الرئيسية » مقالات » جدران القومية والطائفية ، سبقت الجدران الكونكريتية !

جدران القومية والطائفية ، سبقت الجدران الكونكريتية !

لاينكر أن منظر الجدران والسياجات الكونكريتية وحتى العوارض الكونكريتية والأسلاك الشائكة ، يبدو للبغدادي وللعراقي منظر صعب جدا ، ولا يستوعبه ، فعندما يرى البغداديون أن مدينتهم ، مدينة السلام والوئام والانسجام ، المدينة التي كانت فيها صالونات للأدباء والمثقفين والشعراء منذ عشرات العقود ، منذ العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي ،حيث كان الأدباء والشعراء وأساتذة اللغة ، يشترك فيها السني والشيعي والمسيحي والكردي وغيرهم ، وكان من نجوم الصالونات الادبية واللغة العربية الأب أنستاس الكرملي أحد علماء اللغة العربية ، يحضرها المعممين وغير المعممين دون تمييز أو تفريق .

مدينة بغداد تلك المدينة التي لم تسجل الملحمة المشهورة بما تستحقه ، من تقدير وتبجيل ولم يقرأ عنها الأجيال من العراقيين ، ملحمة إنتفاضة 1948 ، حيث ضحى مئات الشباب والشابات وفي مقدمتهم فتاة الجسر بحياتهم رافعين علما واحدا ، هو العلم العراقي وهتافا مشتركا لكل فئات وطوائف الشعب العراقي ألا وهو إسقاط معاهدة ” بورتسموث الجائرة أريد لها أن تكون بديلة لمعاهدة 1930 سيئة الصيت ، لأن الرصافيون أرادوا الإلتحام والإلتقاء مع إخوانهم المناضلين الكرخيين أو بالعكس ، ليشتركوا معا في هدف واحد ، هدف عراقي وطني لا قومي ولا عروبي ولاشيعي ولا إسلامي بل هدف عراقي واحد خالص من تلك الشوائب ! وهو دحر المعاهدة الجديدة .

وكان قد أصرالمتظاهر الرصافي أن يلتقي أخاه المتظاهر الكرخي بالرغم من زخات الرصاص التي كانت تمطرهم وتسقط الشهدات بالعشرات وفي مقدمتهم الشهيدة ، فتاة الجسر ، حاملين شعارا عراقيا وطنيا واحدا ، بعيدا عن القومية والدين والطائفية ، هو الدفاع عن العراق ضد المعاهدات الجائرة .

أصروا على الإلتقاء إيمانا منهم ، أن بغداد لا تسير إلا على قدميها ، الكرخ والرصافة !! ولا تعمل أو تصفق إلا بكلتا يديها الكرخ والرصافة !! ولا ترى إلا بكلتا عينيها الكرخ والرصافة ! وتسمع بأذنيها ، الكرخ والرصافة !

لإيمانهم وقناعتهم بأن دجلة الخير ! توزع خيراتها الى كلتا طرفيها الكرخ والرصافة بالتساوي دون تفضيل أو تمييز ! وهل الغذاء يغذي جزءا من الجسم دون الآخر ! ويتألم لعضو دون الآخر ؟ هكذ ا كانت بغداد قلب البلاد وقبلة الكتاب والعباد !.

أيام زمان… كانت أصوات المؤذنين تختلط بأصوات أجراس الكنائس العامرة في كل منطقة من مناطق بغداد . الى جانب البارات والملاهي كلُ كان يتجه الى المكان الذي يرتاح فيه ويأكل ما يشتهي . المؤمنون يتجهون الى دور العبادة وغيرهم الى المقاهي ودور السينما ،وآخرون الى الملاهي دون تكفير أو تهجير أو تفجير ! لأن بغداد … بغداد كانت تتسع لكل هذه الفئات والاصناف والأطياف والقوميات المتآخية المنسجمة المتصافية فيما بينها ،فكأن لسان حالهم يقول”

علام الإختلاف ، كل شيئ يدعو الى التعاون والتكاتف والتسامح.

