الرئيسية » مقالات » الهروب من العدالة

الهروب من العدالة

المتهم بريء حتى تثبت أدانته ، وحين تقوم الدعوى الجزائية تتحرك الأجراءات التي يسندها قانون اصول المحاكمات الجزائية ، ومامن شك من أن هذه الأجراءات التي تقوم بها سلطات التحقيق تقوم جميعا في دور التحقيق الأولي تحت سلطة وأشراف قاضي التحقيق ، وجميع القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق خاضعة للتدقيق والطعن التمييزي أمام محكمة الجنايات التي تتبعها سلطة التحقيق المذكورة .
وفي قضية المتهم أسعد كمال الهاشمي وزير الثقافة العراقي ما يدفع لتأكيد صحة الأتهام في أشتراكه وتحريضه على قتل ولدي المجاهد العراقي مثال الالوسي دلائل عديدة ، اولها أن المتهم المذكور لم يمتثل للعدالة وهرب الى داخل المنطقة الخضراء تحت تستر وحماية أحد المسؤولين ، وثانيها انه مسؤول رفيع المستوى عليه الأمتثال للقانون بما يتناسب مع مركزه الوظيفي ، الا ان مسألة الهروب من القانون صار من تقاليد وأعراف المتهمين من المسؤولين في العراق اليوم ، كما صار التبرير و الزعم بأن الأتهام لأسباب طائفية ويستهدف القائمة المنضوي المتهم تحت أسمها ، او محاولة الأتصال بالأمريكان لتخليصة من الوضع القانوني الذي صار اليه .
ومن يطمئن الى براءته وعدم توفر الأدلة التي تدينه او تكشف فعله الأجرامي لايهرب من العدالة ، كما ان من يطمئن الى ان القرارا الصادر بحقه من القضاء العراقي ، وهويعرف أن القضاء مستقل لاعلاقة له بالسلطة التنفيذية ولا بالحرب الطائفية المبطنة بين الفرقاء ، فأن على المتهم أن يقوم بتسليم نفسه والتعاون مع السلطات التحقيقية لكشف الحقيقة .
أن القضية التي أتهم بها السيد أسعد الهاشمي قضية قتل مقترن بقتل ، وعلى أساس انه المحرض والدافع لأرتكاب هذه الجريمة المركبة ، كما انه متهم وفقا لأعترافات القتلة بأشتراكه وضلوعه في هذه الجريمة وغيرها من الجرائم ، ويفترض بأعتباره وزيرا مكلفا بوزارة الثقافة أن يبادر الى أن تصل الحقيقة الى الشعب بأقرب فترة ممكنة ، الا انه ولأحساسه بمحاصرة الأدلة ووقوع بعض القتلة في يد العدالة جنح الى الأختفاء والهروب مما يمكن معه اعتباره محاولة للتخلص مؤقتا من قرار القضاء ، وعرقلة واضحة لأجراءات العدالة ، ومحاولة للتخلص من التحقيق والمحاكمة .
وفي قضية لاتمت للعمل السياسي بصلة ولاتتعلق بالواجب يفترض بمجلس النواب العراقي بأعتباره الجهة التشريعية التي تضم ممثلي القوائم المنتخبة ان يبادر الى جلسة استثنائية بقرر فيها سحب الثقة من عضو البرلمان المتهم بجرائم القتل والسعي لتسليمه الى العدالة ، وكما تبادر الحكومة الى عزله عن الوزارة وتعيين بديلا عنه من الوزراء ريثما يتم تكليف آخر بديلا للوزارة .
المحاصصة الطائفية التي حددت النسب وقسمت المراكز والمناصب تتعارض مع المنطق حين يفر المتهم الهاشمي من وجه العدالة ولاتجد غير التصريحات المتناقضة ، كما ان الجهة التي تأوي السيد اسعد الهاشمي ومهما كان مركزها الوظيفي تتحمل المسؤولية القانونية عن اخفاء المتهم ومحاولة عرقلة الأجراءات التحقيقية ، وباعتبار ان العراق يخطو خطواته الأولى على طريق تأسيس دولة القانون في سبيل ترسيخ أسس الديمقراطية والفيدرالية ، يتوجب ايضا على القضاء العراقي أصدار الأوامر الصارمة لتنفيذ أمر القبض بحق المتهم والجهة التي تأويه في أي مكان في العراق ، ولاحصانة لمنطقة خضراء او حمراء أمام القضاء العراقي والقوانين الجزائية ، ولاحصانة لمناطق دون أخرى الا بناء على نصوص قانونية معتبرة . ومادام المبدأ القانوني القائل بأن المتهم بريء حتى تثبت ادانته فان اخفاء المتهم والتستر على مكانه يشكل جريمة اخرى تخرج عن اطار التعاون والاتفاق السياسي .
