الرئيسية » مقالات » هل من سبيل لإطفاء حرائق القاعدة وإيران في الشرق الأوسط ؟

هل من سبيل لإطفاء حرائق القاعدة وإيران في الشرق الأوسط ؟

يزداد الشعور بالإحباط لدى الكثير من الناس في منطقة الشرق الأوسط بسبب اتساع عدد وحجم ومواقع الحرائق التي تشتعل فيها وخشية امتدادها وشمولها لشعوب ودول أخرى والخسائر البشرية والمادية والحضارية التي تتحملها شعوب واقتصاديات هذه البلدان. وإذا كانت تلك الحرائق قد بدأت بها قوى القاعدة ومؤيدوها في أفغانستان والجزائر والمغرب وتونس ومصر وباكستان , فإن هذه القوى, وأن لم تنته من عملياتها الإجرامية في تلك الدول بل تمارسها بصيغ شتى , قد انتقلت وأشعلت النيران في دول أخرى بأمل شمولها المنطقة كلها. وقد حققت في هذا الصدد نجاحات غير قليلة ناشئة عن عدة أسباب جوهرية, نشير إلى أبرزها فيما يلي:
1. السياسة الخرقاء التي تمارسها إيران بسعيها غير المنقطع لتصدير الثورة الإسلامية إلى دول المنطقة واستعدادها الكامل للعمل مع جميع القوى التي يكون في مقدورها هز كل أو أغلب النظم السياسية فيها بهدف جعلها جاهزة لتحولات مفيدة صوب تأييد الدولة الإسلامية الإيرانية من خلال القوى التي تؤيدها فيا وتلك التي تتعاون معها, بعد أن سقطت أفغانستان ولم يعد للقاعدة دولة تستند إليها وتنطلق منها. ولهذا التجأت إلى التنسيق والتعاون مع إيران عبر طرق عديدة وفق قاعدة “عدو عدوك صديقي”!
2. وجود تنظيمات إسلامية سياسية شيعية متطرفة مماثلة من حيث الأساليب والأدوات والمبادئ اللاأخلاقية التي تستند إليها قوى القاعدة في عملياتها الإرهابية والتي يمكن تحريك بعضها لتحقيق المآرب التي تسعى إليها إيران.
3. استخدام إسرائيل كبعبع لكي تعبئ القوى السياسية المماثلة لها إلى جانبها وتدفع بها لإشاعة الفوضى في هذه البلدان.
4. سياسة الاحتلال التي تمارسها إسرائيل في فلسطين وعدم رغبتها الجادة في الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية والدول العربية لإنهاء الاحتلال والمشكلات العالقة وعقد اتفاق سلام دائم وعادل يسمح بمبادلة الأرض مقابل السلام, واستعداد إسرائيل الدائم لممارسة العنف بهدف انتزاع المزيد مما تبقى من فلسطين لصالحها وفرض الأمر الواقع في المفاوضات المحتملة.
5. استفادة إيران والقاعدة الكبيرة من السياسات الأمريكية التي تمارسها في منطقة الشرق الأوسط والتي تتميز بعدم النضوج والخطأ, وهي تستخدم التهديد والعنف بدلاً من لغة الحوار والعدل في المنطقة وما يترتب عنها من إشاعة روح الكراهية للولايات المتحدة وسياستها وبالتالي يسمح لإيران أن تمارس الدعاية لصالحها وضد الولايات المتحدة.
6. الضعف الشديد الذي تعاني منه القوى الديمقراطية والتقدمية والمدنية أو العلمانية في منطقة الشرق الأوسط بسبب السياسات التي مارستها النظم الاستبدادية ضدها طيلة النصف الثاني من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر ودعم الولايات المتحدة لها في هذه السياسات. وهذه السياسة برزت بوضوح في أعقاب سقوط النظام العراقي.
7. ومنذ نهاية حرب الخليج الثانية, ولكن بشكل خاص في أعقاب حرب الخليج الثالثة والأخيرة حتى الآن, عادت القوى المحافظة في إيران للعمل وفق مبدأ تصدير الثورة بشكل متواصل ودءوب ونجحت في تحقيق ما يلي:
• إقامة تحالفات قوية مع بعض التنظيمات الإسلامية السياسية الشيعية في كل من لبنان والعراق واليمن والسعودية والبحرين وفي بعض إمارات الخليج الأخرى , والتي يمكنها تحريكها متى شاءت وبالصيغة التي تراها مفيدة لها. وتستند في هذا إلى أخذ التنظيمات الأخرى بقاعدة “ولاية الفقيه” التي تجعل من تلك التنظيمات خاضعة لإرادة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران باعتباره ولياً على المسلمين.
