمية على كوردستان، وساهمت شخصيات كوردية في الإدارة العثمانية مثل إبراهيم باشا، وإسماعيل حقي باشا، وحجو باشا. ثارت ثورات كوردية في العهد العثماني الصفوي أهمها ثورة اردلان (1538) وثورة عبدالرحمن باشا الباباني (1804-1813) وثورة احمد باشا راوندوز (1836 )وثورة بدرخان بك (1842-1847) وثورة عثمان بك وحسين بك (1878) وثورة عبد الله نهري (1880). أما أهم الدول الإسلامية فهي الدولة الدوستكية أو المروانية ( 372- 487 هجرية) والدولة الأيوبية ( 567-950هجرية) وأشهر الأعلام الكورد في التاريخ الإسلامي هم: خالد بن برمك ويحيى البرمكي وجعفر بن يحيى. وهم ينسبون إلى الفرس في أكثر المصادر العربية بسبب سيادة الفرس وقوة شوكتهم، والموسيقي زرياب الذي يعني اسمه “ماء الذهب” والنحوي والمؤرخ أبو حنيفة الدينوري، والصوفي أبو القاسم الجنيد، والحسن بن بشر الآمدي الذي بلغت مؤلفاته أربعة وعشرين كتابا، وشهاب الدين السهروردي وله تسعة وأربعون مؤلفا، والإمام الحافظ المفتي الفقيه ابن الصلاح الشهروزي. والعالم ابن الحاجب النحوي، والمؤرخ ابن خلكان صاحب (وفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان) وأبو الفداء الأيوبي الذي تنسب له مدينة حماة، والحافظ العراقي. هؤلاء الأعلام يقعون في فئتين الفئة الأولى هم الذين تثبت المصادر كورديتهم والفئة الثانية هم الذين ينتمون إلى كوردستان جغرافيا دون تأكيد على الانتماء العرقي. غالبية الكورد مسلمون سنيون على المذهب الشافعي. وتنتشر بينهم طرق صوفية مثل النقشبندية، والقادرية الكيلانية. يعترف الكاتب، الذي يتميز بموضوعية نادرة بين الكتاب الكورد، بأن الكوردي يتصف بصفات سلبية هي التي حرمته من كيان سياسي جامع أهمها؛ نكران الذات، والتفاني في خدمة الآخرين، وشدة العصبية القبيلة، وسرعة الغضب، وسلامة الطوية والإخلاص إلى درجة السذاجة، وكره المناورة السياسية والصراحة الفائقة التي لا تزال ترديه حتفه السياسي.
التآخي