الرئيسية » مقالات » بماذا يتباهون؟؟

بماذا يتباهون؟؟

في مساء هذا الخميس في 21 حزيران فتحت جهاز التلفزيون لأستمع بعض الوقت لحفلة ساهرة احتفالا بعيد الموسيقى الدولي. في كل عام في مثل هذا الموعد تنظم في مدن فرنسا والولايات المتحدة ودول أخرى احتفالات حتى ساعة متأخرة من الليل ليستمع الناس، والشباب خاصة، لغناء فرق المطربين المعروفين والمغنين الهواة.

منذ الصبا هويت الغناء والموسيقى، وكنت أستمع لعزف ابن عمي سلمان شكر فأطرب لرنات العود، مما ألهمني كتابة بعض القصائد.

أستمع وتعود بي الذاكرة لعهود ما قبل صدام في بغدادي التي عرفت وأسمع من جديد غناء القبنجي، وحضيري، وزهور حسين، وعشرات غيرهم من المغنين الذين كانت لهم مكانتهم في قلوب الناس.

كان في بغداد معهد الفنون الجميلة الذي تخرج منه عشرات المبدعين في مختلف الفنون. إلى أين رحل؟!

أستمع الآن وتعود بي الذاكرة لعهود كانت المرأة فيها ذات حقوق شخصية، وبغداد والعراق مجمع تعايش الأديان والقوميات والمذاهب؛ العراق الذي أنجب جواد سليم، والسياب، ونازك الملائكة، والجواهري، والوردي، وعبد الجبار عبدالله، والعشرات من أعلام الرسم والنحت والشعر والعلم والطب، ألخ.

تعود بي تلك الذكريات، ثم تهمين علي مشاعر وخواطر متلاطمة عن عراق اليوم.

قبل سقوط نظام البعث بحوالي عامين أعدت صحيفة إيلاف ملفا عن بغداد، شارك فيه العديد من المثقفين العراقيين والعرب. لقد كتبت فيه خاطرة ورد فيها:

” بغدادي هي في يقظتي وأحلامي… وكم أردد مع نفسي قول الشاعر القديم:

أيا بغداد واأسفي عليكِ متى يقضي الرجوع لنا إليكِ! ”

وورد أيضا عن بغداد البعث:

“ما وقع لبغداد والعراق لا يمكن أن يستوعبه غير العراقيين إلا من كان على اطلاع ومنصفا: كوبونات نفطية تصرف للتبويق ولإخفاء الجريمة، التهجير الجماعي، حملات إبادة، عمليات إعدام بالجملة، جو الرعب والجاسوسية، انتهاك الأعراض، ابتزاز الورقة التموينية، ألخ.. ألخ.. يوجد اليوم أكثر من مليون عراقي في المهجر وبينهم آلاف من أصحاب الكفاءات. لقد أكملت أطراف همجية متخلفة غزوها للمدينة واستباحتها، فعادت المدينة أسيرة وفي معاناة دائمة، ورعب يومي، ومهددة بالمزيد من الكوارث.”” ” لكنني، شأن مئات الآلاف من عراقيي المغترب، أحلم باسترداد بغدادي من مغتصبيها وعودتها لأهلها، وبمعافاتها سيتعافى العراق كله. أحلم بعودة البسمة للطفل، وعودة تلك الشواطئ الجميلة مثلما عرفتها، نابضة بالحياة والصفاء والأمل. أحلم أن تشاد لجميع المبدعين العراقيين الكبار ، ومنهم من لا قبور لهم في الوطن، نصب وتماثيل تحل محل نصب وجداريات الطغيان. أحلم أن تعود مدينتي مدينة السلام والأمان والتعايش والإبداع.”

اليوم: أين كل تلك الأحلام؟ هكذا أشعر وأنا أستمع لغناء الشباب وبهجتهم في الحفلات والشوارع في عيد الغناء.

نعم اليوم، هل تحققت تلك الأحلام التي بنيناها قبل سقوط الطغيان وفي الفترة الأولى من سقوطه؟ كلا وكلا.

الضحايا يتساقطون بعشرات الآلاف في عمليات إرهابية غادرة وجبانة، الأقليات الدينية تهجر الوطن خوفا من القتل وحرق كنائسهم ومعابدهم، المرأة فرضوا عليها الحجاب، حجاب مفروض حتى على النبات الصغيرات.

في هذا المساء أسأل بغضب: أين الغناء والموسيقى اللذين يحرمونهما باسم الدين، أين بسمات الأطفال وفي يوم واحد أمس انفجرت فضيحة الدار الأيتام ببغداد الملحقة بوزارة العمل والشؤون الإجتماعية ، مأساة وفضيحة كبرى رغم محاولة الوزراء وموظفات الميتم وموظفيه ستر الجرائم وستر الفساد الذي طال أكل الأطفال وأدويتهم لتباع في السوق السوداء، وسوق دعايات باطلة كذبتها الصور التي نشرت تلفزيونيا للأطفال الضحايا قبل إنقاذه وتحسن أحوالهم بعد الخروج. وبعده.

في اليوم نفسه قتل شرطة الداخلية في البصرة 27 حلاقا، وهي نفس الشرطة المخترقة من المليشيات، وخاصة جيش المهدي، الشرطة المسؤولة عن عشرات عمليات الخطف والتعذيب والاغتيال. ماذا يريدون إذن، وبماذا يتباهى المسؤولون من أعلى لأدنى؟! بواحة ديمقراطية لا كرامة فيها للمرأة، ولا أمان للمسيحي والصابئي وغيرهم من غير المسلمين؟ بماذا يتباهون: هل بتحريم الغناء والموسيقى، وتبديل أسماء الشوارع بأسماء طائفية؟ هل بسيادة التفرقة الطائفية، ومصادرة الفكر الحر، وهيمنة الغوغائية المذهبية والمذهبية، في عراق أنجب الوردي والجواهري؟؟ هل بنظام حكم الشريعة الذي يخضع كل تشريع لهذه الشريعة؟؟ هل بانقطاع الكهرباء والماء؟؟ هل بالفساد المالي على كل المستويات؟؟

خواطر تلازمني وتأبى إلا الانفجار، رغم الكتابة عنها مرارا وتكرا ومرارا

في غمار وتلاطم هذه المشاعر والخواطر هاجمتني فجأة فكرة أفزعتني أيما فزع: ماذا لو استطاع إرهابي إسلامي هائج تفجير نفسه بين هذه الآلاف؟ كم ضحية سيذهب، وكم يبقى من سمعة للإسلام والمسلمين بين شبان مسالمين مبتهجين، بعد أن هبطت عمليات الإرهاب الإسلامي بهذه السمعة، في كبريات العواصم والمدن الغربية، وبعد أن شهد الغربيون مدى تخلف المسلمين قفي ردود فعلم على رسوم كاريكاتورية وتهديهم لباحثين وقتلهم لمخرجين؟؟

الإرهاب الإسلامي سنيا كان أو شيعيا قد تحول لخطر دولي رئيسي، ونحن في عراق المليشيات الإسلامية الشيعية، وعمليات التفجر والتفخيخ القاعدية والصدامية. فمن للعراق؟ من لشعبه المستباح إذا كانت أكثرية قياداته السياسية تسيرها الحسابات الحزبية والفئوية على حساب الصالح العام؟!

أجل، من للعراق؟؟!!

في 22 حزيران