الرئيسية » مقالات » عندما كان الدكتور عبد الأمير العبود وزيراً – الحلقة الثالثة

عندما كان الدكتور عبد الأمير العبود وزيراً – الحلقة الثالثة

كل عراقية وعراقي يغادران العراق لأغراض الدراسة يكونان متشوقين للعودة إلى الوطن والمشاركة في الحياة العملية وخدمة الشعب بعد أن يكونا قد تلقيا العلم والثقافة الحديثة وما يؤهلانهما لأن يمارسا دوريهما في الحياة العامة. وغالباً ما كان العراقيون يصطدمون بمصاعب جمة للتعيين والعمل في المجالات التي اختصوا بها وتذهب الكثير من الأحلام الوردية أدراج الرياح. وكثيراً ما فكر البعض الكثير بالعودة إلى الخارج والعمل والعيش هناك. ومن جراء ذلك خسر العراق الكثير من الكفاءات العلمية والأدبية بعد أن يكون قد صرف على كل منهما مبالغ طائلة. وكانت إشكالية خريجي البلدان الاشتراكية واحدة من أبرز المعضلات إذ كان تعادل الشهادات يستغرق وقتاً طويلاً وتقف بوجه العائد الكثير من العقبات.

إلا أن الدكتور عبد الأمير العبود لم يصادف هذه العقبات وكان محظوظاً إذ تعين بعد أقل من عام من عودته إلى الوطن واحتل موقعه كمدرس للاقتصاد في جامعة البصرة. كان ذلك في فترة حكم عبد الرحمن عارف حيث كان القوميون الناصريون في السلطة. ولكني واجهت الكثير من المتاعب حين فشلت في الحصول على عمل في المؤسسة العامة للصناعة برغم المقابلة التي أجريت لي مع لجنة من خبراء أجانب أشروا بضرورة تعييني بسبب درجة الامتياز التي منحت لنتيجة تلك المقابلة إذ أن رئيس المؤسسة العامة للصناعة ورئيس المؤسسة الاقتصادية رفضا تعييني ولم يقدما سبباُ لعدم التعيين فاشتغلت بأجر يومي في الدائرة الاقتصادية التابعة لوزارة الزراعة. وكانت ثلاثة عوامل تقف حائلاً دون التعيين: البلد الاشتراكي الذي تخرجت فيه وانتمائي للحزب الشيوعي العراقي إضافة إلى عامل ثالث معروف للجميع.
الدكتور العبود يحدثنا في هذا الجزء من الكتاب عن تعيينه في الجامعة وحياة الطلبة والطالبات وعبور النهر للوصول إلى الجامعة وظروف التدريس والمحاضرات والنشاط العلمي الذي تميز به في هذه الفترة كأي خريج نشط جديد. ألا أن وصول البعث إلى السلطة في عام 1968 قد جعل الأمور أكثر صعوبة وتعقيداً إذ ينقل لنا معلومات صادقة ومعروفة لمن كان يعمل في سلك التعليم الجامعي منها مثلاً:
• قيام بعض الأساتذة بالوشاية وكتابة التقارير عن زملائهم الأساتذة للإيقاع بهم بهدف الحلول محلهم أو لمشكلة شخصية وقعت بين الزملاء.
• تنامي عدد الجواسيس والعيون التي تراقب تحركات الطالبات والطلبة والأساتذة والإدارة.
• العمل من أجل فرض الانتماء لحزب البعث لا على الطلبة فحسب بل محاولة فرضها على الأساتذة.
• بروز العنف في سلوك أجهزة الأمن وتجلياتها في اعتقال الطلبة والطالبات وإخضاعهم للتعذيب والاعتقال لفرض تخليهم عن معتقداتهم الفكرية والسياسية.
• اغتيال أو اعتقال الأساتذة وإعدام البعض منهم أو تغييبهم.