• تحالف سياسي مع قوى ترتبط بالقاعدة من الناحية المذهبية ولكنها تسعى للاستفادة من قدرات إيران العسكرية والمالية والقتالية في كل من لبنان وفلسطين والعراق وحيثما أمكن.
• تحالف سياسي مع سوريا يمد لها يد العون لتحقيق سياساتها في كل من العراق ولبنان وفلسطين وإمارات الخليج والسعودية والسودان , رغم أن بعض هذه التحالفات غير مباشر وغير مكشوف ولكنه محسوس وينمو ويبرز تدريجاً على سطح الأحداث.
• قيام تحالفات سياسية غير مباشرة وعبر القوى الإسلامية السياسية مع بعض القوى القومية اليمينية الشوفينية العربية المتطرفة في المواقع التي تحتاجها, كما في حالة فلسطين ولبنان حيث تشكل منظمة حماس وحزب الله الممر غير المعلن لها إلى تلك القوى القومية, وخاصة النشاط الكثيف لجماعة المؤتمر القومي العربي وتحالفها مع قوى إسلامية سياسية معروفة في تلك الدول وفي الأردن أيضاً.
ولكن السؤال المشروع هو : ماذا تريد إيران من كل ذلك ؟
يبدو لي أن سياسة إيران تتحرك في الوقت الحاضر باتجاه تحقيق مهمات ثلاث, وهي :
أولاً: إشاعة فوضى كاملة في مختلف دول الشرق الأوسط وحيثما أمكن وبغض النظر عن القوى الفاعلة وأفعالها, بغية إشغال تلك الدول والولايات المتحدة والمجتمع الدولي بها واستنزاف طاقات الولايات المتحدة الأمريكية, كما حصل للاتحاد السوفييتي في الاحتلال والحرب أفغانستان ابتداءً من العام 1980, خاصة وأن الإدارة الأمريكية لا تجد الدعم والتأييد الأوروبي في هذا الصدد. وعلينا أن نتابع هذا التوجه الإيراني بوضوح كبير في كل من العراق ولبنان وفلسطين بشكل خاص. وهذه السياسة تسمح لإيران بالانتقال إلى تنفيذ المهمة الثانية.
ثانياً : تعزيز قدراتها العسكرية وتنظيمات أتباعها السياسية والعسكرية والتسليحية في الدول الأخرى من جهة, وكسب الوقت لإنتاج السلاح النووي باعتباره الأداة الرئيسية والحاسمة في توجهاتها اللاحقة من جهة ثانية. ويفترض في هذه المهمة أن تهيئ الدولة الإيرانية وخلال الأعوام القريبة القادمة للمهمة الثالثة, وأعني بها:
ثالثاً أن تكون إيران دولة إسلامية إقليمية كبرى يكون في مقدورها الهيمنة الفعلية على سياسة دول ومنطقة الشرق الأوسط وتشترك مع الدول الكبرى في تحديد وجهة التطور وتهدد باستمرار, دون أن تمارس ذلك, إسرائيل بسلاحها النووي وتعزز معنويات أتباعها في المنطقة, باعتبارها من الدول المالكة للأسلحة النووية المحرمة دولياً. ولا شك في أن محطة إيران الأولى سيكون العراق ومعه دول الخليج.
لا شك في أن هذه السياسة لا تعمل دون عوامل مقاومة أو رافضة لها على الصعد المحلية والعربية والإقليمية والدولية. وهذا الواقع يؤرق حكام الدولة الإيرانية ويضعهم أمام أسئلة كثيرة منها مثلاً:
هل أن الأهداف التي تسعى إليها إيران قابلة للتحقيق أم أنها مجر أحلام أو أوهام ؟ وهل ستسكت الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي عن هذه الوجهة في سياسة إيران التي تعني, ضمن ما تعني, محاولة الهيمنة على أبحار النفط في الشرق الأوسط وشرق أسيا؟ وهل ستتحمل إسرائيل هذه الوجهة المهددة لكيانها وشعبها؟ وهل أن حكومات الدول العربية هي الأخرى ستوافق على هذه المسيرة وتسكت على التمدد الإيراني الجديد في كياناتها؟ وما هو موقف شعوبها وقواها السياسية؟
لا شك في أن إيران تلعب اليوم على أوتار الخلاف بين الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي, وبين الإدارة الأمريكية وروسيا الاتحادية ومنها على نحو خاص مشكلة نصب الرادارات والصواريخ في التشيك وبولونيا على مقربة من روسيا والمخاطر الناشئة عنها , كما تراها روسيا, على أمنها ومصالحها. ولا شك في أن هاتين الدولتين ستحلان المشكلة في المحصلة النهائية ولكن إلى ذلك الحين تحاول إيران كسب الوقت لصالح برنامجها النووي وخططها الأخرى في المنطقة.
