الرئيسية » مقالات » نازك الملائكة والهم الانساني

نازك الملائكة والهم الانساني

الليل ، البحر ،الزورق ، السفن ، الرياح ، المعبد .. مفرداتها المعجمية التي حولتها الى رموز القت بها على واقعيتها الشاعرة .. فليلها محبوب تتعبد في محرابه وتعزف الحانها ..
الليل الحان الحياة وشعرها
ومطاف الهة الجمال الملهم
والبحر زمنها المقترن بوجودها الذي يتمثل بالزورق .. والرياح رغباتها وشهواتها .. والبيت معبدها ..
وتبقين على البحر شراعا
مغرقا في الدمع والحزن المبيد
ولها:-
في لجة البحر الرهيب سفينة تحت المساء
ألقت بها الاقدار في لجج المنايا والشقاء
الريح تصرخ حولها وتضج في ظلم الفضاء
ولها -:
معبدي افتح لقلبي الباب قد طال وقوفي
أنا من مات ربيعي في أعاصير الخريف
إنها رمزية شفافة ذات بعد بلاغي واجتماعي ونفسي .. تغلب على أوزانها البحور الصافية .. عبر صوت الشاعرة الغائبة الحاضرة نازك الملائكة البغدادية المولد في الثالث والعشرين من آب عام ثلاث وعشرين وتسعمائة والف .. وهي أول عقب لأبويها كما يقول الدكتور يوسف عزالدين في كتابه شعراء العراق في القرن العشرين .. نشأت وترعرعت في اسرة شاعرة زادها العلم والادب .. فهي تنتمي لأب ( صادق الملائكة ) أديب وباحث ومدرس لمادة اللغة العربية منه أخذت اهتمامها اللغوي والنقدي .. وأم شاعرة ( سليمة عبدالرزاق ) _ أم نزار _ ولها ( انشودة المجد ) الذي عكس صورة المرأة الرافضة _ المعتدة _ المتسامية .. ألهمتها الشعر وأوزانه وموسيقاه .. وخالها الدكتور جميل الملائكة الذي ترجم رباعيات الخيام عام 1957 .. وقد نظمت الشاعرة وأمها وخالهاالعديد من المقطوعات الشعرية للمتعة والتسلية في بداياتها الشعرية والتي كشفت عن مدى تأثر الشاعرة بأمها كونها تنظم على سياقها عطفا أو وصفا لما تكتبه الام ..فعندما تكتب أم نزار ..
خفقات البروق تبعث في ليلي ومضا يطغى على الامصار
ترد نازك عليها قائلة ..
وسكون الاشياء يبدو لعيني حياة عميقة الاسرار
وتكتب أم نزار ..
أو كسار يطوي المتاهة حيران مروع الخطى بدون رفيق
ترد نازك ..
طحنته الحياة .. لم تبق منه
غير روح مهشم مخنوق
وهذا يعني أن هناك تجاوبا متناغما بين نازك وأمها ..
)نازك الملائكة ) تسمية تركية .. ولادتها عقب الثورة التي قادتها الثائرة السورية (نازك العابد ) على السلطات الفرنسية وتيمننا بهذا اسماها جدها بهذا الاسم حتى أنه رأى أنها ستكون مشهورة كنازك العابد مستقبلا .. العابد ) وبأكمالها الدراسة الابتدائية والثانوية تدخل دار المعلمين العالية عام 1944 وتتخرج منها بدرجة إمتياز .. فتسافر الى الولايات المتحدة وتدرس هناك اللغة اللاتينية والادب المقارن عام 1950 بعد إتقانها آلة العود في معهد الفنون الجميلة عام 1949 .. وفي عام 1957 تعود الى بغداد وتشتغل بالتدريس في كلية التربية ومن ثم تغادر العراق الى بيروت عام 1959 _ 1960 وهناك بدأت بنشر نتاجها الشعري والنقدي .. ثم تعود وتعمل استاذة مساعدة في جامعة البصرة لتدريس اللغة العربية وآدابها ..
