الرئيسية » مقالات » هل من علاقة بين النهج البعثي في سوريا والديمقراطية؟

هل من علاقة بين النهج البعثي في سوريا والديمقراطية؟

يورد الدكتور إمام عبد الفتاح إمام نقلا عن كتاب العقد الفريد لأبن عبد ربه نموذجا صارخا للأساليب التي أتبعت في عهد الأمويين لانتزاع البيعة الشكلية للخليفة قسراً من الناس حيث كتب يقول بأن عمال معاوية كانوا لا يختلفون عنه في أساليبه “فعندما أرسل يطلب رأيهم في أمر أخذ البيعة ليزيد “وليا للعهد” قام يزيد بن المقنع , فلخص الموقف الأموي من الخلافة في عبارة موجزة بليغة عندما جمع فأوعى!. قال: “أمير المؤمنين هذا” وأشار إلى معاوية.. “فإن هلكَ , فهذا” وأشار إلى يزيد.. “فمن أبى, فهذا” وأشار إلى سيفه!.. فقال له معاوية: “أجلس , فإنك سيد الخطباء”!!. (راجع: إمام, عبد الفتاح إمام د. الطاغية – دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي – سلسلة عالم المعرفة 183. سلسلة ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب -الكويت. مارس/آذار 1994. ص 197).
أما السيد رفاعي فقد كتب يقول: “لقد كان جند يزيد بعد واقعة الحرة وغيرها يطلبون إلى الرجل القرشي أن يبايع ليزيد, ولا من ناحية اقتناعه الديني طبعا, ولا بدافع الترغيب والمال, ولا بسياسة الرقة واللطف التي قد ينال بها أكثر مما ينال بالشدة والعنف, بل من ناحية السيف والإرهاب, يجب أن يبايع وأنفه راغم, ويجب أن يبايع مع ما يرى من انتهاكهم المدينة. كانت جند يزيد تقول للقرشي: بايع على أنك عبد قن ليزيد, فأن أبى ضرب عنقه… “. (رفاعي, أحمد فريد. عصر المأمون. في جزئين. الجزء الأول. ط 2. الألف كتاب الثاني 292. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 1997. ص )35.
والسؤال المشروع الذي يواجهنا هو: هل يوجد بعد هذا الزمن الطويل بين عهد بني أمية وعهد بني أسد في سوريا فارق في مبادئ الحكم والممارسة؟ كل الدلائل تشير إلى أن ما يجري اليوم هو أسوأ من ذاك لسبب أساسي هو أن العالم حينذاك لم يعرف إلا ذلك النوع من الحكم القسري, في حين أن عالمنا الراهن يعيش في القرن الحادي والعشرين حيث يفترض أن تسود حقوق الإنسان وحقوق القوميات والمساواة والعدالة واحترام كرامة الإنسان أولاً وقبل كل شيء. وكل هذا غائب عن سوريا بشار الأسد وحزب البعث.
قبل وفاة حافظ الأسد في حزيران من العام 2000 اجتمعت قيادة البعث وقررت أن يكون ابنه بشار الأسد, بعد حادث وفاة باسل الأسد, رئيساً للجمهورية. ولم يكن في حينها من يتصور أن تتحول دولة تأخذ بالنظام الجمهوري إلى دولة “جمهورية ملكية وراثية”. إلا أن حزب البعث “القيم على الأمة العربية” استطاع أن يقدم نموذجاً جديداً للحكم, نموذج الملكي الجمهوري أو الجمهوري الملكي الوراثي ويفرض “انتخاب” ابن الأسد بالإجماع رئيساً للدولة الوراثية الجديدة في سوريا المماثلة لدولة معاوية بن أبي سفيان في الإرهاب والقمع ودق الأعناق. ثم أعيد انتخابه في العام 2007 بأكثر من 97 % من أصوات الذين أعطوا أصواتهم في الانتخابات الأخيرة. وقد بلغ نفس الشأو الذي بلغه صدام حسين في النسب المئوية التي يمنحها الناس له قسراً. إن وراثة الابن للأب ذكرني بمقولة كارل ماركس النابتة حين كتب في برومير الثامن عشر نابليون ولويس بونابرت يقول “إذا كانت هيمنة نتبليون بونابرت على الحكم مأساة في تاريخ فرنسا, فهيمنة لويس بونابرت مهزلة”! هكذا هو الأمر بالنسبة إلى حافظ الأسد وبشار الأسد. فانتخابه الأخير جاء تماماً تحت وطأة الإرهاب والقمع والتنكيل بأنصار حقوق الإنسان والمجتمع المدني والديمقراطيين السوريين. وهو في ذلك لا يختلفون عن معاوية وصاحبه يزيد بن المقنع, فإما السجن وإما التصويت للرجل الذين يجبرون على ندلء محزن وبائس ” بالروح بالدم نفديك يا بشار”!
يقبع في سجون سوريا, التي لا تختلف كثيراً عن سجون بعث العراق, مجموعة طيبة وخيرة ومتنوعة من الناس المناضلين في سبيل حقوق الإنسان وفي سبيل أن تتمتع سوريا بنسائم الحرية والديمقراطية, بمن فيهم بعض البعثيين الشرفاء.