وفي استعراضه حالة المجتمع في البصرة في فترة حكم البعث يشير إلى أن العنف والإرهاب والقمع هي الوسائل التي مارسها البعثيون ضد فئات المجتمع على امتداد الفترة التي كانوا في السلطة ويورد ما يلي:
” وبعد عام 1977 اتخذت إجراءات البعثيين منحى جديداً متميزاً بتطبيق المزيد من إجراءات الاضطهاد والعنف والحرمان للمواطنين الذين يرفضون الانتماء إلى تنظيمات حزب البعث وقد اقترنت تلك الإجراءات بحملات الملاحقة والاعتقال والإعدام للأكراد من أتباع الحزب الديمقراطي الكردستاني ثم شملت المتهمين بالانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي. كانت أجهزة الأمن تسحب الطلبة والطالبات من صفوفهم ومن أروقة الجامع من دون أن يعلم أحد عن مصيرهم، وما أن حل عام 1979 حتى بدأت حملة شرسة لملاحقة واعتقال وإعدام أتباع التيار الديني الشيعي بخاصة أنصار حزب الدعوة الإسلامية وما أن أعلنت ثورة الإيرانيين على حكم الشاه بقيادة آية الله الخميني حتى بدأت التحضيرات للحرب على إيران وفي حينها اعتقل أخي الأكبر عبد الكاظم وعذب ولم أجد سبباً منطقياً لذلك الاعتقال.” (الكتاب، ص 152). ونتيجة تلك التقارير وتردي الأوضاع وإعدام أخيه المعتقل وابن أخيه أزيح الدكتور العبود عن مركز عميد كلية الاقتصاد.
وفي جزء آخر من الكتاب يعرض لنا الدكتور عبود حالة العراق في فترة الحرب العراقية – الإيرانية والمآسي التي تعرض لها الشعب عبر نشاط أجهزة الأمن وخاصة مطاردة أولئك الذين كانوا يحملون الجنسية العراقية المؤشر عليها بحرف (ب) أي أنهم من التبعية الإيرانية وكيف أن أجهزة البعث قتلت دفعة واحدة أكثر من 800 إنسان لهذا السبب كان من بينهم ابن أم عباس التي هجر زوجها وبنتان لها واعتقل ابنها ليموت مع آخرين ويدفن ضمن القبور الجماعية. كما عرض علينا جملة من المظالم والقمع التي كانت تتعرض لها العائلات العراقية لأسباب لا يعرفها المتهمون أنفسهم بسبب وشايات لا أول لها ولا آخر. وأورد أمثلة من حياة الناس ومنها حالة السيدة العراقية أم عباس والدكتور محمود جابر أو الدكتور علي الرمضان الذي أعدم بعد عودته من مناسك الحج، وغيرها، ثم يستعرض مصاعب الحرب وسقوط الصواريخ والقنابل على رؤوس الناس في البصرة وفيما بعد في بغداد حيث انتقل إليها هرباً مع أفراد عائلته من القصف الإيراني المتواصل لمدينة البصرة.
وفي فترة الحرب العراقية الإيرانية كان هناك نضال عنيد تخوضه قوات الپيشمرکة – الأنصار في كُردستان العراق ضد النظام الدكتاتوري، وكانت هناك عمليات الأنفال الإجرامية التي نفذها الدكتاتور ضد الشعب الكردي وراح ضحيتها عشرات الألوف من الناس الكُرد الأبرياء، وكان ضمنها تلك المجزرة البشعة التي نفذها الدكتاتور وابن عمه علي حسن المجيد (علي كيمياوي) في حلبچة، الذي حكم أخيراً بالإعدام لخمس أو ست مرات بسبب قيادته تلك العمليات وغيرها. إلا أن هذا الحدث لم نجد له أثراً في كتاب الدكتور العبود، فهل لم يعرف به حين حصوله في كُردستان العراق في عام 1988، أم أن ذاكرته الذكية لم تستوعب مثل تلك الأحداث الأليمة لتختزنها. لا أدري إن كان العراقيون في هذه الفترة غير عارفين بما كان يمارسه الدكتاتور في كُردستان. يصعب تصور ذلك، خاصة أن الجنود هم في الغالب الأعم من أبناء الوسط والجنوب، كما أن الآلاف من الكُرد قد رحلوا عبر المدن المختلفة إلى “نگرة السلمان”، وكانت الإذاعات تنقل تلك الأخبار. لم استطع أن أفهم هذا الموقف من الصديق الدكتور العبود!
وما أن انتهت الحرب المجنونة حيث امتلأت البلاد بالجرحى والمعوقين والخراب وأصبحت الدور والشوارع موشحة بالسواد حزناً على الذين غابوا ولن يعودا حتى بدأ الدكتاتور الأهوج غزوه العدواني لدولة الكويت الشقيقة وما نجم عنها من حرب الخليج الثانية وما اقترن بها من مشكلات وكوارث جديدة للشعب، ومنها بشكل خاص الحصار الاقتصادي المدمر وموت الكثير الكثير من البشر.
