الرئيسية » مقالات » يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (18) في حماية عقيد الركن الطيار منير حلمي (2)

يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (18) في حماية عقيد الركن الطيار منير حلمي (2)

وبعد الفرهود انطفأ المصباح الذي كان يضيء لوحة العقيد، وأخذت طوابير المفرْهَدين والجرحى والأرامل والأيتام الذين انطفأت في عيونهم أنوار فرحة الحياة، متجنبة لوحة العقيد فلا تطرق بابه، تمر كلمى بانكسار تذرف دموع الذل وتأبى المغفرة، تقف أمام أبواب دورنا لنغيثها بالثياب والمفروشات والأثاث وأواني الطبخ والأدوات المنزلية والنقود، “أبدالكم فرهدونا وما فضلوا شين، أسود عليهم، حتى المكنسي أخوها وياهم!!”، ويروون قصص الاغتصاب والقتل والذبح، والوالدان يستمعان إلى الفظائع التي عانى منها هؤلاء المساكين ويطلبون منا أن نبتعد لكي لا نستمع إلى ما يستطيع الإنسان القيام به إذا انقلب إلى وحش ضار ٍٍ. روى البعض كيف امتزجت دماء المقتولين بدماء القتلة الذين كانوا يتخاصمون على الغنائم وعلى الفتيات لاغتصابهن. أما إذا حدث أن طرقت امرأة منهن لا تحسن قراءة اللغة العربية، الباب ذي الوسام العسكري، فقد كانت أم منير الضابط تمد يدا خجلة بالنقود وبصمت باك حزين مستشعرة عار الجريمة التي اقترفها الآخرون بحق الدين والملة، تقدمها كفارة وغسلا للعار وعملا بالآية الكريمة: “أما السائل فلا تنهر، وأما اليتم فلا تقهر”. وما أكثر الأيتام والأرامل في تلك الأيام السود.
ولم تكن أم منير، حفيدة الشاعرة خولة بنت الأزور في البطولة التي أبلت في فتوحات الشام بلاء حسنا، هي الوحيدة التي أغاثت منكوبي هذه الغزوة الفرهودية الدنيئة. فقد روى الوزير السابق في الحكومة العمالية وعضو الكنيست السيد مردخاي بن بورات ومن زعماء الحركة الصهيونية السرية في العراق والذي فرّ من بين يدي الشرطة في شارع الرشيد في واضحة النهار بل في عزّ الظهر الأحمر، حين كان يقاد إلى المحكمة، كيف نصحهم العقيد طاهر محمد عارف وابنه بأن يتزودوا بالتمن والطحين والزيت وباقي المواد التموينية قبل بضعة أيام من الفرهود، وكيف أنقذت زوجة العقيد، الخولة الجديدة، حياة عائلته وداره من النهب حين سمعت هواسات المفرهدين أمام الدار تمهيدا لكسر الباب ووقفت وقفة الأبطال الصناديد أمام دارهم في الأعظمية وبيدها مسدس وقنبلة يدوية وهددت الرعاع الذين حاولوا فرهدة دارهم وقتلهم، بأنها ستلقي عليهم القنبلة اليدوية وستطلق النار إذا لم يتركوا الدار ويكفوا عن النهب ويغادروا الحي، فما كان من الرعاع إلا الإذعان لأوامرها والذهاب إلى محلة أخرى لا تحميها لبؤة من حفيدات خولة بنت الأزور من ذوات النخوة والكرامة. أما والدته التي كانت خارج الدار فقد أصيبت بضربة “مكوار” على رأسها وأغمي عليها فأنقذها من براثن القتلة أحد فرسان الفرقة العسكرية الخيالة من أحفاد فرسان القادسية الذين ساعدهم اليهود في إسقاط الدولة الساسانية، وأخذها إلى دار إحدى قريباتها وأنقذ حياتها.
ولم يكن والد عقيد الركن الطيار منير فهمي هو الحامي الوحيد لسكان حينا، فقد كانت الوالدة “أم منير الزابط” حلقة الوصل بين ابنها المتنفذ ونساء “العكد” اليهوديات. أسْـتـُُدْعِيَ جارنا إلياهو للتجنيد الإجباري، إذ لم يستطع إنهاء دراسته الثانوية بالرغم من إلحاح والديه وتحذيره من العار الذي سيلحق به وبعائلته إذا لم يحصل على شهادة البكلوريا، وهي الدرع الواقي عند اليهود من عار التجنيد كجندي اعتيادي في الجيش العراق بدلا من دورة ضباط الاحتياط التي كانت ستزيده شرفا على شرف لو حصل على الشهادة المرموقة والنجمة الذهبية على كتفيه. وقد تحير أساتذة الجامعة العبرية وموظفو إدارتها في معرفة سر العدد الهائل لحملة