الرئيسية » بيستون » البارزاني مصطفى صور من ذاكرة الطفولة

البارزاني مصطفى صور من ذاكرة الطفولة

كان نهر الحياة يجري هادئا مثل جريان نهر دجلة القادم من جبال كوردستان ليمنح الخير لسهول العراق و كنا اطفالا لانعرف الكثير مما يدور حولنا وما يحدث في عالمنا الكبير ، ولكننا كنا نعرف اننا كورد رغم وجودنا في بيئة عربية وسط العراق، فقد كان آباؤنا يتكلمون الكوردية ، بينما ندرس نحن في المدراس العربية ، و نعيش في أحياء كوردية في مدينة عربية. كانت أ حياء الكورد تنتشر وسط مدينة الكوت ، وقد عرفت باهلها الطيبين الكرماء ، الذين كان أغلبهم يعمل في الحرف اليدوية مثل الحياكة والحدادة والنجارة والدوشمة والصباغة ، ومنهم من لم يجد فرصة عمل فاستفاد من قوة عضلاته ليكسب لقمة عيشه بعرق جبينه ، كما استطاع البعض أن يشق طريقه في التعليم ليحصل على فرصة وظيفية في المدارس والدوائر الرسمية. كانت خطواتنا الصغيرة تنتقل بنا من الصف الاول الى الثاني فالثالث في المدرسة، وما ان اقتربنا من انهاء المرحلة الابتدائية حتى هزت ثورة تموز 1958بحيرة المجتمع الهادئة ونفخت الروح في الاجساد الساكنة، لتعلن اجراس الثورة تغيير كل شيء في حياتنا. عرفنا انها تسمى ثورة ، فالناس عن بكرة أبيهم في الشوارع يصرخون ويهتفون: يسقط النظام الملكي ، يسقط الاستعمار ، عاشت الجمهورية العراقية .. وما ان انقضى عام من عمر الثورة أو يكاد حتى انتشر هتاف يمجد الاخوة العربية الكوردية ، وبدأنا نسمع النقاشات عن وضعنا الكوردي ، بين الاهل والاقارب وامتد النقاش الى المدينة ، وجاء اليوم الذي انتشرت فيه صورة رجل مهيب الى جانب صورة الزعيم عبد الكريم قاسم ، صورة رجل يرتدي بزة عسكرية كتب تحتها الجنرال مصطفى البارزاني . طبع أحد ستوديهات التصوير في المدينة صورة القائد الكبير البارزاني ، فاحتلت معظم البيوت الكوردية ، وبدأ الناس يتحدثون في مجالسهم عن ثورة بارزان ، واخذوا يتناقلون القصص الثورية عن الصراع الذي دار بين الثورة الكوردية والحكومة في العهد الملكي …