والمتهم أسعد الهاشمي وزير الثقافة العراقي أمام وخطيب جامع الأمام علي بن ابي طالب وهو دكتور في العلوم الأسلامية ، وتم استيزاره بناء على ترشيحه من جبهة التوافق العراقي منذ العام 2006 ، وهذه الجبهة التي يزعمها السيد عدنان الدليمي لها 44 مقعد في مجلس النواب من أصل 275 مقعد أجمالي عدد اعضاء البرلمان ، ولجبهة التوافق خمسة حقائب وزارية وطبقا للمحاصصة القائمة ، والتي الغت الكفاءة والأعتبارات الأخرى وأبقت الحالة الطائفية لتصير واقعا تعمل على أساسه . ولم يكن موجودا في بيته عند مداهمته للقبض عليه ، حيث كان يتحسب لمثل هذا الأمر ، فقد كان يبات في بيت آخر ، ومن ثم التجأ الى مقر أحد السياسيين كما تذكر الأخبار داخل المنطقة المحمية .
كما ان توجيه الأتهامات لشخص الوزير في ضلوعه بعمليات أرهابية يقتضي من الجميع الرضوخ لمنطق القانون وأخضاعه الى التحقيقات العادلة ومن ثم أنتظار قرار القضاء العراقي البات في هذه القضية ، وعدم اخضاع القضية والمتهم للتجاذبات والتصريحات الطائفية او منطق حماية المتهم مهما كانت التهمة انتصارا للقائمة او للطائفة .
وسبق للمجاهد العراقي السيد مثال الالوسي أن صرح في اكثر من منبر أعلامي بأن مقتل ولديه الشهيدين تم بناء على اوامر من عضو برلمان ومن ثم احد الوزراء ، وحيث توفرت الأدلة القاطعة بأعترافات بعض المتهمين من افراد حماية الهاشمي ، حول التحريض والتخطيط ، كما توفرت للتحقيق شهادات منتجة ومهمة حول ممارسة فعل الأرهاب من قبل المتهم أسعد الهاشمي وحمايته في منطقة حي العدل ببغداد ، حيث اكد اهالي المنطقة هذه الحقيقة ، مما يستوجب على السلطة القضائية أن تشمل التحقيق في هذا الجانب الخطير .
وبثت قناة العربية اخبارحول تداعيات قضية المتهم أسعد الهاشمي مفادها أنه على الصعيد السياسي أمر رئيس الوزراء نوري المالكي وقف كل الإجراءات بحق وزير الثقافة كمال أسعد الهاشمي الذي يتهم بالضلوع في أعمال إرهابية.
وقالت جبهة التوافق العراقية في بيان لها إن السيد المالكي أمر أيضا بإطلاق سراح جميع حراس الوزير، وتشكيل لجنة محايدة لإعادة النظر في ملابسات الاتهامات الموجهة له.
وكانت الحكومة قد أصدرت في وقت سابق مذكرة باعتقال أسعد كمال الهاشمي بتهمة الضلوع في أعمال إرهابية من بينها محاولة اغتيال النائب مثال الألوسي في فبراير/شباط 2005.
وعبر الوزير لقناة الجزيرة القطرية عن دهشته مما حدث، واصفا الاتهامات بأنها باطلة. وقال إن مذكرة اعتقاله تأتي في إطار عمل الحكومة على تصفية رجال جبهة التوافق وطردهم من العراق.
ويعتبر أسعد الهاشمي أحد قادة الحزب الإسلامي الذي يشكل أحد مكونات جبهة التوافق ، وقضية الأتهامات الموجهة اليه لايمكنه معها أستمراره بالعمل كوزير للثقافة ، كما لايمكنه الأستناد لى عدم موافقة رئيس الوزراء أن صحت على اتخاذ الأجراءات القانونية بحقه تحقيقا للمحاصصة ، ونعتقد ان رئيس الوزراء لن يتدخل في الشأن القضائي ، وهو ينتظر ايضا ان تكشف السلطات التحقيقية حقيقة الأمر ، مع اننا نعيد للتذكير أن السيد نوري المالكي نفسه صرح في مجلس النواب بأنه لديه من الوثائق والأدلة التي تثبت ضلوع النائب عبد الناصر الجنابي بالعمليات الأرهابية والقتل ، ما أدى الى تسهيل هروب النائب المذكور الى دولة مجاورة ، ومما يلفت الأنتباه أن مجلس النواب لايتخذ القرارات اللازمة بسحب الثقة من النواب الضالعين والمتهمين بالأرهاب وجرائم القتل والهاربين الى خارج العراق دون ان نتعرف على السبب ، سوى التحاصص الطائفي المقيت الذي صار لنا عرفا وتقليدا في العراق .
وفي هذه القضية فأن المشتكي والمدعي بالحق الشخصي السيد الالوسي تعرض شخصيا الى محاولات لقتله وتصفيته ، وهو يتهم جهات وأشخاص لابد من أخذها بعين الأعتبار عند المباشرة بأجراءات التحقيق ، ومهما يكن الأمر فأننا نعتقد ان اعترافات الحرس الخاص وأفاداتهم المصدقة من قبل قاضي التحقيق ، دليل منتج يعزز الأتهام ويدفع بالمحقق وقاضي التحقيق الى مباشرة التحقيق والتوصل الى حقيقة الفعل المسند الى المتهم تحقيقا للعدالة وحسما للتصريحات المتعارضة والتناقضة التي صدرت من كل الجهات ، وتبقى القضية معيارا فاصلا في صدقية السعي لتأسيس دولة القانون أو دولة المحاصصات الطائفية .