يبدو لي أن الولايات المتحدة تتخبط بشكل غير اعتيادي في التنسيق بين استراتيجيتها الدولية واستراتيجياتها الإقليمية وتكتيكاتها السياسية والعسكرية والأمنية ومصالحها الاقتصادية في ظل واقع العولمة وسياسات المحافظين واللبراليين الجدد. وهذه الحقيقة هي من بين ما يسمح لإيران أن تبدو أنها ناجحة في تكتيكاتها السياسية. ولكن ألا تلعب إيران في هذه السياسة الخرقاء بالنار؟
عندما يطرح السؤال على الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بشأن موقفه من إيران وسياساتها يجيب بأن كل الاحتمالات مفتوحة على مختلف الاتجاهات وكلها قابلة للممارسة, أي الحلول السلمية التفاوضية والحلول العسكرية.
لا شك في أن تجربة الحل العسكري تقدمها أوضاع العراق الحالية بكل تعقيداتها وتشابكاتها وما اقترن بها من أخطاء والعواقب التي ترتبت عنها حتى الآن تجعل الإدارة الأمريكية تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على الحل العسكري. أما الحل السلمي فلا تريد إيران القبول به وتعمل على جعل المفاوضات مع لجنة الطاقة الدولية والاتحاد الأوروبي تراوح في مكانها, تماماً كما لعب صدام حسين بالنار قبل الحرب الأخيرة. وهي تتصور أنها تلعب بذكاء في حين أنها تلعب بالنار حقاً, ولكن النار التي يمكن أن تشتعل في إيران قابلة للانتقال إلى دول أخرى في الشرق الأوسط, وخاصة إلى دول الخليج والعراق وإسرائيل على سبيل المثال لا الحصر.
إن مواجهة المشاريع الإيرانية المتداخلة مع مشاريع القاعدة من جهة , والمتشابكة مع مشاريع جماعة الأخوان المسلمين في الدول العربية وبشكل خاص في كل من مصر وسوريا والعراق وفلسطين والأردن من جهة ثانية , والمنسقة والمتعاونة مع مجموعة من التنظيمات الإسلامية السياسية الشيعية في دول المنطقة من جهة ثالثة , تستوجب اتخاذ مجموعة من الإجراءات الأساسية التي تشمل دول المنطقة والمجتمع الدولي وقواها السياسية الواعية للمخاطر المحدقة بالمنطقة.
علينا متابعة جملة من العمليات العسكرية الإرهابية التي تساندها إيران بشكل مباشر أو غير مباشر التي وقعت وما تزال تقع في العراق بقصد إثارة حرب طائفية فعلية في العراق, ولا نبعد عنها ما جرى في سامراء وفي بغداد والمساجد والجوامع العديدة, بما في ساحة الخلاني, وكذلك النشاط الإرهابي المتفاقم لمليشيا جيش المهدي في البصرة والجنوب عموماً التي تريد إشاعة فوضى كاملة في العراق لمزيد من الإحراج للحكومتين الأمريكية والعراقية و التهيئة لأعمال قادمة غير مسئولة.
ويدخل في هذا الإطار على مستوى أعلى ذلك الانقلاب الدموي الأرعن الذي نظمته حماس في قطاع غزة والذي لم ينشأ صدفة بل نظم وأقر منذ فترة غير قصيرة في أربع مدن في طهران ودمشق وبيروت وغزة , بين حزب الله بقيادة حسن نصر الله وحماس بقيادة خالد مشعل وبتأييد من الحكومة السورية وبدعم وتوجيه وتأييد مباشر من الحكومة الإيرانية وبتنفيذ من القوة التنفيذية بقيادة إسماعيل هنية ووزير داخليته. إن الأسلوب الذي مورس في هذا الانقلاب يؤكد الطبيعة الإرهابية لهذه المنظمة الإسلامية السياسية ذات العلاقة المتينة بالقاعدة وجماعة الأخوان المسلمين وقوى أخرى في دول مختلفة. وهناك قوى يمكن أن تفكر بطريقة مماثلة في العراق وبخاصة من جانب قوى التيار الصدري ومليشياته الطائفية المسلحة والإرهابية المتطرفة ومن يمكن أن يتعاون معها.