خلال تلك السنوات الاولى من ثورة تموز المجيدة بدأ مفهوم جديد يتشكل لدينا ، مفهوم كوننا كردا نعيش في العراق ، فنستمع من الكبارالى تاريخ شعبنا الكوردي كوردستان وامتنا الكوردية، وبدا نشاط الحزب الديمقراطي الكوردستاني في مدينة الكوت ملحوظا ، وخلال السنوات الاولى تلك استطاع المعلمون الكورد تنظيم انفسهم وبمبادرة من الحزب الديمقراطي الكوردستاني انعقد اول مؤتمر للمعلمين الكورد في شقلاوة شارك فيه وفد من مدينة الكوت ، كان والدي أحد اعضاء ذلك الوفد ، فعاد بعدها لينقل لنا وللمدينة أنباء وآمال كوردستان . كان لانتكاسة الثورة و توالي الاحداث المأساوية وانطلاق الشرارة الاولى للثورة الكوردية عام 1961م تأثير كبير في تغيير مسار ثورة تموز، فخيم جو من التشاؤم على الحياة السياسية في العراق ، وبدأ ابناء المدينة يتوجسون شرا من اجراءات السلطات وتضييق الخناق عليهم ، حتى تفاقمت الاحداث وجاء انقلاب 8 شباط الاسود عام 1963 م والذي كان كارثة على المدينة ، عرف فيها العرب و الكورد أبشع انواع التنكيل على يد مايدعى الحرس القومي . كان لاشتداد الاجراءات الامنية أثره السئ على الكورد الفيليين، ومع التعسف الذي كانوا يتعرضون له ، بقيت عيونهم شاخصة نحو جبال كوردستان الشماء ، وظل البارزاني الخالد نبراسا يتطلعون اليه ، وأملا يضئ لهم الطريق ، فالتحق العديد من الكورد الفيليين بالثورة الكوردية، ولم تستطع سلطات البعث التي استخدمت سياسة الارض المحروقة في كوردستان من تسجيل انتصار كبير على الثورة الكوردية ، وكانت أنباء المعارك الشرسة ترد الى أبناء المدينة من شتى القنوات وخاصة المنشورات الصحفية الكوردية . استمرت صورة البرزاني تتوهج من خلال الانتصارات التي كان يحرزها البيشمركة الابطال مما اضطر الحكومات المتعاقبة الى دخول المفاوضات مع القيادة الكوردية برئاسة البارزاني الخالد حتى أعلنت اتفاقية الحادي عشر من آذار عام 1971 م وكنا حينذاك نعيش ببغداد ، فشهدنا الحدث الكبير، الاحتفال في ساحة التحرير الذي وقف فيه بشموخ القائدان مسعود البارزاني و الراحل ادريس البارزاني، فكان حضورهما على المنصة بملابسهما الكردية مثار اعتزاز كبير لدى الكورد ، وأذكر يوما كنت اسير مع زميل عربي في شارع الرشيد فتوقف أمام محل لبيع الصور والاطارات ، كان يقف أمام صورة البارزاني التي وضعها صاحب المحل في صدارة محله ، فسألته لماذا يطيل الوقوف ، فأجابني : أنظر الى صورة البارزاني البطل ، هذا الذي مرغ انف الحكومة بالوحل . كان مزهوا بشخص البارزاني . شجعت اتفاقية اذار الكورد ببغداد وغيرها من المدن على الاعراب عن مشاعرهم تجاه الثورة الكوردية وقيادتها ، فعلق صاحب المقهى في شارع الكفاح صورة كبيرة للبارزاني في واجهة المقهى ، فكانت تثير العواطف الجياشة للكورد وتستفز الشوفينيين الذين كانت ترعبهم صورة البارزاني . بعد اتفاقية الحادي عشر من اذار انتشرت صور البارزاني ببغداد وكان لصدور جريدة التآخي دور متميز في اشاعة الوعي القومي الكوردي بين الكورد واصبحت الجريدة الاولى ببغداد وفاقت الصحف الحكومية في الانتشار ، فكان الناس يتلاقفونها بعد توزيعها مباشرة ، وحصلت على شعبية كبيرة وسط المثقفين ، وزاد من تعلق الكورد بالقائد البارزاني ترشيحه السياسي المعروف حبيب محمد كريم لمنصب نائب رئيس الجمهورية ، وهو الكوردي الفيلي الذي طالما حاول الشوفينيون سلبه هويته والادعاء بانه جاء من وراء الحدود ، وهو ماتدحضه الوقائع التاريخية التي تثبت ان الكورد الفيليين يعيشون في موطنهم العراق وفي بلاد الرافدين منذ آلاف السنين ، وهم احفاد العيلاميين اصحاب اولى الحضارات السومرية، وقد قسمت بلادهم مثل بقية اجزاء كوردستان بين العراق وايران وفق اتفاقيات دولية حديثة. ظلت صورة البرزاني تحتل مكانها ، ولكن سارت الامور عكس ما مخطط لها، فانقلب نظام البعث على اتفاقية آذار،و بدأ النظام يستفز الكورد الفيليين وأخذ يضيق الخناق عليهم وشدد من حملات تسفيرهم الى ايران على دفعات ، حتى اضطرت قيادة الثورة الكوردية الى مفاتحة الجهات الحكومية بهذا الشأن دون جدوى ، ولما حصل نظام صدام المقبور على وعود شاه ايران في اتفاقية الجزائر المشؤومة ، كشر النظام عن انيابه واساليبه الاجرامية ضد الكورد عامة ، فاخذ يمارس اساليبه الاجرامية المعروفة للاقتصاص من الكورد ، فاوغل في عملية التهجير والانفال واستخدام الغازات الكيماوية والمقابر الجماعية ، وراح الالاف من شباب الكورد ضحايا للتجارب الكيماوية والبايولوجية. ظل الكورد ينظرون الى القيادة الكوردية والى القائد البارزاني نظرة الرائد الذي يأملون ان تتحقق على يديه حرية الشعب الكوردي وظلوا يعتزون باسم البارزاني حتى انهم كانوا يقسمون برأسه اعتزازا بمكانته ، وكان الكورد الفيليون لايتوانون عن دعم الثورة الكوردية وقيادة البرزاني بالغالي والنفيس ، وقد ذكر المؤرخ جرجيس فتح الله اهمية الدعم الذي قدمه الفيليون رغم ظروفهم الصعبة. واليوم يشعر الكورد بالاعتزاز إذ تحقق النصر على الدكتاتورية البشعة ويشعر الفيليون باهمية المكاسب التي بدأت تثمر ، وان احلامهم لن تذهب سدى ماداموا يهتدون بالمبادئ السامية التي حملها قائد الشعب الكوردي الخالد البارزاني مصطفى.