نازك الملائكة الشاعرة الناقدة لها في الشعر ( عاشقة الليل )عام 1947 و (شظايا ورماد ) عام 1949 و ( قرارة الموجة )عام 1957 و ( شجرة القمر )عام 1968 وملحمة شعرية ( مأساة الحياة واغنية للانسان ) عام 1970 و (يغير البحر الوانه ) عام 1977 و ( للصلاة والثورة )عام 1978 .. أما آثارها النقدية فهي ( قضايا الشعر المعاصر ) عام 1962 و ( الصومعة والشرفة الحمراء ) عام 1965 و ( سيكولوجية الشعر ) عام 1993 ولها ( التجزيئية في المجتمع العربي ) .. ونازك في نقدها تجمع بين نقد النقاد ونقد الشعراء أو النقد الذي يكتبه الشعراء .. لذا فهي ناقدة استاذة في النقد وشاعرة استاذة في الشعر .. وقد ترجمت في شعرها صور حقيقية عما يدور في دواخلها .. لذا فهي تكتب بواقعية عن ذاتها المنطوية والاغتراب الذي تحس به الذات عموما .. وما يحيط بها من واقع مملوء بالاحداث التراجيدية المؤلمة .. وهذ يعني انها استطاعت الجمع بين التفكير والرؤية الفنيةوبين ما هو ذاتي و موضوعي نازك الملائكة ظهورها الشعري بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما تركته من آثار عليها وجيلها الذي عاش حياة قلقة مملوءة بالاضطرابات النفسية والروحية كما احسوا بالحربين الاولى والثانية فكانت الاحداث تعمل عملها في ارواحهم وحسهم ..انهم جيل القلق والضياع .. اضافة الى حلول ثقافات متباينة ونظم اقتصادية واجتماعية متناقضة فوجدت في نفوسهم اثرها .. لذا ظهر في شعرها ظمأ روحي عميق وحرمان نفسي يعصر وجدانها فأعادت النظر في المحاولات التجديدية التي سبقتها .. فحاولت مع السياب التجديد في مضمون الشعر العربي وساروا في الشكل العام للقصيدة على طريق الادب المهجري .. ونازك الاصيلة في ثقافتها العربية واستيعابها بادراك واع للادب العربي مع ثقافتها الاوربيةوهذا يعني جمعها بين ثقافتين مما انعكس على اسلوبها جزالة ورصانة وعلى شعرها وعي ناضج .. وبذلك رسمت لنفسها خطا متميزا واضحا ميزها عن غيرها من رواد التجديد وفي مقدمتهم بدر شاكر السياب .. فحافظت على اساليب العربية في شعرها فكانت قريبة من عمود الشعر واعية ما تريد .. محافظة على الحدود والقواعد .. مع تحررها من نظام الشطرين والقافية الموحدة واعتماده التفعيلة الصافية دون الاخلال بالوزن او الموسيقى مع وصف لمعاناة النفس التي تضطرم فيها اسرارها وتغلي نوازعها ..
لاتسلني عن سر أدمعي الحرى
فبعض الاسرار يأبى الوضوحا
بعضها يؤثر الحياة وراء الحس لغزا
وان يكن مجروحا ..
لقد اصدرت نازك الملائكة ديوانها الاول (عاشقة الليل )وفيه مجموعة من القصائد الحرة مع مقدمة للديوان تحدثت فيها عن القديم والجديد فقالت ( لقد سارت الحياة وتقلبت عليها الصور والالوان والاحاسيس ومع ذلك مازال شعرنا صورة ( لقفا نبك ) و ( بانت سعاد ) .. والاوزان هي هي والقوافي هي هي وتكاد المعاني تكون هي هي ..) ورأت ان يكون التطور على يد الشاعر والاديب لانه سنة في كل اللغات العالمية فقالت ( الشاعر والاديب اذن هو الذي تتطور على يديه اللغة أما النحوي او اللغوي فلا شأن لهما بها ..
لم تعتبر نازك عملها التجديدي خروجا على طريقة الخليل انما هو تعديل لها يحرر الشاعر من ألف قيد .. دعاها اليه تطور المعاني والاساليب خلال العصور التي مضت على أوزان الخليل ..
لقد استحقت نازك لقب شاعرة لحملها مقومات هذه الصفة كونها قادرة على تأدية واجبها الشعري بقدرة الشاعرة الاصيلة المعاصرة .. فهي في الوقت الذي تتمثل القصيدة العمودية بكل مافيها من قوة واصالة فأنها لاتنسى ان توظف كل هذه القدرات في شعرها لقضايا واهداف معاصرة عاشها وما زال يعيشها الانسان العربي واقعا ووجدانا .. فيبدو في قصائدها تمكن من استخدام اللغة وتطويعها في القصيدة لما تعبر عنه من احاسيس وافكار لذا كانت عباراتها الشعرية سلسة وغير مستعارة .. متماسكة في بنائها .. يتحاور فيها الشكل والمضمون بألفة نادرة .. بحكم بساطة الجملة الشعرية مع عمقها وصدقها فتنساب انسيابا رقيقا مع وضوح المعاني والافكار البعيدة عن الضبابية والغموض المصطنع الذي يعزل الشاعر عن قارئه ..
فشعر نازك الانثوي يتميز برقة عواطفه وعمق الشعور مع ترفع واعتداد وكبرياء..