إن مواجهة الوضع الناشئ في منطقة الشرق الأوسط تستوجب تحركاً بعدة اتجاهات, وهي:
1. تحرك إسرائيلي سريع للتعاون الجاد والمسئول مع الرئيس محمود عباس لمعالجة القضية الفلسطينية قبل أن تتطور الأوضاع السلبية لتنتقل من غزة إلى الضفة الغربية, عندها يصعب معالجة المشكلة جدياً, كما يفترض أن تتحرك إسرائيل لمعالجة موضوع الانسحاب من مرتفعات الجولان, لكي يمكن تخليص سوريا من ارتهانها المتعدد الجوانب لإيران. وفي هذا التوجه يمكن تقديم رؤية عملية أكثر واقعية لمواجهة عمق الأزمة في الشرق الأوسط التي تشكل القضية الفلسطينية محورها المباشر.
2. تحرك الولايات المتحدة باتجاه إقناع إسرائيل بالتعجيل بحل المشكلة الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية وسحب البساط من تحت أقدام حماس وقوى القاعدة والقوى الإسلامية السياسية المتطرفة وكذلك القوى القومية اليمينية والشوفينية, إضافة إلى أنها قضية عادلة ومشروعة نساهم في تغيير نسبي لصورة الإدارة الأمريكية القاتمة في أوساط المجتمع العربي.
3. إن هذه الوجهة في الحل يفترض أن ترتبط بالتأثير والضغط الدوليين, وليس الأمريكي, المستمر على الحكومات العربية لممارسة سياسة تتسم بالاعتدال واحترام حقوق الإنسان والتخلي عن الاستبداد الراهن.
4. تكوين تحالف أكثر متانة ووضوحاً بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وروسيا أولاً, والتوجه صوب هذه الدول للتحالف المشترك مع الدول العربية ثانياً, التي ترى مخاطر جدية على الدول العربية في التحركات والسياسات الإيرانية ولمواجهتها ومواجهة سياسة قوى القاعدة والقوى المماثلة لها في الدول العربية. والطريق الأمثل لحل الملف النووي الإيراني هو طريق المفاوضات السلمية وزيادة الضغوط عليها, إذ أن إيران مصممة حتى الآن على إنتاج السلاح النووي وإشاعة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط والصيد في الماء العكر.
5. التنسيق الأكثر فاعلية مع الحكومة العراقية لمواجهة التدخل الفظ والشرس الإيراني في العراق , وضد تلك القوى الإسلامية السياسية المتطرفة في العراق وعلى رأسها هيئة علماء المسلمين والتيار الصدري من أجل إنهاء وجود المليشيات المسلحة الطائفية وتعزيز قدرات الحكومة العراقية وقواتها المسلحة لمواجهة قوى الإرهاب الدولي. ويبدو لي أن المسألة تحتاج إلى إعادة نظر في بنية الحكومة العراقية الراهنة وتحالفاتها والتخلي عن سياساتها الطائفية المتزمتة.
6. التفكير بسبل تعزيز القوى الديمقراطية والمدنية العلمانية واللبرالية في الساحة السياسية العراقية واللبنانية وفي غيرها من الدول العربية, إذ أن هذه القوى تعاني اليوم من جزر واضح وعجز عن التحرك والتأثير في سياسة بلدانها وشعوبها. ويمكن أن نلاحظ ذلك في الواقع العراقي الراهن.
7. التفكير الجدي بخلق نظام أمني جديد يتم الاتفاق حوله مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بشأن منطقة الشرق الأوسط بما يضمن منع وقوع الحروب فيها وعدم تدخل بعضها في شئون البعض الأخر منها, كما يضمن مصالح شعوب هذه الدول ويضمن في الوقت نفسه انسياب النفط من المنطقة إلى السوق العالمي بكل حرية.
21/6/2007 كاظم حبيب
8.