كانت بغداد أكثر مدينة متطورة حضاريا في الشرق الاوسط ، فكانوا يقولون : قاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرأ !! ، دخل التلفزيون بغداد على أثر إقامة المعرض الصناعي التجاري البريطاني سنة 1954 التجاري البريطاني ) جانب الكرخ ، في المساحة بين إذاعة بغداد والسفارة الإيرانية ،شاهدنا لأول مرة التلفزيون لشركة (باي) البريطانية صندوق خشبي صغير فيه كوة ضغيرة تطل منها صورة ، فإشترت ألحكومة العراقية المحطة أو أهديت لها ، لست متأكدا ، فإنتشر التلفزيون في البيوت والمقاهي عندما لم يكن يتوفر حتى الراديو في كثير من البلدان العربية والمجاورة !! لم يظهر يوما نوري السعيد أو الوصي في ولا الوزراء على شاشة التلفزيون ، بالمناسبة وبدون مناسبة !!

راينا من على شاشة التلفزيون ، كيف جاء شيوخ ، دبي ، وعجمان ، وأم القوين ، والشارقة وأبوضبي وغيرهم تباعا الى يد الزعيم عبد الكريم قاسم ، كانوا كنكرة للشعب العراقي ، لم نسمع بهذه الأسماء آنذاك !!!

كان شارع السموأل قبلة المثقفين والباحثين والمولفين والشعراء والكتاب والوراقين ، والمطابع البدائية تطبع وتجلّد ، وفي نهايته تجد حركة المحامين كالنحل في حركة متواصلة بين غرفة المحامين وبين كتاب الطابعة ، كانت في الخمسينيات لجنة الدفاع عن السجناء السياسيين ،( أكثر السجناء السياسيين بل ربما كلهم كانوا من الشيوعيين ) ! تتكون اللجنة من حوالي خمسين أو أكثر من خيرة المحامين ، يندفعون الى قاعات المحاكم بنشاط وحماس ، يدافعون بكل ما أوتوا من الخبرة والجرأة عن السجناء من دون مقابل ودون جزاءا ولا شكورا! لأنهم يعتبرون عملهم هذا مساهمة متواضعة في خدمة القضية الوطنية .

كان أول رئيس جامعة بغداد في نهاية العهد الملكي المسيحي [ د. متي عقراوي ]، وبعد الثورة كان العالم الذري [ الصابئي ، د. عبد الجبار عبد الله ]، دون أو يولد ذلك حساسيات طائفية أو قومية ، بل كان المعيار الكفاءة والإخلاص .

كانت الطبقة العاملة العراقية طليعة العمل والنضال الوطني من خلال إضراباتها البطولية تساندها وتدعمها الأحزاب الوطنية والديمقرطية ، وقد أوقف الإستاذ كامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي لإحتجاجه على إطلاق الرصاص عليهم بإفتتاحية شديدة اللهجة بعنوان : ( إطلاق الرصاص على العمال المضربين ) .

كان أشهر وأكبر إضراب لعمال النفط في كركوك صيف سنة 1946 ، كان يقوده العامل [ الكلداني حنا الياس ] دون أن يولد حساسية من أية فئة عربية أو كردية أو تركمانية ، مسلمة أو مسيحية ..!الى جانب إضرابات طلبة الجامعات والكليات .

أما العائد من بغداد أو الساكن فيها ،فكانوا يسألونه : هل ذهبت مساءا الى شارع [أبي نؤاس ]، إذا كان جوابه بالنفي يقولون له : إذن أنت لم تر بغداد ولم تر شيئا منها ولم تتمتع بأمسياتها ! ، كانت أبخرة شوي المزكوف تخترق أنوف المارة كما في دور العبادة!! تريح في النفوس شوقا وتزيد في العشاق عشقا ! وقرقعة الكؤوس وأغاني ناظم الغزالي ومحمد الكبنجي ( أي القباني أو الوزّان ) ، العوائل في الحدائق الممتدة على شاطئ النهرالخالد والشباب وأغانيهم المجونية في الابلام التي تشق مياه النهرشقا ذهابا وإيابا .

كان أهالي بغداد محسودين على بغداديتهم ! كان الاردنيون يطلقون على الأردني المتظاهر بالتحضر والرقي يقولون: ” فلان إدبغدد !!!”

