الرئيسية » مقالات » التصعيد التركي والدبلوماسية العراقية

التصعيد التركي والدبلوماسية العراقية

تندرج تركيا على وفق المفهوم الدبلوماسي في خانة الدول غير المتعاونة، وعلى الرغم من كل ذلك استمرت الدبلوماسية العراقية، وبشكل هادىء بالاحتكام للغة العقل والاستناد الى الاساليب التكتيكية التي تتضمنها هذه الاستراتيجية، من ضبط النفس، والابتعاد عن الخطاب التصعيدي والعنجهية التي اتسمت بها الدبلوماسية ابان عهد الاستبداد، فاعتمدت على استراتيجية التفاوض و الحوار.
وهي لغة النهج العراقي الجديد، الذي ترسمه الدبلوماسية العراقية بعد التغيير، لكن تركيا تسعى بكل قوة لاجهاض التجربة الناجحة لاقليم كوردستان، وعلى الرغم من كل المناشدات التي تطلقها حكومة الاقليم للجوء الى لغة الحوار والتفاهم، الا ان الاتراك عازمون على التصعيد، وبالتعاون هذه المرة مع الايرانيين الذي امطروا القرى الكوردية بقذائف المدفعية، تضامنا مع الاتراك من اجل ان يتخلوا عن دعم الاذريين، ولا ندري هل جاء تزامن التفجيرات قرب وزارة داخلية حكومة الاقليم مع تفجيرات مخمور والقصف التركي عن طريق الصدفة؟ وهل احتضان تركيا مؤتمرات لمنظمات طائفية عراقية تدعي الاسلام ولها صلات مع القاعدة، يأتي من باب حسن النية، حتى ان دولة رئيس الوزراء المالكي رفض دعوة لعقد مؤتمر في تركيا على هذه الخلفية، والان تحاول ان تتدخل كالايرانيين والسوريين في الساحة العراقية.
ولولا محاولاتها في الدخول للاتحاد الاوروبي، وتحالفها الاستراتيجي مع الاميركان لرأينا موقفا مغايرا يتسم بالقوة والعنف، من خلال تصدير الارهابيين او تسهيل مهمتهم بشكل يحاكي الدور السوري، ويمكننا القول إن الدور التركي قد لا يختلف عن الدور الإيراني كثيراً إلا فيما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، خصوصاً وإن تركيا تحتفظ بعلاقات طيبة وجيدة مع الولايات المتحدة الاميركية، أما التشابه فيكمن فيما يخص الشأن الداخلي العراقي إذ كما ان لإيران رؤيتها بشأن تشكيل عراق ما بعد التغييرفي نيسان 2003، ايضا لتركيا رؤية تتسم بالدرجة الاولى في عدم وجود حكومة كوردستانية شبيهة بالحالية، التي رسخت قيام حكومة عصرية متنامية باتجاه بناء ديمقراطي حقيقي، ورقي اقتصادي ونهضة عمرانية وانتماء لروح العصر.
و ما يحصل في اقليم كوردستان،من تهديد ووعيد وتحشيد عسكري يعد رسائل ترهيب من قبل دول الجوار ومن الاتراك بالذات تهدف هذه الرسائل التي جاءت عبر هذه الدول الى الضغط على الكورد في اللحظة الراهنة، التي يطالب بها الكورد تطبيق المادة 140 ، والذي يعد مطلبا دستوريا، فضلا عن انه شأن داخلي عراقي.
كذلك يحاولون اظهار الوضع في كوردستان العراق بالضعيف والمتواضع وانهم قادرون، على التلاعب فيه والعبث بمقدراته انى شاءوا، وان حكومة الاقليم غير قادرة على ضبط الامن، وانهم يستطيعون ترويض الحكومة.
ولكن بالمقابل أظهر السياسيون الكورد قدرة فائقة وحنكة سياسية غير عادية في الخطاب السياسي اذ لجأوا الى سياسة ضبط النفس والحكمة، واصدروا تعليماتهم للسياسيين وفي وسائل اعلامهم، بضرورة عدم الانجرار وراء التصعيد التركي وبالتالي استطاعوا كسب ود الرأي العام العالمي والمنظمات الدولية، ولاسيما في ظرف تسعى فيه حكومة اوردغان، من اجل الانظمام للاتحاد الاوربي .
واستطاعت الحكومة العراقية ان ترسل رسائل قوية، بان العراقيين صفوفهم موحدة، والهجوم على كوردستان هو هجوم على كامل الجغرافية العراقية، وكذلك موقف البرلمان العراقي، ومطالب النائب مثال الالوسي بمواقف صلبة ازاء التخرصات التركية، فضلا عن التنسيق مع حكومة الاقليم، تم الضغط عبر هذه البوابات وكذلك استخدام ورقة الضغط الاقتصادية اذا علمنا ان تركيا تحصل على ملايين الدولارات من العراق عبر شركاتها العاملة في كوردستان، وبقية انحاء العراق.
وقد سبق لتركيا ان تدخلت وبشكل متكرر في كوردستان العراق لمطاردة حزب العمال الكوردستاني، وبموافقة حكومة صدام ومع ذلك لم تفلح في ايجاد الحلول اذ يكمن الحل داخل تركيا اذ ينبغي عليها ان تعترف بحقوق الاقليات وان تدرك ان القوة والعنف لن تحل اية قضية، فنظام صدام قد مارس شتى انواع الابادة البشرية من تهجير وقتل واستخدم اكثر انواع الاسلحة الكيميائية فتكا، ومع ذلك انتصرت القضية الكوردية، كما نود ان نشير الى ان عناصر حزب العمال الكوردستاني، يوجدون بكثافة في المانيا ومع هذا لاتجرؤ تركيا اطلاق اي تهديد ضد المانيا، بينما تتعامل مع العراق وكانه ساحة مفتوحة هشة وبلا سيادة وليس لديه القدرة في الدفاع عن نفسه. متناسين ان كوردستان تعد القطب المستقر وركيزة اساسية للتوازن في العراق وان اية زعزعة في امنه سيكون بمثابة كارثة للقوات الامريكية وقوات التحالف، ويدفع بالمنطقة نحو الهاوية.
ومع كل ما تقدم من ضغوطات واستعراضات تركية الا ان الحكومة العراقية استمرت في نهجها السلمي، اذ كان آخر تصريح لوزير الخارجية العراقي السيد هوشيار زيباري ( اننا مستعدون لاجراء محادثات مع تركيا بشأن كيفية التعامل مع حزب العمال الكوردستاني اذ قال : اننا منفتحون للمحادثات الايجابية بشأن هذه المسالة، لكن ليس عبر القصف الواسع المدى للمناطق الحدودية العراقية.)
حتى توجت هذه المساعي بطلب السيد اوردغان من العسكر عدم اللجوء للقوة العسكرية ثم توجيه الدعوة لدولة رئيس الوزراء المالكي لزيارة تركيا. ولكن هذا لم يأت من فراغ بل نتيجة للضغوط الاميركية والمنظمات الدولية، ونجاح للخارجية العراقية، ولكن هل تنجح الوصفة التركية للتعامل مع بقية دول الجوار!؟
التآخي