شهادة البكلوريا من بين الطلبة القادمين من العراق، فلما كشفت إدارة الجامعة السر المصون بين العراقيين وأدركت أن السر كامن في خوف الآباء اليهود في العراق من تجنيد أولادهم في الجيش العراقي كجنود في الخدمة الإلزامية وحثهم على الدراسة لنيل شهادة البكلوريا، عند ذاك “بطل العجب بعد أن عُرِفَ السبب”. فليس أمام المجند اليهودي الراسب في الامتحانات إلا تنظيف المراحيض أو القيام بخدم حقيرة في المعسكرات النائية إذا لم يتم دراسته الثانوية. فكل جندي من الملل الأخرى يحاول إذلال المجند اليهودي بأوامره المغيظة وبتعييره بصفات اليهود وجبنهم والتي ألصقت بهم طوال قرون عديدة. هذا بالإضافة إلى أن من لا يحصل على مثل هذه الشهادة من اليهود التي تعتقهم من ذل التجنيد فلا يفيده الحسب والنسب والأموال الطائلة التي تمتلكها عائلته، فلا يتم ترشيحه للزواج من أية فتاة جميلة من أسرة شريفة معتبرة. فاليهودي المجند كان يرسل للعمل بأحقر الأعمال في الجيش وخاصة تنظيف المراحيض والكنس والرش وحفر السبـّيرات (الخنادق) ويعامل معاملة “النزّاحين”. وهكذا كان مصير الياهو الخايب ابن جارتنا البكر. فبعد التدريبات “على النيشان وضرب التـَفـَك “، وتعييره بـ “أبدالك حسقيل، طقت لو ما طقت” و”اشقال قلبك حسقيل من طقت الطقاقة”، عيّن منظفا لمراحيض معسكر الوشاش. وفي أول إجازة حصل عليها، اشتكى لدى أمه الضيم والعار الذي لحق به وبالعائلة. فما كان من أم الياهو إلا أن “تشيلت” وذهبت إلى “أم منير الزابط” لتشكو إليها ضيمها: “أبدالك أم منير، ما عدنا غير ألله وغيرك وغير ابنك، الله يعتقو ويخلينو وانشا الله تعينين ولاد اولادو وتفغحين بيهم عغاغيص (عرائس). يقبل وجدانك! هذا أعْـبـيـدِكْ، ابني لياهو الحِـيوان الخايب (كلمتا عطف وحنان على الأبناء عند بعض العائلات اليهودية وخاصة عند عائلة أم الياهو)، غبيتونو بشلول عيوني، والحـِيوان كان مدلل وغالي علينا. هسـّا الله يقبلا، تكرمين، يشغلونو نزاح ومنظف أدبات بالمعسكر. مإنت ِ اتعغفين مني هيي عائلتنا؟” أبدالك وابدالو الغاسك وانداغ مداغو المنير، سويلو جاره وخلى يطعونو وظيفي أحسن من هايي المبهدله اللي كسغت شرفنا قدام العالم!”.
ثارت النخوة في رأس أم منير الفاضلة التي كانت حامية شرف شارعنا:
– “أم الياهو، انتو شرفنا، واحنا ما نقبلها، لا تخافي، الليلة يجي ابني منير والليلة ينطوه لابنج شغل نظيف وشريف، حطيها عليا، والله أول ما يرجع منير، وكبل ما يتوضا ويصلي، لأكلّه لازم يسوي جاره الابنج.”
أكثرت أم الياهو من الدعاء لأم منير بالخير وأن ترى أحفاده وأحفاد أحفاده وتفرح بهم والله يحفظها ويحفظهم. وفي تلك الليلة وبقدرة قادر وبأمر عميد الركن “الأبو هلـلّة”، نقل الياهو إلى الخدمة في غرفة طعام الضباط معززا مكرما لا يجسر أحد على توجيه كلمة استخفاف به، فقد علم الجميع أنه الجار المكرم وفي حماية “عقيد الركن” المحترم الذي لا يرد له أمر، بل أن إشارته أمر.
ومن ذلك الحين، كان إذا أبطأ “الحـِيوان الخايب” ولم يخرج في إجازة، تذهب أم الياهو إلى صديقتها الكريمة التي لا ترد لها طلبا:
– أبدالك أم منير الورد، قلبي قيتقطع على ابني، الحيوان الخايب ساغ لو اسبوعين ما جا للبيت.
– لا تخافين عيني، ولله الليلة يكون إلياهو عدكم وتتهني بيه انشا الله!
وهكذا كان ويكون في كل مرة تذهب فيها أم الياهو وغيرها من الأمهات إلى صاحبتهن العزيزة الفاضلة “أم منير” أم الخير والبركة وتعم الفرحة دور العكد بفضل حماته.

· كتبت هذه المذكرات لتنشر في “إيلاف”. الأسماء التي وردت فيها هي أسماء حقيقية.
· جميع الحقوق محفوظة لكاتب هذه المذكرات ولا يسمح بنقلها بأية صورة كانت سوي باتفاقية خاصة وبترخيص خطي من المؤلف أ. د. شموئيل موريه.