كانت البصرة الفيحاء الهادئة الناعمة تظللها سعفات النخيل مزينة بالعناقيد الذهبية المتدلية ، وكورنيشها كان يزدحم بالرايحين والجايين من الشباب والشابات ،وكان بين البصرة والعشار أحلى مسار !! بصرة مدينة الشعراء والكتاب ، كالشاعر بدر شاكر السياب والقصاص الهادئ الرقيق ، صديقي الصدوق المرحوم مهدي عيسى الصقر

( أبا ألحان) )..وغيرهم ، أين هي الآن من تلك الصورة الرائعة …!

وكانت موصل تنتقل كلها يوم الأحد الاول ، بعد عيد الفصح عيد القيامة ،تنتقل رجالا ونساءا مسلمين ومسيحين في أيام الآحاد الثلاثة التي تلي عيد القيامة ، الى الأديرة ماركوكيس والطاهرة ومار ميخا ، مرتدين أحلى الملابس والحلي ، كلهم في حالة فرح وطرب ووئام وإنسجام .

إن ما ذكرته أعلاه ليس إلا رؤوسا لنقاط بسيطة ، ليس للمدن الرئيسية التي ذكرتها ، بل لكل مدن العراق الأخرى وبلداته وقراه .. وإذا أريد التوسع في الوصف والموضوع قد نحتاج الى مجلدات والى مؤرخين يتفرغون لها .

من حوّل … نعم من غيّر ،… من بدّل .. من شوّه .. من زيّف …

تلك الصورة الرائعة للعراق وعاصمته الهادئة الجميلة المتطورة وبقية مدنه الى ماهي عليه الآن ؟؟

من أدخل تلك الصورة الرائعة لحياة العراقيين الآمنة في نفق القومية المظلم !!، من حوّل كل الإلفة والتعاون والمحبة والعشرة الى صراعات دائمة مستديمة بحيث يصعب إعادتها كما كانت إلا بمعجزة ؟؟!!

المدن الآمنة تحولت الى غابة تتجول في طرقاتها ذئاب ووحوش مفترسة وكما قال شيخ الشعراء الكبير ، الجواهري : ” في كل منعطف موت زوأم ” من بدأ بتشويه تلك الصورة و تلك اللوحة الفنية الرائعة ؟؟

أذكر منذ مجيئ الفكر الشوفيني الفاشي القومي البعثي الى العراق في الخمسينيات ،بدأ غربان القوميين والبعثيين ، بدأوا بالتمييز بين العربي وغير العربي ، ” نحن طلاب العرب … في الكلية الفلانية “.. “نحن العمال العرب في المعمل الفلاني” .. نحن الشباب العربي.!!. نحن النساء العربيات !!…وبكل إصرار …، وبدأوا يستخفون بكل عراقي غير عربي ! ويسمونه عروبي .. أعجمي .. دخيل … تبعية ..!

ومن هنا بدأوا بإقامة السياجات القومية الكريهة وخاصة بعد إنقلابهم الدموي بإسناد ومساعدة العربان المستعربين وفي مقدمتهم مصر ” العروبة ” وشيوخ الخليج !والمستعمرون .

ومن هنا بدأ التقسيم والفصل ليس فقط في بغداد بل أمتد التقسيم الى كل مدينة وقرية وعشيرة وحتى الأسرة !! قسموا الشعب العراقي الى عربي وحدوي من أحفاد عدنان وقحطان !! والبقية عروبي شعوبي عجمي صفوي تبعية !! قال فيلسوفه المشعوذ عفلق : ” نجعل الأكراد وغير الأكراد طبعا يشعرون كأنهم عربا !! أي يرفعهم الى مستوى العرب إذا إنتموا الى حزبهم الفاشي !! أما المهرج عبد السلام عارف ، وقف يوما من أيام ثورة 14/تموز ، في ساحة التحرير يرمي بسدارته في الهواء يتلقفها مراهقي البعث والقوميين ، ويزعق كالحمار ويصيح :” لا شيوعي ولا شيعي ولا شروكي بعد اليوم !!، لا بطرس ولا بولص بعد اليوم !! لاسيارات ولا ثلاجات بعد اليوم !!!