وهنا نستعيد مع الكاتب حالة العراق في التسعينيات حيث الجوع والحرمان والبطالة الواسعة جداً والتضخم النقدي وانهيار سعر العملة العراقية والبطاقة التموينية وقصور الدكتاتور التي لم تكف عن التكاثر في مختلف أنحاء البلاد. وتشتد في هذه الفترة ظواهر السلب والنهب والسطو على البيوت وقطاع الطرق كما يزداد نهب موارد البلاد في الوقت نفسه تزداد عطايا وأوسمة الدكتاتور واحتفالاته بأعياد ميلاده من جهة وقتله الناس وتغييبهم تماماً وتفاقم الفقر والمرض وسقوط القيم الإنسانية من جهة ثانية. ويشتد دور الأجهزة الأمنية والمخابرات في حياة الناس . كتب العبود يقول:
” لم يكن في ما حصل من جراء الحرب عبرة لنظام صدام حسين بل ازداد بطشاً وتقتيلاً بآلاف الشباب وبالرغم من الحصار الجائر الذي طبق على العراق بعد الحرب فقد كان صدام حسين ينفق الملايين من الدولارات التي كان يحصل عليها من جراء تهريب النفط على بناء القصور والإنفاق والبذخ على نزواته وعلى أتباعه من رجال الأمن والمخابرات وقادة الحزب بينما كان الشعب يتضور جوعاً.”، (الكتاب، ص 167). (ملاحظة: صدرت في الفترة الواقعة بين غزو الكويت وبدء الحرب ضد النظام في عام 1991 ومن ثم في أعقاب الحرب 30 قراراً منها ما هو قبل الحرب ولكن بعد الغزو، ومنها ما بعد الحرب. إلا أن قرار الحصار الاقتصادي صدر بعد الغزو ولكن قبل الحرب وليس بعدها كما يشير الدكتور عبود. إذ كان القرار برقم 661 في 6 آب/ 1990، في حين أن الحرب بدأت في 19/3/2003، ك. حبيب).
يقدم الدكتور العبود لوحة حزينة وقاتمة ومريرة حقاً، وهو على حق، عن هذه الفترة وما عاناه الشعب من حرمان وفاقة وبؤس. يكفي أن نذكر بأن كثرة من المثقفين الديمقراطيين العراقيين والمستقلين قد أجبروا على بيع مكتباتهم الخاصة لتوفير عيش يومهم أو قيام العائلات الكثيرة ببيع أثاث بيوتهم أو سياراتهم أو حتى أبواب غرفهم الداخلية. لقد كانت فترة عصيبة في حياة العراق إذ فرض حصار ظالم على الشعب بنية إسقاطه ولكن الحصار كان إسقاطاً للشعب في عمق البؤس والمرض والظلمات التي يعاني منها اليوم بشكل صارخ. لا شك في أن الدكتور العبود يصف حالته الخاصة وعمله محامياً ومن ثم كصراف في سوق الصرافين بين إحالة نفسه على التقاعد وترك جامعة البصرة في عام 1987 وبين سقوط النظام في عام 2003، حيث تقدم لنا صورة نمطية لحياة مثقف في مثل هذه الأوضاع المعقدة والمتشابكة والمليئة بالمفاجآت غير السارة.
وفي القسم الخاص بالحرب الخارجية ضد النظام الدكتاتوري يشير الدكتور العبود إلى هروب جماهير واسعة من بغداد الى مدن أخرى لحماية نفسها من احتمال ضرب بغداد وما ينجم عنها من موت وخراب ودمار واسع. يصف إقامته مع عائلته في “الكرمة”، هذه المدينة التي تبعد عن بغداد قرابة 40 كيلومتراً، يوماً بيوم ويمنحك قدراً من تصور حالة الإنسان الذي تأتيه الأخبار يومياً وكل ساعة عن الموت الواسع والجثث المتراكمة في الشوارع والدمار الهائل الذي لم يلحق بالمؤسسات والمواقع العسكرية حسب، بل شمل البنية التحتية، بما فيها شبكة ومؤسسات الماء والكهرباء والهاتف والجسور …الخ، ودور السكن والمدارس والمستشفيات وغيرها.
وأخيراً يكتب الدكتور العبود ما يلي في اليوم التاسع من نيسان 2003 حين وضعت الحرب أوزارها، كما تصورتها الإدارة الأمريكية، ما يلي:
” وفجأة سقط تمثال صدام حسين أمام مشاهدي التلفزيون، وتعالت الزغاريد، وراح الكل يصفق ويرقص احتفالاً بسقوط تمثال الطاغية، لقد كانت فرحة العمر، ولم تسبقها فرحة مثلها، إنه سقوط نظام الطاغية صدام، وانهزام أعوانه وفدائييه الذين تبخروا في لمح البصر ..”، (الكتاب، ص 178). ولكن ماذا بعد السقوط؟ هذا ما سنحاول تناول ما جاء في الكتاب بشأنه في الحلقة التالية.