وشفاه تموت ظمأى ولاتسأل
أين الرحيق؟ أين الكاس ؟
ونفوس تحس اعمق الاحساس
وتبدو كأنها لا تحس
فالاغنية عندها لحظة من لحظات التواصل المطلق مع الوجود بوصفه امكانية سعادة.. ودفقة من دفقات الاحتجاج المطلق على الوجود .. كونها ترى ان الشعر هو الاداة التعبيرية الاكثر شمولية في التوصيل السريع للاخرين ..والاكثر قدرة على استبصار الواقع كونه وسيلة الانفعال اللحظي للحدث اذ يتكثف عبره ويتمدد ويأخذ ابعادا في غيره ..
يقول الشاعر الفيتنامي (شي لان فان) (عندنا في بلادنا – الموت فيها قريب جدا من الحياة .. والسلام قريب جدا من الحرب .. في هذه الدقائق .. الشعر ضروري جدا .. إنه لنا بمثابة المستشار .. الحبيب .. المرأة.. (
ونتيجة للحالة النفسية المركبة لشاعرتنا لم تتحدث في شعرها عن الطبيعة الخارجية ولم تحاول وصفها وصفا حسيا جماليا بل نظرت الى الطبيعة كأطار لعاطفتها وبخاصة مع البحر لذا كان تركيزها على الشعر وتوليده من لحظات العاصفة .. فكانت اغنيتها الشعرية من المأساوي التاريخي .. اذ ورثت من امها روح الرفض الذي افرزته روح الحياة الجديدة للمرأة التي بدأت تحس بحريتها الباطنة وينمو في نفسها الاحساس بالكيان والوجود المستقل .. لذا كانت رافضة لكل ما يستعبد الانسان ويسحق انسانيته من مقاييس يرضخ لها المجتمع .. فهي تقول:-
المقاييس .. ليس تعنيني
الاحاسيس .. هي قانوني
لاعتقادها انها مقاييس جامدة لاترغب ان تتطور مع الزمن ..
في دمي اعصار.. عاصف بالجمود
وشظايا نار .. تتحدى الركود
وبهذا الانفعال العميق .. والوجدان الفياض انطلقت نازك الملائكة من اعماق ذاتها الى الافق العام تعلن حقيقة الصراع المتراكم الذي تعانيه المرأة التي اعتق العصر عقلها وفكرها ومنحها الشعور بالحرمان فاصطدمت بالواقع الذي مازال بعيدا عن العالم الذي تريده .. كونها من النساء اللواتي منحن عقلية واسعة غذتها مكونات ثقافية وفكرية .. اضافة الى نفسيتها الرقيقة وحسها المرهف جعلها تتخذ موقفا فلسفيا تجاه المجتمع الانساني .. فهي تحلم بمجتمع تسوده الالفة والمحبة وتتحقق بين جوانحه العدالة ..
انها حواء القرون في شاعريتها النازفة من اصطدامها بواقع متخلف .. الرافضة لحياة تقليدية بعناصرها الساكنة ..
وسكون الحياة في جسد الاحلام
لم يبق قط للعيش معنى
فالصراع المحتدم في نفس الشاعرة يتحول احيانا الى سخرية ويأس ومرارة من الحياة الرتيبة .. فولد عندها احساس بالغربة نفسيا وفكريا فراحت تعبر عن ذاتيتها الخاصة مقرونة بالاندماج العام بالتعبير عن هموم بني الانسان واحلامهم خصوصا قضايا المرأة ..بصراحة ومنتهى الجرأة والدليل كتابها ( التجزيئية في المجتمع العربي ) وفيه توجه نازك النقد للوضع الاجتماعي السائد والعادات الجامدة وتحمل صفة الثورة على التقاليد ..
نحن الذين نسير لاذكرى لنا
لاحلم .. لاأشواق تشرق .. لامنى
آفاق أعيننا رماد
تلك البحيرات الرواكد في الوجوه الصامتة
ولنا الجباه الساكنة
لانبض فيها .. لااتقاد
نحن العراة من الشعور ذوو الشفاه الباهتة
ويعلو الرفض عند نازك في قصائدها الاجتماعية التي صورت فيها حياة المرأة البائسة في ( غسلا للعار ) و (النائمة في الشارع ) و ( مرثية امرأة لاقيمة لها ) كما تناولت حياة البؤس التي يحياها المجتمع في ( الارض المحجبة ) التي تندد فيها بسياسة الحكام الطغاة .. لذا كانت ثورتها الشعرية عامة تناولت كل ما يتعلق بحياة الانسان والمجتمع .. اجتماعيا وسياسيا وفكريا ..
وأخيرا غادرتنا نازك بجسدها الذي احتضنته اهرامات مصر وظلت روحه مرفرفة بابداعها تغازل القلوب المجددة بعد أن سبقها السياب وهو يصارع الالم ومات في غربته بعد ان حرث الارض وشارك في بذرة التجديد .. تبعه على الخطى البياتي في غربته الدمشقية وكان بينهما بلند الحيدري يصارع التيار حتى ضفة النهاية ..

التآخي