تمارس سوريا سياسة الاعتقال الكيفي والتعذيب وابتزاز عائلات السجناء السياسيين والحط من كرامتهم. إذ ما تزال السجون السورية تحتضن الكثير من الناس, منهم على سبيل المثال لا الحصر يعقوب شمعون الذي يقبع في سجون سوريا منذ عشرين عاماً, وميشيل كيلو ومحمود عيسى وسليمان الشمر وكمال لبواني وأنور البني وأستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق والكاتب المعروف الدكتور عارف دليلة وفاتح جاموس وغيرهم. ولسنا بعيدين عن اختفاء الاقتصادي العراقي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي شاكر الدجيلي أثناء مروره بدمشق من السويد قاصداً العراق.
إن نهج الحكم في سوريا استبدادي قمعي. ولكنه لم يسلط الإرهاب والقمع والعنف ضد الشعب السوري حسب, بل وكذلك ضد الشعبين اللبناني والعراق, من خلال أجهزة الجيش والأمن السياسي السوري حين كانت القوات السورية في لبنان أو من خلال القوى المؤيدة له حالياً في لبنان بعد طرده منها, ومنها حزب الله وحزب البعث. فهذا النظام كان ولا يزال يهرب الأسلحة إلى لبنان لتستخدم من قبل قوى الأعداء وقوى المعارضة ضد الحكم الدستوري والحكومة الشرعية في لبنان وليقضي على استقلال وسيادة لبنان التي لم يعترف بهما حتى الآن ويرفض فتح سفارة لسوريا في لبنان. وفي الأيام الأخيرة أعلن الأمن العام للأمم المتحدة بان كي مون عن قلقه البالغ من مخاطر استمرار تهريب الأسلحة السورية أو الإيرانية من سوريا إلى لبنان! وقبل يومين أُعلن أيضاً عن استمرار تهريب الأسلحة من سوريا إلى العراق, وهي أسلحة سورية وإيرانية.
علينا أن نتابع الوضع في فلسطين وأن نربط بين ما يجري في لبنان والعراق وفلسطين من جهة, وسوريا وإيران من جهة أخرى, ودور إيران في تشجيع حماس على الانقلاب على السلطة الشرعية الممثلة بالرئيس محمود عباس (أبو مازن) من أجل منع الوصول إلى أي اتفاق مع إسرائيل حول الحل النهائي, وهو يساعد إسرائيل على تقديم الذرائع للتهرب من الحل النهائي. إن حماس وهي تستقبل الدعم السياسي والعسكري والمالي والتشجيع من إيران, ولكنها تأتمر من حيث المبدأ بقرارات القاعدة, إذ أن حماس تشكل جزءاً منها ومن تنظيمها السياسي والعسكري. ولكن القضية لا ترتبط بفلسطين وحدها, بل أن هناك تهيئة لمثل هذه الوجهة في العراق ولبنان أيضاً, وهو ما يفترض الانتباه له ودرء مخاطره والضحايا التي سوف تسقط بسبب ذلك. وعلينا أن ننتبه أيضاً إلى أن مليشيات طائفية مسلحة تحاول استثمار ما حصل في العراق في سبيل تحقيق ثلاثة أهداف:
أولاً: عزل قوى الإسلام السياسي الأخرى عن قواعدها ومؤيديها وجرهم إلى جانب التيار الصدري عبر المظاهرات التي تنظم في هذا الصدد
ثانياً: الانسحاب من البرلمان بعد انسحابها من الحكومة والتخلي عن كل التزامات إزاء القوى الأخرى وربما سوف تنسحب من الائتلاف العراقي الموحد.
ثالثاً: الدعاية المستمرة ضد قوات الاحتلال بهدف تشديد الصراع معها لإخراجها واستثمار الوضع للتهيئة لتدخل إيراني, ولم تكن تصريحات الدكتور موفق الربيعي, الغريبة ولكنها المكشوفة, سوى البداية الفعلية لهذه الوجهة الخطرة في سياسة الحالف الصدري الإيراني الجديد القديم.
وعلينا أن لا ننسى بأن ميليشيا جيش المهدي مسلحة تسليحاً حديثاً وكبيراً وطريق الوصول إلى أسلحة جديدة مفتوح على مصراعيه.
إن سوريا, الحليف لإيران, ترتكب الكثير من الأساليب غير المشروعة والمحرمة في مبادئ شرعة حقوق الإنسان, سواء أكان ذلك ضد مواطنيها أم ضد مواطني العراق ولبنان, ولا بد من إيقاف هذا النظام الجائر عن ارتكاب الكثير من التجاوزات الفظة على حقوق الإنسان وحقوق الكُرد في سوريا. ففي الأمس فقط سقط النائب عن كتلة المستقبل في المجلس النيابي اللبناني المعطل من قبل سوريا ومساعديها في لبنان وليد عيدو شهيداً ومعه نجله الأكبر خالد وثمانية مواطنين آخرين والعشرات من الجرحى بتفجير إرهابي مجرم. كل الأصابع تؤشر إلى مصدر الجريمة إلى سوريا وإيران التي تقف وراء سوريا في كل ما تمارسه في لبنان. لقد أدان العالم كله تقريباً هذا الفعل الإجرامي الجبان الذي يريد زعزعة الأمن والاستقرار ويريد منع قيام المحكمة الدولية بمهماتها بمحاكمة قتلة رفيق الحريري ومن يقف خلفهم.
إن على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والجامعة العربية أن تتخذ المواقف الرادعة وتمارس الإجراءات الضرورية التي تساعد على وضع حد لارتكاب تلك الجرائم في لبنان, إضافة إلى إيقاف التدخل الفظ لسوريا في لبنان والعراق أيضاً.
14/6/2006 كاظم حبيب