لم يكتفوا بالشعارات ، بل إنتقلت عصاباتهم الى التصدي الى المظاهرات بالعصي والحجارة ثم إنتقلوا الى الإغتيالات السياسية وكان اول ضحاياهم المناضل الشهيد المحامي كامل قزانجي وإستمروا حتى شباط الدموي الأسود سنة 1963. وبعدها أي بعد إنقلاب عارف في التشرين من تلك شكلوا فرق الإغتيالات للوطنيين الذين أفلتوا من قبضتهم وبطشهم !!

إنتهى عهد الفصل بين العربي والأعجمي ،والتبعية في 9/نيسان ، فإستبشر الناس خيرا ، إلا أن فرحهم لم يدم طويلا حتى بدأ عصر إقامة السياجات الدينية والطائفية الشائكة الكريهة القاتمة ثم سياجات التكفير والرعب والقتل والذبح بمختلف الحجج المفتعلة ، حتى بدت السياجات القومية قياسا لها شفافة غيرمؤذية ولا شائكة .وعصابات البعث أووا وسلحوا ومولوا عصابات القاعدة ، لأن مبدأهم ، الغية تبرر الوسيلة ، وأن قائد ضوروتهم قال : ” لم أترك العراق للغير إلا أرضا فارغة “!!

والى من يعارض أو يعترض على السياجات الكونكريتية ، نقول :

أليس منظر خيم المهجرين العراقيين داخل بلدهم العراق! أبشع من تلك السياجات الكونكريتية ، أليس منظر المهجرين العراقيين في دول الجوار يتسكعون في شوارع الدول التي نمت وتطورت من بؤس ومآسي العراقيين وأموالهم وحلالهم يبحثون عن املجأ ومأوى آمنا لهم ولأطفالهم في بلدان “” الأشقاء “” العربان ،أبشع من منظر السياجات الكونكريتية ؟؟ ،

ولكن المشكلة أن هذه الشعوب ، تظّهر ” تجيّر ” مشاكلها الى الغير وخاصة الى الأجنبي وقد تعلمت أن نتنتقد وتهاجم كل عمل يعمله الأجنبي ، ولو كان خير للشعب ، دون أن تقدم البديل !، هل حميتم المسيحيين في الدورة وغيرهم مثل الصابئة واليزيديين من الذبح والتهجير والإغتصاب إذا لم يغيروا دينهم وينتموا الى عصاباتهم ؟؟ وحتى الشيعي والسني والكردي غير نحمي من بطش عصابات القتل والتفجير ! .

لماذا يحمي المسؤولون أنفسهم ومجالسهم في المنطقة الخضراء بالسياجات الكونكريتية والاجهزة الالكترونية والكلاب البوليسية بالرغم من أنكم مطوقون إضافة الى بحراس مدججين بالسلاح ؟؟ وتستكثرون على الاهالي العزل المساكين السياجات الكونكريتية وهي أقل حصانة من سياجاتكم ؟

أوليس السكن داخل السياجات الكونكريتية خير من السكن في المقابر الجماعية الجديدة أومن الجثث المرمية في الطرقات .

إذا كانت حجة المعارضين بأن الأمريكان يريدون إحداث شرخ طائفي في بغداد ! إذا لماذا لم يحاول الأمريكان إحداث هذا الشرخ الطائفي في شمال العراق ؟، مع تعدد القوميات والطوائف والعشائر هناك ؟ أو ليعيدوا الخلافات التي كانت قائمة بين الحزبين منذ الثمانيات ، ولماذا لم يفعل ذلك الإستعمار البريطاني الذي كان يدير سياسة العراق من وراء الستار مدة أربعون عاما ، ؟؟؟

أم أنه مبدأ المغرضين العربان والمصلمان ، معارضة كل ما يفعله الأجنبي وخاصة الأمريكان ، وإن كان عملهم خدمة للسلم والأمان .

ليس دفاعا عن الأمريكان ولكن لأنكم لم تقدموا بديلا للإطمئنان !!